الأنهار تنظف نفسها.. لكن حسب الفصول.. تغيّر آليات تنقيتها ذاتيًا
كيف تحارب الأنهار التلوث؟ الإجابة تتبدل مع الفصول.. مصنع تنقية متغير
قد يبدو النهر للوهلة الأولى مجرد مجرى مائي ينقل المياه من مكان إلى آخر، لكنه في الواقع نظام طبيعي معقد يعمل باستمرار على تنقية نفسه.
فالأنهار تزيل النيتروجين الزائد أثناء تدفقها، قبل أن يصل إلى البحيرات أو السواحل، ما يحد من آثار التلوث البيئي.
وكشفت دراسة حديثة أُجريت على نهر “جينشوي” في وسط الصين أن هذه العملية ليست بسيطة، بل تعتمد على تفاعل معقد بين الكائنات الدقيقة، وكيمياء المياه، والارتفاعات الجغرافية، وأنماط استخدام الأراضي.
نُشرت الدراسة في مجلة “Nitrogen Cycling” .
آليات متعددة لتنقية النيتروجين
ركز الباحثون على مسارين رئيسيين تعتمد عليهما الأنهار في إزالة النيتروجين:
الأول هو “نزع النيتروجين” (Denitrification)، والثاني عملية أقل شهرة تُعرف باسم “أناموكس” (Anammox)، وهي أكسدة الأمونيوم في ظروف لاهوائية.
ويسهم هذان المساران في تحويل النيتروجين إلى غاز غير ضار يتطاير في الهواء بدلًا من بقائه في المياه والتسبب في أضرار بيئية.
يدخل النيتروجين إلى الأنهار من مصادر متعددة، أبرزها الأسمدة الزراعية، ومياه الصرف، والمخلفات الصناعية.
ويؤدي ذلك إلى ازدهار الطحالب، وانخفاض مستويات الأكسجين، وتراجع التنوع البيولوجي في النظم المائية.

تتبع النهر عبر الفصول
جمع الباحثون عينات من المياه والرواسب من 18 موقعًا على طول نهر جينشوي، خلال فصلي الصيف والشتاء، لتحليل التغيرات الموسمية.
كما استخدموا تقنيات الاستشعار عن بُعد وتتبع نظائر النيتروجين، إلى جانب تحليل الجينات الميكروبية وكيمياء الرواسب.

نتائج رئيسية
أظهرت النتائج أن عملية نزع النيتروجين كانت المسار الرئيسي، إذ ساهمت بنحو 90% من إزالة النيتروجين صيفًا، و95% شتاءً، مع نشاط أعلى خلال الأشهر الدافئة.
أما عملية “أناموكس”، فكانت أقل تأثيرًا لكنها استمرت طوال العام بمساهمة ثابتة.
اختلاف العوامل حسب الفصول
في الصيف، كان نشاط إزالة النيتروجين مرتبطًا بشكل أساسي بالكائنات الدقيقة وخصائص الرواسب، مثل نسبة الكربون إلى النيتروجين والرطوبة.
أما في الشتاء، فقد أصبحت كيمياء المياه، خاصة درجة الحرارة وتركيزات النترات والأمونيوم، العامل الحاسم في التحكم بهذه العمليات.
ويعود ذلك إلى أن انخفاض درجات الحرارة يبطئ نشاط الكائنات الدقيقة ويقلل كفاءة التفاعلات داخل الرواسب.
دور الغطاء النباتي
أشارت الدراسة إلى أن المناطق الغابية تعزز نشاط عملية “أناموكس”، نظرًا لانخفاض الكربون العضوي فيها، ما يقلل المنافسة ويتيح لهذه البكتيريا العمل بكفاءة أكبر.
أهمية النتائج
تؤكد الدراسة أن فهم تنقية الأنهار لا يمكن أن يعتمد على عامل واحد فقط، بل يتطلب النظر إلى التفاعل بين البيئة والكائنات الدقيقة، مع مراعاة التغيرات الموسمية.
وقد تسهم هذه النتائج في تحسين نماذج دورة النيتروجين عالميًا، وتطوير استراتيجيات أكثر فاعلية لإدارة أحواض الأنهار.
كما تشير إلى ضرورة تصميم سياسات مائية تأخذ في الاعتبار اختلاف أداء الأنهار بين الصيف والشتاء، بدلًا من افتراض ثبات هذه العمليات طوال العام.





