د.فوزي يونس: في يوم البيئة العالمي.. كيف تزيد الطاقة في أرض حياتنا؟
أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء- استشاري البصمة الكربونية والاستدامة
بداية أدى النشاط البشري منذ الثورة الصناعية إلى ارتفاع كبير في تركيزات غازات الدفيئة (GHGs) مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز. هذه الغازات تحبس الحرارة في الغلاف الجوي مما يؤدي إلى اختلال في ميزانية الطاقة الأرضية. حين تكون الطاقة الداخلة من الشمس أكبر من الطاقة الخارجة من الأرض يبدأ نظام الأرض في تخزين الطاقة الزائدة.
لكن هذه الطاقة لا تُخزن بشكل موحد. فوفقًا للتقديرات العلمية الحديثة يُمتَص نحو 90% من هذه الطاقة الزائدة بواسطة المحيطات بينما يُسهم 4% في تدفئة اليابسة و4% في ذوبان الجليد القطبي ولا يخزن سوى 2% فقط في الغلاف الجوي.
أولا: المحيطات كمخزن رئيسي للحرارة (90%)
تمتص المحيطات معظم الحرارة الزائدة بسبب سعتها الحرارية الكبيرة. هذا الامتصاص الحراري له آثار عميقة:
ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية والعميقة مما يؤدي إلى اضطراب أنظمة التيارات البحرية مثل تيار الخليج (Gulf Stream).
توسّع حراري لمياه البحر وهو سبب رئيسي في ارتفاع مستويات سطح البحر إلى جانب ذوبان الجليد.
اضطرابات في النظم البيئية البحرية مثل تبييض الشعاب المرجانية ونزوح الأسماك والكائنات البحرية من مواطنها الأصلية.
الأثر على التنوع البيولوجي البحري:
الشعاب المرجانية التي تعد موطنا لما يزيد عن 25% من الكائنات البحرية مهددة بالانقراض بسبب ارتفاع حرارة المياه.
الأحياء البحرية الحساسة مثل القشريات والرخويات تعاني من تغيرات درجة الحرارة والحموضة (نتيجة امتصاص ثاني أكسيد الكربون).
تغير سلاسل الغذاء البحرية مما يؤثر على مصايد الأسماك والأمن الغذائي البشري.
ثانيا: اليابسة (4%) وتأثير الاحترار الأرضي
تخزن القارات نحو 4% من الطاقة الزائدة مما يسبب:
- زيادة حرارة التربة وبالتالي زيادة معدلات التبخر وندرة المياه في مناطق زراعية عديدة.
- اضطراب النظم البيئية البرية خصوصًا في المناطق القاحلة والجافة التي تتعرض لموجات حرّ متطرفة.
- حرائق الغابات التي تتزايد بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
- التأثير على التنوع البيولوجي البري:
نزوح الكائنات البرية إلى مناطق أكثر برودة مما يؤدي إلى اضطراب في التوازن البيئي.
انقراض أنواع غير قادرة على التكيف مع التغيرات السريعة في بيئاتها.
اختلال التفاعل بين الأنواع (مثل توقيت التزهير وتكاثر الحشرات) مما يؤثر على السلاسل الغذائية والتوازن الإيكولوجي.
ثالثا: ذوبان الجليد (4%)
تستخدم 4% من الطاقة الزائدة في ذوبان الجليد القطبي والجبال الجليدية. هذا لا يسهم فقط في ارتفاع مستوى سطح البحر بل يغير من انعكاسية سطح الأرض (Albedo) ويزيد من امتصاص الحرارة مما يعجل الاحترار.
التأثير على التنوع البيولوجي في المناطق القطبية:
الدببة القطبية والفقمات تواجه صعوبة في الصيد والبقاء نتيجة تقلص الجليد البحري.
تحولات في أنماط الهجرة والتكاثر للحيوانات التي تعتمد على الجليد كمأوى أو ممر موسمي.
رابعا: الغلاف الجوي (2%)
مع أن الغلاف الجوي لا يخزن سوى 2% من الطاقة الزائدة فإن هذا يكفي لتغيير مناخ الأرض بشكل كبير تؤدي الي:
* ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية.
* زيادة تكرار الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر والأعاصير والفيضانات.
* تغيرات في أنماط هطول الأمطار مما يؤثر على الزراعة والمياه العذبة.
وفي النهاية لابد التوجه نحو فهم شامل لتأثير الغازات الدفيئة علي النظم الإيكولوجية بسطح الكرة الأرضية.
كما إن فهم توزيع الطاقة في نظام الأرض يعد خطوة أساسية لفهم تغير المناخ العالمي وتأثيراته المعقدة. تراكم الطاقة في المحيطات والجليد والغلاف الجوي ليس مجرد مسألة فيزيائية بل هو عامل محفز لتغيرات عميقة في النظم البيئية البحرية والبرية ويؤثر في التنوع البيولوجي الذي تعتمد عليه البشرية في الغذاء والماء والخدمات البيئية.
التوصيات
* تعزيز المراقبة العلمية لمخازن الطاقة في الأرض وخاصة المحيطات والمناطق القطبية.
* الاستثمار في برامج حماية التنوع البيولوجي للتكيف مع التغيرات المناخية.
* خفض انبعاثات غازات الدفيئة بشكل عاجل للحد من تراكم الطاقة في النظام الأرضي.





