د.رانيا عبد المنعم: اللجوء المناخي بين الانذار المبكر والسيناريو الأسوأ
محاضر مواد القانون الخاص .. خبير العلاقات الاقتصادية الدولية
تواجه معظم البلدان النامية معضلات متعددة تتعلق بمشاكل البيئة الطبيعية، وانخفاض مستوى التنمية الاقتصادية، وعدم كفاية الوسائل التقنية، وهي حساسة للغاية لتغير المناخ ، وليس لديها القدرة الكافية على التكيف، وهي شديدة التأثير، مما يؤدي إلى آثار أشد خطورة من الكوارث المناخية، وتكلفة تغير المناخ أعلى.
وإن السبب وراء تفاقم مشكلة ” لاجئ المناخ” أصبح مشكلة دولية حالية، وأن ” لاجئ المناخ” تحدي بارز تواجه البلدان النامية بشكل خاص.
لقد تسبب التغير المناخي في حدوث تغيرات خطيرة وربما تكون دائمة في العالم الذي نعيش فيه، إن اللجنة الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) تدعي الآن أن “هناك دليلًا جديدًا وأكثر قوة على أن معظم السخونة الملاحظة على مدار آخر 50 عامًا يمكن نسبتها إلى الأنشطة البشرية “، وقد أدت هذه التغيرات إلى حدوث الكثير من المخاطر البيئية تجاه الصحة ، مثل نضوب الأوزون، فقدان التنوع الحيوي، الضغوط على الأنظمة المنتجة للغذاء وانتشار الأمراض المعدية بشكل عالمي.
فقد قدرت منظمة الصحة العالمية (WHO) وقوع 160000 حالة وفاة منذ 1950 مرتبطة بصورة مباشرة بالتغيرات المناخية.
فإن غالبية الآثار العكسية للتغير المناخي تعاني منها المجتمعات الفقيرة وذات الدخل المنخفض حول العالم ، والتي تتميز بمستويات كبيرة من التعرض للعوامل البيئية المؤثرة المتمثلة في الصحة والثروة والعناصر الأخرى، بالإضافة إلى مستويات منخفضة من القدرة المتوفرة للتأقلم مع التغير المناخي.
لقد أظهر أحد التقارير حول التأثير البشري على تغير المناخ والذي صدر عن المنتدى الانساني العالمي عام 2009 يتضمن رسمًا حول العمل الذي تم من قبل منظمة الصحة العالمية في فترة مبكرة من ذلك العقد أن الدول النامية تعاني من 99% من الخسائر المنسوبة إلى التغير المناخي، ولقد أثار هذا أيضًا تساؤلاً حول العدالة المناخية حيث إن أكثر 50 دولة نامية حول العالم لا تعتبر مسؤولة عن أكثر من 1% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري والتي تتسب في ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية .
إن تغير المناخ يؤدي إلى نزوح الأفراد من خلال العديد من الطرق و أكثرها وضوحًا و مأساوية، يكون بسبب زيادة عدد وخطورة الكوارث المتعلقة بالطقس والتي تدمر المنازل والمساكن مما يدفع الأفراد إلى البحث عن مأوى أو أماكن للعيش بمكان آخر، و كذلك فان ظاهرة البداية البطيئة التي تتضمن تأثيرات التغير المناخي مثل التصحر وارتفاع منسوب البحار يؤدي تدريجيًا إلى تدمير أسباب المعيشة واجبار المجتمعات على التخلي عن أوطانها التقليدية لتذهب إلى بيئات أكثر ملاءمة.
ويحدث هذا حاليًا في مناطق الساحل الافريقية وحزام مناطق المناخ شبه الجاف الذي يمتد حول القارة أسفل صحرائها الشمالية تمامًا.
ويمكن أن تؤدي البيئات المتدهورة نتيجة للتغير المناخي إلى مزيد من الصراعات حول الموارد والتي قد تؤدي بدورها إلى نزوح الأفراد ، و تتسبب الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيّر المناخي في ظهور موجات من المهاجرين والنازحين الذين يُطلقُ عليهم خبراء الهجرة مصطلحا جديدا هو “لاجئو المناخ”.
أما الأحداث البيئية المتطرفة فيتم النظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها السبب الرئيسي للهجرة عبر العالم.
فطبقًا لمركز مراقبة النزوح الداخلي (Internal Displacement Monitoring Centre)، فإن أكثر من 42 مليون شخص نزحوا من منطقة آسيا والمحيط الهادئ خلال عامي 2010 و2011.
وتتضمن هذه الأرقام أولئك الذين نزحوا بسبب العواصف والفيضانات وموجات الحر والبرد.
ولا يزال هناك آخرون نزحوا بسبب الجفاف وارتفاع منسوب البحار ، ومعظم هؤلاء الأفراد أجبروا على ترك منازلهم وفي النهاية عادوا عندما تحسنت الظروف، ولكن عدد غير محدد أصبح في عداد المهاجرين، وهذا داخل بلادهم في العادة، إلا أن هناك أيضًا من هاجروا عبر الحدود.
و تعتبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ أكثر مناطق العالم ميلاً لحدوث الكوارث الطبيعية، وذلك من ناحية العدد الإجمالي للكوارث والأشخاص المتضررين على حد سواء حيث تتعرض تلك المنطقة بدرجة كبيرة للتأثيرات المناخية، وتعتبر موطنًا لمجموعات سكانية معرضة للمخاطر بدرجة كبيرة تعتبر فقيرة ومهمشة بصورة غير متساوية ، وشهدت كذلك منطقة شرق جنوب إفريقيا هطول أمطارا غزيرة وفيضانات شديدة، أفقدت أكثر من 40 ألف شخص منازلهم.
وتؤثر التغيرات البطيئة في البيئة، مثل تحمض المحيطات والتصحر وتآكل السواحل، بشكل مباشر على سبل عيش الناس وقدرتهم على البقاء في أماكنهم الأصلية، ما يدفع دفعًا نحو النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية.
ربما كانت الهجرة والنزوح في عقود سابقة دافعهما الرئيسي سوء الأحوال المعيشية، خاصة بسبب النزاعات والحروب، لكن منذ الألفية الجديدة يشهد العالم اتجاهًا تاريخيًا جديداً للهجرة بسبب تداعيات سوء الأحوال الجوية، فقد سجّلت المؤشرات الرئيسة للتغير المناخي أرقاماً قياسية تمثلت في تركيزات غازات الاحتباس الحراري، وارتفاع مستوى سطح البحر، وحرارة المحيطات، وتحمّض المحيطات، وذلك وفقاً لتقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
و أكّدَ تقرير لمنظمة الهجرة الدولية لعام 2022 أن المزيد من الأشخاص في جميع أنحاء العالم أصبحوا مشردين الآن في موجاتٍ متكرِّرةٍ بسبب الكوارث الناجمة عن تغيّرِ المناخ.
في حين أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين أنَّ أكثر من 20 مليون شخص يضطرُّون إلى الانتقال داخليًا أو اللجوء عبر الحدود كل عام بسبب تغير المناخ والكوارث المناخية.
و لا شك في أن عدم توافّر أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالكوارث المناخية سوف يؤدي الي تزايد الأضرار الناتجة عن تلك الكوارث أمر متوقع خلال العقدين المقبلين.
وعلى جانب آخر فان هناك عدة سيناريوهات متوقعة لمستقبل الأرض مع التغير المناخي قد يرتحل أكثر من 216 مليون شخص من مكان لآخر داخل حدود بلدانهم بحلول عام 2050 في ست مناطق، وذلك وفقا لما خلص إليه أحدث إصدار من تقرير البنك الدولي بعنوان Groundswell.
ويشتمل التقرير على تقديرات جديدة من ثلاث مناطق: شرق آسيا والمحيط الهادئ، وشمال أفريقيا، وشرق أوروبا وآسيا الوسطى. وهو يبني على الإصدار الأول لتقرير Groundswell في عام 2018 الذي غطَّى مناطق أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية.
خلصت التوقعات في جميع المناطق حتى عام 2050 إلى أنَّ: منطقة أفريقيا جنوب الصحراء قد تشهد اضطرار ما يصل إلى 86 مليون شخص إلى الهجرة الداخلية بسبب تغير المناخ، ومنطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ 49 مليونا، وجنوب آسيا 40 مليونا، وشمال أفريقيا 19 مليونا، وأمريكا اللاتينية 17 مليونا، وشرق أوروبا وآسيا الوسطي 5 ملايين.
ومن المتوقع أن تزداد الهجرة الداخلية الناجمة عن تغير المناخ خلال العقود القليلة القادمة، ثم تتسارع وتيرتها في النصف الثاني لهذا القرن، إذا لم تنجح البلدان في تخفيض الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة وبناء القدرة على الصمود في وجه الآثار الحالية والمستقبلية لتغير المناخ.
وقد يظهر ما يُسمَّى “البؤر الساخنة” للهجرة بسبب تغير المناخ داخل البلدان بحلول عام 2030، ثم تشتد وتيرتها ويتسع نطاقها.”
مع حدوث الهجرة إلى الخارج في المناطق التي تتعرض فيها سبل كسب الرزق للخطر بسبب تغير المناخ، والهجرة الداخلية في المناطق التي توجد فيها فرص أفضل للعيش وكسب الرزق.
لذلك هناك فرصة للتحرك من أجل العلاج.
وما من شكٍ في أن الحد من الخسائر البشرية لتغير المناخ يتطلب في المقام الأول تخفيض الانبعاثات والحرص على اتباع نهج التنمية الخضراء القادرة على الصمود والشاملة للجميع.
وفي الوقت ذاته، يمكن للبلدان أيضا التنبؤ والتأهب والتكيف لمواجهة عوامل الهجرة وأسبابها، وذلك على سبيل المثال بمساعدة المجتمعات المحلية على التكيف في أماكنها بتنويع سبلها لكسب الرزق أو تسهيل ارتحالها إذا اقتضت الضرورة.”
ويخلص الينا في ذلك أن المسارعة إلى اتخاذ إجراءات مُنسَّقة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة والحرص على اتباع نهج التنمية الشاملة للجميع والقادرة على الصمود ذات أهمية بالغة، وقد تحد من نطاق الهجرة الداخلية الناجمة عن تغير المناخ بنسبة تصل إلى 80%.






تعليق واحد