حقول الأرز المغمورة أكبر مصدر لانبعاثات المزارع حول العالم
70% من تلوث الزراعة المناخي يأتي من الأرز والتربة الخثية
كشفت خريطة عالمية جديدة أن نسبة محدودة من الأراضي الزراعية مسؤولة عن معظم الانبعاثات المناخية الناتجة عن القطاع الزراعي، في وقت لا يُنظر فيه عادةً إلى المزارع باعتبارها من أبرز مصادر التلوث المناخي.
ووفقًا للدراسة التي تم نشر نتائجها في دورية Nature Climate Change، فإن نحو 70% من انبعاثات الأراضي الزراعية في عام 2020 جاءت من مصدرين رئيسيين هما: حقول الأرز المغمورة بالمياه والتربة الخثية المُجففة.
واعتمد الباحثون على دمج بيانات ميدانية وسجلات الأقمار الصناعية والنمذجة المناخية لرسم خريطة تفصيلية تربط الانبعاثات بمحاصيل محددة وأنواع مختلفة من الأراضي، عبر تقسيم المناطق إلى شبكات جغرافية يبلغ عرض الواحدة منها نحو 10 كيلومترات.

تحديد مواقع انبعاثات حقول الأرز والتربة الخثية
وساعد هذا النهج في تحديد المواقع التي تهيمن فيها حقول الأرز والتربة الخثية على إجمالي الانبعاثات، ما ينقل النقاش من تحديد المشكلة إلى البحث عن حلول تقلل الانبعاثات دون التأثير في الإمدادات الغذائية.
في عام 2020، بلغت انبعاثات الأراضي الزراعية عالميًا نحو 2.5 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو مقياس يُستخدم لمقارنة تأثير الغازات الدفيئة المختلفة على الاحترار العالمي.
وجاء ما يقرب من نصف هذه الانبعاثات من منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، فيما شكّل الأرز وحده نحو 43% من إجمالي انبعاثات الأراضي الزراعية عالميًا.
وتعود غالبية هذه الانبعاثات إلى ثلاثة مصادر رئيسية، هي: التربة الغنية بالكربون بعد تجفيفها وحقول الأرز المغمورة بالمياه، حيث يسهم كل منهما بنسبة 35%، إضافة إلى الاستخدام المكثف للأسمدة الصناعية بنسبة 23%.

أعلى مستويات التلوث في الدلتا النهرية والسهول المنخفضة
وتتركز أعلى مستويات التلوث في المناطق التي تهيمن فيها زراعة الأرز، خاصة في الدلتا النهرية والسهول المنخفضة، حيث تبقى الحقول مغمورة بالمياه لفترات طويلة.
وعندما تظل حقول الأرز مغمورة بالمياه لأسابيع، ينخفض مستوى الأكسجين في التربة، ما يسمح للكائنات الدقيقة بتحليل المواد النباتية في بيئة رطبة وخالية من الهواء، منتجة غاز الميثان، أحد أقوى الغازات الدفيئة.
وفي المناطق الدافئة ذات المواسم الزراعية الطويلة، قد تبقى الحقول مشبعة بالمياه لأشهر، ما يؤدي إلى استمرار الانبعاثات لفترات ممتدة.
ويمكن للمزارعين خفض انبعاثات الميثان عبر تجفيف الحقول بشكل دوري، أو إدارة بقايا المحاصيل بعناية، أو تحسين توقيت استخدام الأسمدة، رغم أن أنظمة الري واللوائح المائية قد تحد من مرونة تطبيق هذه الإجراءات في بعض المناطق.
كما تسهم الزراعة في التربة الخثية في زيادة الانبعاثات، إذ تتكوّن هذه التربة من مواد نباتية متحللة جزئيًا على مدى قرون، وتحتفظ بكميات كبيرة من الكربون طالما بقيت مشبعة بالمياه.
لكن عند تجفيفها لأغراض الزراعة، يتسرب الأكسجين إليها، ما يؤدي إلى تحلل الكربون المخزن وانبعاثه سريعًا في صورة ثاني أكسيد الكربون.

الاستخدام المفرط للأسمدة النيتروجينية
ومن جهة أخرى، يؤدي الاستخدام المفرط للأسمدة النيتروجينية في المزارع عالية الإنتاجية إلى زيادة الانبعاثات، حيث تحوّل الكائنات الدقيقة النيتروجين الزائد إلى أكسيد النيتروز، وهو غاز دفيئة قوي يتسرب إلى الغلاف الجوي.
ورغم أن بعض المناطق الزراعية في أفريقيا تسجل انبعاثات أقل، فإن إنتاجيتها المنخفضة تجعل تحسين الكفاءة الزراعية فيها أمرًا لا يقل أهمية عن خفض الانبعاثات.
وتؤكد الدراسة أن استهداف المناطق الأعلى إنتاجية قد يحقق أكبر خفض ممكن للانبعاثات دون التأثير في سلال الغذاء العالمية، خاصة عبر إعادة ترطيب التربة الخثية أو تحسين إدارة المياه في حقول الأرز.

كما تساعد البيانات الجديدة الحكومات على توجيه الاستثمارات المحدودة في جهود التخفيف المناخي نحو المناطق التي تحقق أكبر خفض للانبعاثات مقابل كل دولار يُنفق.
ومع ذلك، تعتمد فعالية الإجراءات المحلية على تعاون المزارعين، الذين يتحملون غالبًا مخاطر التغيير في الممارسات الزراعية.
وأشارت الدراسة إلى أن تحسين القياسات المحلية قد يُسهم في زيادة دقة الخرائط العالمية، وتجنب توجيه التمويل إلى إجراءات لا تحقق خفضًا فعليًا للانبعاثات.





