ثورة في صناعة الأسمنت.. خفض 96% من الانبعاثات دون مضاعفة الأسعار
خفض انبعاثات الأسمنت ممكن بتكلفة معقولة.. دراسة تكشف فرصًا غير متوقعة
إلى جانب الماء، يُعد الأسمنت أكثر المواد استخدامًا على كوكب الأرض. تبدأ صناعته بخلط الحجر الجيري مع مواد مثل الصخر الزيتي أو الطين أو الرمل، ثم يُطحن الخليط ليصبح مسحوقًا، ويُسخن إلى درجة حرارة تصل إلى 1400 درجة مئوية، ثم يُبرد ويُخلط مع إضافات، ويُطحن مرة أخرى ليصبح جاهزًا للاستخدام.
لكن هذه العملية كثيفة الانبعاثات الكربونية، إذ تمثل نحو 8% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا. ورغم ذلك، كان خفض هذه الانبعاثات بتكلفة معقولة يبدو لفترة طويلة أمرًا بعيد المنال.
ويشرح ستيفان رايخلشتاين، أستاذ المحاسبة الفخري في كلية ستانفورد للأعمال وزميل بارز في معهد ستانفورد لبحوث السياسة الاقتصادية، أن الأداة التقليدية لتقدير هذه التكاليف هي ما يُعرف بمنحنى التكلفة الحدية لتخفيف الانبعاثات، وهي منهجية تُظهر العلاقة بين حجم الاستثمار ومقدار خفض الانبعاثات.
لكن هذا النهج، بحسب الباحث، لا يقدم صورة كاملة، لأن التقنيات المستخدمة لا تعمل بشكل مستقل دائمًا، بل تتفاعل مع بعضها البعض، ما يعني أن فعالية أي تقنية تعتمد على ما يتم تطبيقه معها.
وفي دراسة نُشرت في مجلة “The Accounting Review”، قام رايخلشتاين وزملاؤه من جامعة مانهايم بتحليل تأثير التداخل بين التقنيات المختلفة في قطاع الأسمنت، ووجدوا أن هناك إمكانية لخفض كبير في الانبعاثات بتكاليف منخفضة نسبيًا.
إمكانات كبيرة بتكلفة محدودة
طبق الباحثون منهجهم على صناعة الأسمنت الأوروبية، التي تضم أكبر سوق لتداول تصاريح الانبعاثات في العالم. ويُلزم نظام تداول الانبعاثات الأوروبي الشركات بشراء تصاريح لكل طن من ثاني أكسيد الكربون تصدره.
في عام 2023، بلغ سعر الطن نحو 85 يورو، ووجد الباحثون أنه عند هذا المستوى يمكن خفض الانبعاثات السنوية بنحو الثلث عبر استخدام تقنيات متاحة.
ومن بين 512 توليفة ممكنة من التقنيات، كانت 18 فقط فعالة من حيث التكلفة، بينما تم استخدام تسع منها فقط عند الأسعار الحالية للكربون.
ومع ارتفاع سعر الكربون إلى 141 يورو للطن، يمكن تقليل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 96%، مع زيادة في تكلفة إنتاج الأسمنت بنحو 12% فقط، وهو ما يتناقض مع تقديرات سابقة رجحت تضاعف التكلفة.
خفض الكربون دون صدمة اقتصادية

يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج تعيد تشكيل النظرة التقليدية لتكلفة التحول الأخضر في الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب والألومنيوم، التي تمثل مجتمعة ما بين 20% و30% من الانبعاثات العالمية.
ويرى الباحثون أن خفض الانبعاثات في هذه الصناعات لا يتطلب دائمًا حلولًا ثورية، بل يمكن تحقيقه عبر تحسين كفاءة العمليات الحالية والانتقال التدريجي بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
وتخلص الدراسة إلى أن المخاوف من أن خفض الانبعاثات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار ربما تكون مبالغًا فيها، على الأقل في صناعة الأسمنت، مع وجود مجال لتحقيق تخفيضات كبيرة بتكلفة معتدلة.





