أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

العواصف الحرارية تجتاح الأرض.. موجة واحدة غطت 85% من الكوكب واستمرت 367 يومًا

عصر العواصف الحرارية.. كيف تحولت موجات الحر إلى تهديد عالمي يمتد لشهور؟

لم تعد موجات الحر الشديدة مجرد أحداث مناخية عابرة تستمر بضعة أيام، ثم تنحسر لتعود درجات الحرارة إلى معدلاتها المعتادة؛ إذ تكشف بيانات وتحليلات مناخية عن تحول لافت في حجم هذه الظواهر ومدتها وانتشارها الجغرافي، مع ظهور موجات حر فائقة الاتساع تجتاح مناطق شاسعة من العالم، وتتواصل أحيانًا لأشهر أو حتى أكثر من عام.

وأطلق تحقيق استقصائي موسع لوكالة «رويترز» على هذه الظواهر اسم «العواصف الحرارية» (Heat Storms)، في محاولة لتوصيف موجات الحر العملاقة التي تتجاوز حدود الظواهر المحلية أو الإقليمية المعتادة، وتؤثر في مساحات واسعة من الكوكب في الوقت نفسه.

ووفق تحليل الوكالة لدرجات الحرارة المسجلة على مدار الساعة منذ عام 1960، في أكثر من مليون منطقة جغرافية تغطي العالم، تحولت العواصف الحرارية من ظواهر نادرة ومحدودة خلال ستينيات القرن الماضي إلى أحداث واسعة الانتشار خلال العقد الحالي، إذ ارتفع متوسط عددها من نحو 5 عواصف نشطة سنويًا في الستينيات إلى نحو 102 عاصفة سنويًا خلال عشرينيات القرن الحالي.

وتكشف النتائج عن تغير غير مسبوق في نطاق هذه الظواهر؛ فبينما لم تتجاوز أكبر موجة حر خلال ستينيات القرن الماضي نحو 6% من مساحة الكوكب، واستمرت 46 يومًا، امتدت أكبر عاصفة حرارية مسجلة خلال العقد الحالي إلى ما يقرب من 85% من سطح الأرض، واستمرت 367 يومًا متواصلًا خلال عامي 2023 و2024.

ما العواصف الحرارية؟ وكيف تختلف عن موجات الحر التقليدية؟

تعتمد رويترز في تحليلها على مفهوم موسع لموجات الحر، إذ تعتبر أن موجة الحر تحدث عندما تسجل منطقة ما درجات حرارة يومية مرتفعة بصورة غير معتادة لمدة خمسة أيام متتالية أو أكثر.

ويعتمد تحديد الارتفاع غير المعتاد على مقارنة درجات الحرارة بالمعدلات التاريخية لكل منطقة، وليس على درجة حرارة موحدة لجميع دول العالم.

ووفق المنهجية المستخدمة في التحقيق، تبدأ موجة الحر عندما تصل درجة الحرارة القصوى اليومية إلى أو تتجاوز النسبة المئوية التسعين من النطاق التاريخي لدرجات الحرارة في اليوم نفسه، خلال الفترة المرجعية من 1961 إلى 1990.

وبمعنى آخر، يجب أن تكون الحرارة ضمن أعلى 10% من درجات الحرارة التاريخية المسجلة في المنطقة ذاتها، لمدة خمسة أيام متتالية على الأقل.

ويختلف الحد الحراري من مكان إلى آخر؛ فموجة الحر في مدينة إسطنبول خلال شهر يوليو تبدأ، وفق هذا المعيار، عندما تبلغ الحرارة 25.6 درجة مئوية أو أكثر لمدة خمسة أيام متتالية، بينما يتطلب تصنيف موجة الحر في مدينة فينيكس بولاية أريزونا الأمريكية وصول الحرارة إلى 40.3 درجة مئوية خلال الفترة نفسها.

ويمتد هذا الاختلاف إلى فصول السنة أيضًا؛ إذ يمكن أن تحدث موجة حر خلال الشتاء، إذا تجاوزت درجات الحرارة الحدود التاريخية المعتادة للمنطقة.

<

div class=”mceTemp”>

موجات الحرارة
ما العواصف الحرارية؟ وكيف تختلف عن موجات الحر التقليدية؟

أما العاصفة الحرارية، فتُصنف وفق تحليل رويترز عندما تغطي موجة الحر في ذروة انتشارها ما لا يقل عن 1% من مساحة سطح الكوكب، وهي مساحة تقارب نصف مساحة كندا.

وهكذا، فإن العاصفة الحرارية ليست مجرد يوم شديد الحرارة أو موجة محلية تستمر عدة أيام، بل ظاهرة مناخية واسعة النطاق، تتشكل عندما تتزامن موجات الحر في مناطق متجاورة لتغطي مساحة ضخمة من الأرض.

وتوضح الوكالة أن غياب تعريف عالمي موحد لموجات الحر كان يجعل المقارنة بين الفترات التاريخية والمناطق الجغرافية المختلفة أمرًا صعبًا؛ فبعض أجهزة الأرصاد، مثل هيئة الأرصاد الأمريكية، تعتمد عادة يومين أو أكثر من الطقس الحار بصورة غير معتادة، بينما تعتمد دول أخرى ثلاثة أيام، مع اختلاف الحدود الحرارية المستخدمة في كل بلد.

من خمس عواصف سنويًا إلى 102.. تسارع لافت خلال ستة عقود

تكشف المقارنة التاريخية التي أجرتها رويترز عن تحول كبير في تواتر العواصف الحرارية وانتشارها.

خلال ستينيات القرن الماضي، كانت أكبر عشر موجات حر سنويًا محدودة نسبيًا، وغالبًا ما تتركز فوق المحيطات أو مناطق قليلة السكان، ولم يكن تأثيرها يمتد إلى معظم المناطق المأهولة.

أما خلال تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت الموجات الأكبر انتشارًا على نطاق عالمي أوسع، لكنها ظلت تستثني مساحات كبيرة من آسيا وأمريكا الشمالية.

وبحلول عشرينيات القرن الحالي، أصبحت أكبر العواصف الحرارية تمتد عبر مساحات ضخمة من الكوكب، وتلامس مناطق مأهولة في مختلف القارات.

وتشير بيانات التحقيق إلى أن متوسط عدد العواصف الحرارية النشطة ارتفع من نحو خمس عواصف سنويًا خلال الستينيات إلى نحو 102 عاصفة سنويًا خلال العقد الحالي.

كما تضاعف عدد موجات الحر العادية، التي لا تصل إلى حجم العواصف الحرارية، بأكثر من مرتين مقارنة بالستينيات.

لكن التحول الأكثر خطورة لا يرتبط بالعدد وحده، بل بحجم المساحات التي تغطيها هذه الظواهر، ومدة استمرارها، وقدرتها على التداخل والتتابع، بما يجعل مناطق واسعة من العالم تعيش فترات طويلة من الحرارة غير المعتادة.

موجة الحر في اوربا
من خمس عواصف سنويًا إلى 102.. تسارع لافت خلال ستة عقود

18 عامًا من العواصف الحرارية دون انقطاع

من أبرز النتائج التي توصل إليها التحقيق أن الأرض تشهد، منذ 6 يوليو 2008، سلسلة متواصلة من العواصف الحرارية، لم تتوقف حتى موعد إعداد التحقيق في أكتوبر 2026.

وبحسب تحليل رويترز، استمرت هذه السلسلة لأكثر من 18 عامًا، أي ما يعادل 6681 يومًا، مع وجود عاصفة حرارية واحدة على الأقل في مكان ما من العالم طوال هذه الفترة، وفي أوقات كثيرة كانت عدة عواصف تضرب مناطق مختلفة في الوقت نفسه.

وتشير البيانات إلى أن مدة سلاسل العواصف الحرارية المتعاقبة ارتفعت من متوسط يقارب شهرين خلال ستينيات القرن الماضي إلى نحو تسعة أشهر في السنوات الأولى من الألفية الحالية، قبل أن تبدأ السلسلة المستمرة في يوليو 2008.

وتصف رويترز هذه الظاهرة بأنها «سلاسل العواصف الحرارية» (Heat Storm Cascades)، حيث تتداخل العواصف أو تتعاقب أو تنفصل إلى عواصف جديدة، دون أن تتوقف الظاهرة على مستوى الكوكب.

وخلال الفترة الممتدة لأكثر من عامين حول العاصفة الحرارية فيرا، سجل التحقيق 165 عاصفة حرارية، ضربت مناطق مأهولة في أنحاء العالم، من بينها عشر عواصف عملاقة غطت كل منها، عند ذروتها، ما لا يقل عن عُشر مساحة الكوكب.

«فيرا».. أكبر عاصفة حرارية مسجلة قبل ظهور «رايموندو»

«فيرا».. أكبر عاصفة حرارية مسجلة قبل ظهور «رايموندو»

أطلق التحقيق اسم «فيرا» (Vera) على العاصفة الحرارية التي بدأت في 29 يوليو 2023، واستمرت حتى 29 يوليو 2024، لتصبح واحدة من أكثر الظواهر الحرارية اتساعًا وتأثيرًا في التاريخ الحديث وفق منهجية رويترز.

لم تبدأ فيرا كبقعة صغيرة من الحرارة ثم تتوسع تدريجيًا، بل تشكلت بعد تفكك عاصفة حرارية سابقة أطلق عليها اسم «ليجون» (Lijun)، وتحول الجزء الأكبر من بقاياها إلى العاصفة الجديدة.

ومنذ نشأتها، امتدت فيرا عبر المحيط الهادئ وأجزاء واسعة من الأمريكتين وصولًا إلى شمال المحيط الأطلسي.

وفي 5 يناير 2024، وصلت إلى ذروة انتشارها، عندما غطت 31.3% من مساحة سطح الأرض في وقت واحد.

وخلال عمرها الذي بلغ 367 يومًا، تحركت العاصفة عبر ما يقرب من 85% من مساحة الكوكب، ووصلت أعلى درجة حرارة مرتبطة بها إلى 53.3 درجة مئوية في صحراء لوت الإيرانية خلال يوليو 2024.

ولم يقتصر تأثيرها على ارتفاع درجات الحرارة، بل تزامنت مع أزمات مناخية وإنسانية وبيئية متباعدة جغرافيًا، شملت حرائق غابات وجفافًا وفيضانات ونفوق حيوانات، إلى جانب خسائر بشرية وأضرار اقتصادية.

لكن رويترز تشير إلى أن الرقم القياسي لذروة الانتشار لم يستمر طويلًا؛ إذ تجاوزته لاحقًا عاصفة حرارية جديدة أطلق عليها اسم «رايموندو» (Raimundo)، بعدما غطت 33.8% من مساحة الأرض في 28 أغسطس 2026.

ومنذ تشكلها في 28 فبراير 2026، امتدت رايموندو إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع سطح الكوكب، وظلت نشطة وقت إعداد التحقيق.

من حرائق الغابات إلى فيضانات ليبيا.. كوارث متباعدة يجمعها عامل الحرارة

من حرائق الغابات إلى فيضانات ليبيا.. كوارث متباعدة يجمعها عامل الحرارة

يرصد التحقيق عددًا من الكوارث التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم خلال فترة نشاط العاصفة الحرارية فيرا، ويشير إلى أن الحرارة الشديدة ساهمت في تفاقم آثارها، بالتزامن مع عوامل مناخية وبيئية أخرى.

ففي جنوب لويزيانا الأمريكية، ساهمت الحرارة والجفاف في زيادة مخاطر الحرائق، بعدما شهدت الولاية مئات الحرائق خلال أغسطس 2023، في واحدة من أسوأ موجات الحرائق التي شهدتها المنطقة منذ عقود.

وبعد شهرين، تحول الدخان الناتج عن حريق مستنقعات إلى ما عُرف باسم «الضباب الفائق» (Super Fog)، وهو مزيج كثيف من الدخان والضباب تسبب في حادث تصادم ضخم على أحد الطرق السريعة، شمل ما لا يقل عن 158 سيارة وأسفر عن وفاة سبعة أشخاص.

وفي ليبيا، ساهمت الظروف الحرارية والمناخية التي صاحبت الفترة نفسها في تهيئة الظروف لتفاقم تأثير إعصار متوسطي عام 2023، والذي جلب أمطارًا غزيرة إلى مناطق واسعة.

وبالقرب من مدينة درنة، انهار سدان خلال الليل، ما أدى إلى اندفاع كميات هائلة من المياه وجرف أحياء سكنية بأكملها، في كارثة إنسانية مدمرة.

كما ارتبطت الفترة نفسها بحرائق الغابات في اليونان، التي شهدت أكبر حريق غابات مسجل في أوروبا وفق ما أورده التحقيق، فضلًا عن وفاة مهاجرين كانوا يعبرون غابة داديا أثناء انتشار النيران.

وفي السعودية، سجلت درجات الحرارة في المسجد الحرام بمكة المكرمة 51.8 درجة مئوية خلال موسم الحج، وأسهمت الظروف شديدة الحرارة في وفاة أكثر من 1300 حاج، وفق الأرقام التي أوردها التحقيق.

وتكشف هذه الأمثلة عن قدرة موجات الحرارة الواسعة على زيادة المخاطر المناخية القائمة، وتفاقم آثار الجفاف والحرائق والأمطار الغزيرة، حتى عندما تكون الكوارث نفسها ناتجة عن مجموعة من العوامل المتداخلة.

تكساس.. كرة القدم المدرسية في مواجهة الحرارة القاتلة

يقدم التحقيق نموذجًا إنسانيًا لتأثير العواصف الحرارية في ولاية تكساس الأمريكية، من خلال قصة لاعب كرة قدم مدرسي يبلغ من العمر 17 عامًا، يدعى جاستيس ترمبلر.

في أغسطس 2023، خاض اللاعب مباراة افتتاح الموسم مع فريق مدرسته في مدينة أوستن، وسط درجة حرارة بلغت 37.8 درجة مئوية عند انطلاق المباراة في الساعة السابعة والنصف مساءً.

وبحلول نهاية الشوط الأول، بدأ اللاعب يعاني القيء والإجهاد، وظهرت عليه علامات اضطراب في الحركة والتركيز، وفق رواية والديه اللذين شاهدا المباراة.

ورغم محاولات والده مطالبة الجهاز الفني بإخراجه من الملعب، استمر اللاعب في المشاركة حتى تعرض لتشنج عضلي أجبر المدرب على استبعاده قبل نهاية المباراة.

وبعد عودته إلى المنزل، استمر القيء، ولم ينجح الاستحمام بالماء المثلج في خفض درجة حرارته، ما دفع والده إلى نقله للمستشفى.

وقال والداه إن الفحوص الطبية أظهرت معاناة نجلهما من فشل في وظائف الكلى وتورم في المخ، وإن الأطباء لم يستطيعوا ضمان نجاته في البداية.

تكساس.. كرة القدم المدرسية في مواجهة الحرارة القاتلة

وبعد يومين من العلاج، غادر اللاعب المستشفى، لكنه واجه آثارًا نفسية ورياضية، إذ تراجعت فرصه في جذب اهتمام الجامعات التي كان يأمل في الانضمام إلى فرقها.

ويشير التحقيق إلى أن لاعبي كرة القدم الأمريكية يتعرضون لإصابات مرتبطة بالحرارة بمعدل يبلغ 11 مرة مقارنة برياضيي الرياضات الأخرى مجتمعة، وفق بيانات معهد كوري سترينجر بجامعة كونيتيكت.

ويرتبط ذلك ببدء الموسم الرياضي خلال الصيف، وشدة المجهود البدني، وارتداء الخوذات والملابس الواقية الثقيلة التي تحد من قدرة الجسم على التخلص من الحرارة.

كما تكشف بيانات التحقيق أن مدينة أوستن سجلت 557 يومًا من موجات الحر والعواصف الحرارية خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 1989، بينما تجاوز العدد 700 يوم خلال العقد الحالي وحده.

ودفعت المخاطر المتزايدة بعض المناطق التعليمية في تكساس إلى تسجيل مشروعات لإنشاء أماكن تدريب داخلية أو مغطاة، فيما اعتمدت رابطة الأنشطة المدرسية بين المدارس في الولاية قواعد جديدة تتعلق بفترات الراحة وحمامات الثلج وتقليص التدريبات أو إلغائها خلال الحرارة الشديدة.

إسبانيا.. الجفاف يضرب الزيتون ويرفع أسعار زيت الطعام

لم تتوقف تداعيات العواصف الحرارية عند الصحة العامة والحرائق، بل امتدت إلى سلاسل الإمداد الغذائي والأسعار العالمية.

وفي بلدة كاركابوي جنوب إسبانيا، تعرض أحد مصانع زيت الزيتون في أغسطس 2023 لعملية سرقة كبيرة، بعدما استولى لصوص على 56 طنًا من زيت الزيتون البكر الممتاز، بلغت قيمتها نحو 546 ألف دولار.

وكانت موجات الحر المتعاقبة والجفاف قد تسببت في تراجع إنتاج الزيتون وارتفاع أسعاره، ما جعل الزيت المخزن في الخزانات الصناعية هدفًا ذا قيمة مرتفعة.

ووفق التحقيق، تعرضت المنطقة لثماني عواصف حرارية قبل وصول العاصفة فيرا إليها في أغسطس 2023، وتتابعت هذه العواصف بصورة شبه متصلة.

كما قضت فيرا 127 يومًا فوق البلدة، وارتفعت درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية في عدة مناسبات.

وقال مدير أحد مصانع الزيتون إن نحو نصف محصول الزيتون الذي تعامل معه المصنع أصبح غير صالح للاستخدام، بسبب ضعف الثمار وقلة محتواها من الزيت.

إسبانيا.. الجفاف يضرب الزيتون ويرفع أسعار زيت الطعام
إسبانيا.. الجفاف يضرب الزيتون ويرفع أسعار زيت الطعام

وتراجعت كميات الإنتاج في إسبانيا، أكبر منتج لزيت الزيتون في العالم، بنحو النصف خلال تلك الفترة، بينما ارتفعت أسعار زيت الزيتون بنحو 44% خلال العام، وفق ما أورده التحقيق.

وتوضح هذه الحالة كيف يمكن للحرارة والجفاف أن يتحولا من أزمة زراعية محلية إلى ضغط اقتصادي يمتد إلى الأسواق والمستهلكين، ويزيد من مخاطر سرقة السلع الغذائية ذات القيمة المرتفعة.

البرازيل.. بحيرة تتحول إلى حوض ساخن ونفوق أكثر من 200 دولفين

في منطقة الأمازون البرازيلية، شهدت بحيرة تيفي كارثة بيئية خلال عام 2023، بعدما ارتفعت درجة حرارة المياه إلى نحو 41 درجة مئوية، وهي درجة تقارب حرارة مياه أحواض الاستحمام الساخنة.

وكانت العاصفة الحرارية فيرا قد استقرت فوق المنطقة منذ أواخر يوليو 2023، وظلت تؤثر في البحيرة قرابة سبعة أشهر، مع استمرار الحرارة الشديدة لمدة 42 يومًا متتاليًا.

وأدت الحرارة المرتفعة، بالتزامن مع تراجع منسوب المياه وازدهار الطحالب، إلى نفوق أعداد كبيرة من الدلافين النهرية، وهي من أبرز الأنواع المميزة لنظام الأمازون البيئي.

ووفق التحقيق، نفق أكثر من 200 دولفين خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، من إجمالي تعداد طبيعي لا يقل عن 700 دولفين في البحيرة.

وأظهرت عمليات فحص جثامين الحيوانات التي أمكن دراستها علامات إجهاد حراري، من بينها كدمات في المخ ونزيف داخل الأعضاء، فضلًا عن مؤشرات على فقدان القدرة على التغذية.

كما أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى تسارع تحلل جثامين كثيرة، ما صعّب على الباحثين إجراء الدراسات اللازمة لتحديد أسباب النفوق بصورة كاملة.

وتعكس هذه الواقعة حجم المخاطر التي تواجه النظم البيئية المائية، خاصة عندما تتزامن الحرارة الشديدة مع انخفاض منسوب المياه وتدهور جودة البيئة المائية.

 البرازيل.. بحيرة تتحول إلى حوض ساخن ونفوق أكثر من 200 دولفين
نفوق الأسماك في شواطئ جنوب أفريقيا

شتاء غير معتاد في أوروبا.. الدببة تستيقظ مبكرًا والزهور تسبق موعدها

لا تقتصر العواصف الحرارية على فصل الصيف؛ إذ يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الشتاء، بما يغير أنماط الحياة الطبيعية وسلوك الحيوانات والنباتات.

وفي جبال تاترا البولندية، شهد شتاء 2024 مظاهر غير معتادة، بعدما استيقظت الدببة من سباتها الشتوي قبل موعدها المعتاد بأسابيع، وخرجت الضفادع مبكرًا من أماكن اختبائها.

كما ظهرت أزهار الزعفران البنفسجية في نهاية فبراير، قبل موعدها الطبيعي الذي يبدأ عادة من منتصف مارس إلى أواخره.

ووفق التحقيق، غطت العاصفة الحرارية فيرا المنطقة لمدة 31 يومًا خلال يناير وفبراير، ودفعت درجات الحرارة إلى 17 درجة مئوية.

ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على بولندا؛ إذ شهدت مناطق أوروبية أخرى ارتفاعات غير معتادة في درجات الحرارة خلال الشتاء، ما أثر في منتجعات التزلج التي واجه بعضها نقصًا في الثلوج الطبيعية، وصعوبة إنتاج الثلوج الصناعية في ظل الطقس الدافئ.

لكن التحقيق يلفت أيضًا إلى مفارقة مناخية؛ إذ يمكن لارتفاع درجات الحرارة في المناطق القطبية أن يسهم في دفع كتل هوائية شديدة البرودة نحو مناطق أخرى، من خلال اضطراب أنماط دوران الهواء، بما يرتبط أحيانًا بظاهرة الدوامة القطبية.

وقدم التحقيق مثالًا على موجات برد شديدة ضربت شرق كندا والولايات المتحدة في يناير 2026، بينما سجلت مناطق في القطب الشمالي وجرينلاند درجات حرارة أعلى كثيرًا من معدلاتها المعتادة.

وبحسب الأرقام الواردة في التحقيق، شهدت بعض المناطق الأمريكية درجات حرارة وصلت إلى 41.7 درجة مئوية تحت الصفر، وأسفرت موجة البرد عن وفاة ما لا يقل عن 100 شخص، وانقطاع الكهرباء عن أكثر من مليون مشترك، وإلغاء رحلات جوية وإغلاق مدارس.

الفلبين.. مدارس تتحول إلى بؤر للإجهاد الحراري

تُظهر تجربة الفلبين كيف يمكن للحرارة الشديدة والرطوبة المرتفعة أن تحولا المدارس إلى بيئات شديدة الخطورة على الأطفال.

ففي مدينة تاكلوبان، اضطر معلم العلوم جيفري بوليد إلى التعامل مع حالات إغماء متكررة بين الطلاب خلال أبريل 2024، بعدما تعرضت الفصول الدراسية لحرارة مرتفعة في مبانٍ خرسانية لا تتوافر فيها سوى مراوح محدودة.

وكان بعض الطلاب يتعرضون للدوار والإغماء والقيء والطفح الجلدي والصداع، فيما سجلت المدرسة عشرات الحالات التي احتاجت إلى تدخل صحي.

وفي بعض مناطق الفلبين، وصلت درجات الحرارة المحسوسة، نتيجة اجتماع الحرارة والرطوبة، إلى مستويات تجاوزت 50 درجة مئوية.

وذكر التحقيق أن درجة حرارة بلغت 33 درجة مئوية في مدينة تاكلوبان كانت تعادل إحساسًا حراريًا يبلغ 47 درجة مئوية، بينما وصلت الحرارة المحسوسة في مناطق أخرى إلى 53 درجة مئوية.

ودفعت الظروف المناخية السلطات الفلبينية إلى تعليق الدراسة الحضورية على مستوى البلاد خلال فترات الحرارة الشديدة، كما أجرت تعديلات على التقويم الدراسي للحد من تعرض الطلاب لأعلى درجات الحرارة.

وبحسب تحليل رويترز، تعرضت تاكلوبان للعواصف الحرارية لمدة سبعة أيام فقط خلال ستينيات القرن الماضي، بينما تجاوزت مدة تعرضها لهذه العواصف 1470 يومًا خلال العقد الحالي.

مدارس الفلبين ومواجهة ارتفاع درجات الحرارة العالية
مدارس الفلبين ومواجهة ارتفاع درجات الحرارة العالية

وتشير هذه الأرقام إلى أن بعض المناطق الاستوائية والجزرية أصبحت تواجه ظروفًا حرارية طويلة ومتكررة، نتيجة تفاعل الحرارة مع الرطوبة وارتفاع حرارة المحيطات المحيطة بها.

غرب أفريقيا.. تراجع محصول الكاكاو وارتفاع الأسعار العالمية

في كوت ديفوار، أكبر منتجي الكاكاو عالميًا، يرصد التحقيق التأثير المدمر للعواصف الحرارية والجفاف على المزارعين وأسرهم.

فقد تعرضت قرية ديغريكرو، التي تعتمد على زراعة الكاكاو، لفترات طويلة من الحرارة والجفاف منذ عام 2023.

وبدأت العاصفة الحرارية فيرا في التأثير على المنطقة بصورة متقطعة، قبل أن تستقر فوقها لأكثر من أربعة أشهر متواصلة اعتبارًا من نوفمبر 2023، مع تجاوز درجات الحرارة 38 درجة مئوية في بعض الأحيان.

وأدى نقص الأمطار وارتفاع الحرارة إلى جفاف قرون الكاكاو وتساقط الأوراق وموت الأشجار، ما تسبب في تراجع الإنتاج الزراعي بصورة حادة.

وقال أحد المزارعين إن محصول الكاكاو خلال الفترة من فبراير إلى أبريل 2024، وهي فترة مهمة للحصاد، انخفض إلى أقل من نصف مستوياته الطبيعية.

وتنتج كوت ديفوار وغانا معًا نحو 50% من إنتاج الكاكاو العالمي، لكن المحصول في البلدين انخفض بنحو النصف في أعقاب الظروف المناخية التي صاحبت العاصفة الحرارية فيرا، وفق التحقيق.

الكاكاو
غرب أفريقيا.. تراجع محصول الكاكاو وارتفاع الأسعار العالمية

كما اقتربت أسعار الكاكاو من ثلاثة أمثالها خلال عام 2024، في ظل تراجع المعروض العالمي.

ولم تكن الحرارة والجفاف العاملين الوحيدين؛ إذ ساهمت أمراض النباتات وظاهرة النينيو في زيادة الضغوط على الأشجار والمحاصيل.

ويكشف التحقيق أن الأزمة لم تقتصر على خسائر الإنتاج، بل امتدت إلى أوضاع الأسر الريفية التي فقدت مصدر دخلها الأساسي، وأصبحت عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج والاحتياجات المعيشية.

وتشير هذه الحالة إلى أن تأثيرات التغير المناخي لا تتوقف عند انخفاض المحاصيل، بل يمكن أن تمتد إلى الأمن الغذائي والدخل الريفي وأسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية.

كيف ساهمت الانبعاثات وظاهرة النينيو في اتساع العواصف الحرارية؟

يربط تحليل رويترز بين زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وتصاعد انتشار موجات الحر والعواصف الحرارية.

فمنذ ستينيات القرن الماضي، ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بأكثر من 30%، بينما زادت المساحة المتوسطة من الكوكب التي تغطيها موجات الحر والعواصف الحرارية بأكثر من 12 مرة، وفق نتائج التحليل.

كما لعبت ظاهرة النينيو دورًا في زيادة حدة بعض هذه الظواهر، إذ ترتبط بارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ وتغير أنماط الطقس العالمية.

وتوضح الوكالة أن ظاهرة النينيو عملت في بعض الفترات بوصفها عاملًا معززًا للحرارة، وساعدت على زيادة اتساع موجات الحر وشدتها.

وفي المقابل، تراجعت الظواهر شديدة البرودة؛ إذ انخفضت المساحة الإجمالية التي تغطيها موجات البرد والعواصف الباردة في متوسط أيام الشتاء بنحو 80% مقارنة بالستينيات.

كما أصبحت العواصف الحرارية مسؤولة عن حصة أكبر من الأيام التي تسجل درجات حرارة ضمن أعلى 10% من المعدلات التاريخية.

ففي ستينيات القرن الماضي، كانت العواصف الحرارية تمثل نحو 3% من الأيام شديدة الحرارة في أي موقع على الأرض، بينما ارتفعت النسبة خلال العقد الحالي إلى ما يقرب من 43%.

خسائر الأرز.. الاحترار العالمي
كيف ساهمت الانبعاثات وظاهرة النينيو في اتساع العواصف الحرارية؟

ما الذي يجعل العواصف الحرارية تهديدًا للحضارة والاقتصاد؟

تكمن خطورة العواصف الحرارية في أنها لا تقتصر على رفع درجات الحرارة، بل تؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتداخلة التي يمكن أن تضرب قطاعات متعددة في الوقت نفسه.

فارتفاع الحرارة يزيد من معدلات تبخر المياه، ويضاعف الضغوط على الموارد المائية والزراعة، ويهيئ الظروف لاندلاع حرائق الغابات واتساع نطاقها.

كما يمكن أن يؤثر في صحة الإنسان، خاصة كبار السن والأطفال والحوامل والعاملين في الهواء الطلق والرياضيين، ويرفع مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس والمضاعفات الصحية المرتبطة بها.

ويمتد التأثير إلى الاقتصاد من خلال تراجع إنتاج المحاصيل، وارتفاع أسعار الغذاء، وتعطل وسائل النقل والبنية التحتية، وزيادة الطلب على الكهرباء المستخدمة في التبريد.

وتشير الدراسات التي استعرضها التحقيق إلى أن التعرض للحرارة الشديدة خلال الحمل يرتبط بمخاطر صحية، تشمل ولادة الجنين ميتًا وتسمم الحمل، وهي من المضاعفات الخطيرة التي تهدد صحة الأمهات.

كما يمكن أن تؤدي موجات الحر إلى اضطراب النظم البيئية، وتغير مواسم التزهير والهجرة والسبات، وتهديد الكائنات التي تعيش في البيئات المائية والبرية.

وفي هذا السياق، يرى جيمس رينويك، أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة فيكتوريا في ويلينغتون بنيوزيلندا، أن العواصف الحرارية تمثل اضطرابًا كبيرًا للحضارة العالمية، مشيرًا إلى أن الحرارة تعد من أكثر العوامل فتكًا المرتبطة بتغير المناخ، لما يمكن أن تسببه من مجاعات ونقص غذاء ووفيات وصراعات على الموارد.

إيل نينيو 2026: اضطراب مناخي يتحول إلى تهديد اقتصادي وصحي عالمي
ما الذي يجعل العواصف الحرارية تهديدًا للحضارة والاقتصاد؟

هل تدخل الأرض عصرًا جديدًا من التطرف الحراري؟

تشير نتائج التحقيق إلى أن التغير المناخي لا يظهر فقط في ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية، بل يتجلى أيضًا في الطريقة التي تتشكل بها موجات الحر، وتتوسع، وتتداخل، وتستمر لفترات طويلة.

فبينما يمثل ارتفاع متوسط حرارة الأرض بمقدار 1.47 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال عام 2025 مؤشرًا علميًا مهمًا، فإن التأثيرات المحلية والإنسانية لهذه الزيادة تصبح أكثر وضوحًا من خلال موجات الحر التي تضرب المدن والمزارع والغابات والبحيرات.

وتكشف تجربة العاصفة الحرارية فيرا عن ترابط الأزمات التي تبدو للوهلة الأولى منفصلة: حرائق في الولايات المتحدة، وجفاف في إسبانيا، ونفوق دلافين في الأمازون، وتراجع محصول الكاكاو في غرب أفريقيا، ومخاطر صحية في الفلبين، واضطرابات في الأنظمة الطبيعية بأوروبا.

ورغم أن إطلاق أسماء على العواصف الحرارية لا يمثل حتى الآن نظامًا دوليًا رسميًا لتصنيف الظواهر المناخية، فإن رويترز ترى أن تحديد هذه الأحداث وتسميتها قد يساعد الجمهور وصناع القرار على فهم نطاقها وتأثيراتها، وربط الكوارث المتفرقة التي تتزامن مع الظاهرة نفسها.

وتؤكد هذه النتائج أن مواجهة الحرارة الشديدة لم تعد قضية تتعلق بالتنبؤات الجوية أو التعامل مع موجة حر عابرة، بل أصبحت تحديًا يتطلب خططًا متكاملة للتكيف المناخي، وإدارة المياه، وحماية الزراعة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتهيئة المدن والبنية التحتية، وحماية الفئات الأكثر تعرضًا للخطر.

هل تدخل الأرض عصرًا جديدًا من التطرف الحراري؟
هل تدخل الأرض عصرًا جديدًا من التطرف الحراري؟

ففي عالم تتزايد فيه الانبعاثات وتتسع فيه الظواهر المناخية المتطرفة، قد لا يكون السؤال الأهم هو موعد موجة الحر المقبلة، بل مدى استعداد المجتمعات للتعامل مع واقع أصبحت فيه الحرارة الشديدة ظاهرة ممتدة ومتكررة، لا تمنح كثيرًا من المناطق فرصة كافية للتعافي بين موجة وأخرى.

المصدر: تحقيق استقصائي لوكالة رويترز، ضمن سلسلة «عصر العواصف الحرارية»، نُشر في 20 أكتوبر 2026.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى