أخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

الزراعة الأفريقية تدفع ثمن أزمة الطاقة.. المتجددة فرصة لخفض الفاقد ورفع دخل المزارعين

الطاقة الشمسية في مواجهة أزمة الغذاء الأفريقية.. فرصة ضخمة يصطدم بها نقص التمويل

خبراء: الطاقة النظيفة يمكن أن ترفع الإنتاجية والدخل وتقلل فاقد الغذاء.. لكن ارتفاع التكلفة ونقص التمويل يعرقلان التحول

لم تعد أزمة الطاقة في أفريقيا قضية منفصلة عن أزمة الغذاء، فالمزارع يحتاج الكهرباء لضخ المياه والري، والمنشآت تحتاجها للتصنيع والتخزين، وسلاسل الإمداد تعتمد عليها في التبريد والنقل، بينما يؤدي غياب الطاقة الموثوقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع كميات الغذاء المفقودة قبل وصولها إلى الأسواق.

وفي الوقت الذي تتجه فيه دول القارة إلى توسيع الوصول إلى الكهرباء، يرى خبراء ومسؤولون أن الطاقة المتجددة يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تحويل النظم الغذائية الأفريقية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني ضعف شبكات الكهرباء وارتفاع تكلفة الوقود التقليدي.

لكن هذا التحول يواجه عقبات كبيرة، أبرزها ارتفاع التكلفة الأولية للمعدات، وتشتت الأسواق، وضعف القدرة على الوصول إلى التمويل، إضافة إلى محدودية البنية التحتية.

افتتاح أحد أكبر سدود إفريقيا في تنزانيا بتنفيذ مصري
600 مليون أفريقي بلا كهرباء.. كيف تعرقل أزمة الطاقة إنتاج الغذاء وتفتح الباب أمام الطاقة المتجددة؟

الطاقة ليست منفصلة عن الأمن الغذائي

قال رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي ماريام ديسالين إن الطاقة عنصر أساسي في مختلف مراحل سلسلة القيمة الغذائية، من الري والتصنيع إلى التخزين المبرد والنقل والأسواق.

وأوضح، خلال جلسة في الدورة العشرين لمنتدى النظم الغذائية الأفريقية في كيغالي، أن الاستثمار في أنظمة الطاقة المستدامة يمكن أن يساعد على خفض فاقد ما بعد الحصاد، وجعل الغذاء المغذي أكثر توافراً وبأسعار أقل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قارة لا تزال تواجه فجوة ضخمة في الوصول إلى الكهرباء.

فوفق أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية، كان نحو 600 مليون شخص في أفريقيا يفتقرون إلى الكهرباء في البيانات الحديثة، فيما تشير أحدث بيانات 2026 إلى أن أكثر من 560 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء لا يزالون خارج شبكة الكهرباء.

ولا يمثل غياب الكهرباء مشكلة تتعلق بالإضاءة المنزلية فقط، بل يحد من قدرة المزارعين والشركات الصغيرة على استخدام المعدات الحديثة وزيادة الإنتاجية وإضافة القيمة إلى المحاصيل.

فاقد الغذاء.. الطاقة جزء من الحل

تشير بيانات تقرير النظم الغذائية الأفريقية لعام 2025 إلى أن خسائر ما بعد الحصاد تختلف بشدة بين مناطق القارة، وتصل في بعض المناطق إلى 40% أو أكثر، خصوصاً في ظل ضعف التخزين وسلاسل التبريد والبنية التحتية.

وتؤدي الكهرباء دوراً أساسياً في معالجة هذه المشكلة.

فالتبريد، على سبيل المثال، يسمح بإطالة العمر التخزيني للخضراوات والفواكه واللحوم ومنتجات الألبان، بينما يمكن للطاقة تشغيل وحدات التجفيف والطحن والتعبئة والتصنيع بالقرب من مناطق الإنتاج.

وبالتالي فإن توفير الكهرباء للمزارع والقرى لا يعني فقط تشغيل المصابيح، بل يمكن أن يعني تحويل محصول منخفض القيمة إلى منتج قابل للتخزين والتصنيع والتسويق بسعر أعلى.

شبكات الكهرباء وأزمة البنية التحتية في إفريقيا
أمن الغذاء في أفريقيا يبدأ من الكهرباء.. الطاقة المتجددة تعالج الفاقد وتدعم المزارعين

لماذا الطاقة الشمسية تحديداً؟

تمتلك أفريقيا إمكانات هائلة للطاقة الشمسية، وهو ما يفتح الباب أمام حلول لا تعتمد بالضرورة على توسعة الشبكات المركزية وحدها.

ويمكن استخدام الأنظمة الشمسية الصغيرة والمتوسطة في تشغيل:

  • مضخات الري
  • أنظمة التبريد
  • مخازن المنتجات الزراعية
  • معدات الطحن والتجفيف
  • وحدات التصنيع الغذائي
  • أنظمة ضخ المياه
  • بعض وسائل النقل والخدمات اللوجستية
  • أنظمة الاتصالات والخدمات الرقمية للمزارعين

وتكتسب هذه الحلول أهمية خاصة في المناطق النائية التي قد تكون تكلفة مد شبكات الكهرباء التقليدية إليها مرتفعة.

الطاقة المتجددة ليست رفاهية للمزارعين

قالت أكينيي والندر، مديرة أفريقيا في منظمة Practical Action، إن ضعف إمدادات الطاقة في المجتمعات الريفية، حيث ينتج جزء كبير من الغذاء الأفريقي، يحد من الإنتاجية.

وترى أن الطاقة المتجددة يمكن أن ترفع دخول سكان الريف، وتحسن الأمن الغذائي والقدرة على مواجهة الصدمات المناخية، وتمكن النساء، وتدعم المشروعات وتخلق فرص عمل.

وتشير هذه الرؤية إلى تحول مهم في مفهوم الوصول إلى الطاقة: الهدف لم يعد مجرد إيصال الكهرباء إلى المنزل، وإنما استخدامها لإنتاج الدخل وخلق القيمة الاقتصادية.

الطاقة المتجددة في إفريقيا
الطاقة الشمسية في مواجهة أزمة الغذاء الأفريقية.. فرصة ضخمة يصطدم بها نقص التمويل

«مهمة 300».. الكهرباء تتحول إلى أداة للتنمية

وتأتي هذه الجهود في إطار تحرك أفريقي ودولي أوسع لتوسيع الوصول إلى الكهرباء.

وأعلنت مجموعة البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية في يونيو 2026 أن مبادرة «مهمة 300» نجحت في إيصال الكهرباء إلى أكثر من 50 مليون شخص في 40 دولة أفريقية، ضمن هدفها الرامي إلى توفير الكهرباء لـ300 مليون شخص إضافي بحلول عام 2030.

ولا تقتصر المبادرة على توصيل الكهرباء للمنازل، بل تستهدف أيضاً استخدام الطاقة في المدارس والمنشآت الصحية والأعمال والأنشطة الإنتاجية، بما فيها الري والتخزين المبرد والأنشطة الزراعية.

وتشير أحدث معلومات البنك الدولي إلى أن أكثر من 50 مليار دولار من تمويل التنمية تم التعهد بها لمبادرة «مهمة 300» حتى يوليو 2026، ما يعكس حجم الاستثمار المطلوب لسد فجوة الطاقة في القارة.

لكن الوصول إلى الكهرباء ليس كافياً

يحذر الخبراء من أن توصيل الكهرباء إلى المزارع وحده لا يضمن تحولها إلى إنتاج اقتصادي أكبر.

فالمشكلة تحتاج إلى ربط الطاقة بالتمويل والأسواق والبنية التحتية والتكنولوجيا والتدريب.

وقالت دانا ريسانكوفا، المسؤولة العالمية عن الوصول إلى الطاقة في البنك الدولي، إن تجربة «مهمة 300» أظهرت أن الوصول إلى الطاقة يمثل الأساس الذي يمكن البناء عليه لربط قطاع الطاقة بقطاعات أخرى وتحقيق تحول اقتصادي حقيقي.

وهذا يعني أن الاستثمار في الطاقة يجب أن يترافق مع الاستثمار في الري والتخزين والتبريد والتصنيع والنقل والأسواق.

180 مليار دولار فجوة تمويلية للقطاع الغذائي

تواجه أفريقيا فجوة تمويلية ضخمة في نظمها الغذائية.

ويقدر تقرير AGRA 2026 فجوة تمويل نظم الأغذية الزراعية في القارة بنحو 180 مليار دولار سنوياً، منها نحو 65 مليار دولار للمشروعات الزراعية الصغيرة والمتوسطة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن تمويل الطاقة النظيفة للزراعة لا يمكن التعامل معه بمعزل عن فجوة التمويل الأوسع التي تواجه المزارعين والشركات الزراعية.

وفي أبريل 2026، حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» وشركاؤها من اتساع الفجوة بين التمويل الحالي والمستوى المطلوب لتحويل نظم الأغذية الزراعية الأفريقية، مؤكدة الحاجة إلى تمويل أكبر وأكثر استدامة وتنسيقاً.

المشكلة ليست في التكنولوجيا.. بل في القدرة على تحمل تكلفتها

تقول شركات ومزارعون في أفريقيا إنهم يرغبون في التحول إلى الطاقة المتجددة، لكن تكلفة الاستثمار الأولي تمثل عائقاً رئيسياً.

فشراء وتركيب نظام شمسي، أو مضخة ري تعمل بالطاقة الشمسية، أو وحدة تبريد، قد يتطلب مبلغاً كبيراً بالنسبة إلى مزارع صغير أو شركة غذائية ناشئة.

وتزداد المشكلة في الأسواق الريفية التي تتسم بتشتت العملاء وانخفاض الدخول، ما يجعل المؤسسات المالية أكثر حذراً في تمويل المشروعات الزراعية.

وتقول والندر إن التحدي لم يعد يتعلق بوجود الحلول التقنية، وإنما بكيفية إيصال الدعم المالي إلى المجتمعات والشركات التي يمكن أن تحقق هذه الحلول أكبر أثر فيها.

الصناعات الغذائية تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة

وتظهر أهمية التحول للطاقة النظيفة بصورة أكبر في قطاع تصنيع الأغذية.

فبحسب بيانات عرضها خبراء في المنتدى، تستحوذ شركات تصنيع الأغذية على نسبة تتراوح بين 42% و70% من استخدام الطاقة داخل نظم الغذاء، بينما تمثل الطاقة نحو 15% إلى 22% من إجمالي تكاليف الإنتاج.

كما تستخدم الشركات الغذائية الأفريقية نحو ضعف كمية الطاقة المستخدمة لإنتاج كل كيلوغرام من المنتج مقارنة بمنافسيها العالميين، ما يضعها في موقف تنافسي أصعب.

وهنا يمكن لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة أن تؤديا دوراً مزدوجاً: خفض تكاليف الإنتاج وتقليل الانبعاثات في الوقت نفسه.

ما الذي تحتاجه أفريقيا لتسريع التحول؟

ما الذي تحتاجه أفريقيا لتسريع التحول؟

يرى الخبراء أن نجاح التحول يحتاج إلى حزمة من السياسات، وليس مجرد دعم شراء الألواح الشمسية.

ومن أبرز الحلول المطروحة:

أولاً: تمويل منخفض التكلفة
توفير قروض ميسرة وضمانات ائتمانية للمزارعين والشركات الصغيرة، حتى لا تصبح التكلفة الأولية عائقاً أمام الاستثمار.

ثانياً: دعم المعدات المنتجة
تقديم حوافز لمضخات الري الشمسية، وأنظمة التبريد، ومعدات التصنيع والتجفيف والطحن التي تزيد القيمة الاقتصادية للمنتج الزراعي.

ثالثاً: إعفاءات وحوافز ضريبية
يمكن خفض تكلفة المعدات المستوردة المستخدمة في الطاقة والإنتاج الزراعي من خلال تخفيض الرسوم والضرائب، حيثما كان ذلك مناسباً.

رابعاً: توسيع البحث والتطوير
الاستثمار في تطوير معدات أصغر وأرخص وأكثر ملاءمة للمزارع الأفريقية الصغيرة.

خامساً: دمج سياسات الطاقة والزراعة
بدلاً من أن تعمل وزارات الطاقة والزراعة والمالية بصورة منفصلة، ينبغي وضع خطط مشتركة تربط الوصول إلى الطاقة بزيادة الإنتاج الزراعي.

سادساً: دعم نماذج «الدفع مقابل الاستخدام»
يمكن للمزارع أو الشركة الصغيرة استخدام معدات الطاقة النظيفة مقابل رسوم دورية بدلاً من تحمل تكلفة شراء النظام بالكامل.

سابعاً: تطوير الشبكات المصغرة والطاقة اللامركزية
في المناطق التي يصعب فيها توسيع الشبكات التقليدية، يمكن للطاقة الشمسية والبطاريات والشبكات المصغرة توفير الكهرباء اللازمة للأنشطة الإنتاجية.

الطاقة النظيفة فرصة اقتصادية وليست مجرد قضية مناخية

تكشف التجربة الأفريقية أن التحول إلى الطاقة المتجددة في الزراعة لا يتعلق فقط بخفض الانبعاثات.

فالطاقة النظيفة يمكن أن تساعد على زيادة الإنتاجية، وخفض تكلفة التشغيل، وتقليل فاقد الغذاء، وخلق وظائف، وزيادة دخل المزارعين، وتحسين القدرة على مواجهة آثار تغير المناخ.

وتؤكد أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية أن توسيع الوصول إلى الكهرباء في أفريقيا يحتاج إلى زيادة كبيرة في الاستثمار، مع الاعتماد على مزيج من الشبكات المركزية والشبكات المصغرة والأنظمة المستقلة، خصوصاً في المناطق الريفية.

المعادلة الأفريقية الجديدة

لم تعد المعادلة في أفريقيا مجرد: مزرعة + مياه + بذور = غذاء.

بل أصبحت: طاقة + مياه + تكنولوجيا + تخزين + تصنيع + تمويل + أسواق = نظام غذائي قادر على الصمود.

وتملك القارة فرصة كبيرة لتجنب جزء من أخطاء النماذج القديمة، عبر الانتقال مباشرة إلى حلول طاقة أكثر نظافة ولا مركزية، لكن نجاح ذلك سيتوقف على قدرة الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص وشركاء التنمية على تحويل الطاقة المتجددة من مشروعات تجريبية صغيرة إلى بنية إنتاجية واسعة النطاق.

فالطاقة الشمسية التي تشغل مضخة ري ليست مجرد وسيلة لتوليد الكهرباء؛ إنها قد تعني محصولاً إضافياً.

واللوح الشمسي الذي يشغل وحدة تبريد ليس مجرد مشروع مناخي؛ بل يمكن أن يعني إنقاذ أطنان من الغذاء من التلف.

والكهرباء التي تصل إلى مصنع صغير في قرية ليست مجرد اتصال بالشبكة؛ بل يمكن أن تعني وظائف ودخلاً وقيمة مضافة وأمناً غذائياً أكبر.

وهنا تحديداً تلتقي الطاقة المتجددة مع الأمن الغذائي والاقتصاد الأخضر في أفريقيا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة