التهابات العين المزمنة قد تلعب دورًا خفيًا في تطور الزهايمر
العين مرآة الدماغ.. عدوى بكتيرية شائعة تزيد من تلف الأعصاب لدى مرضى الزهايمر
هل يمكن لعدوى صامتة في العين أن تؤثر في الدماغ؟
لطالما اعتُبر مرض الزهايمر نتيجة معقدة لتقدم العمر والعوامل الوراثية، لكن أبحاثًا علمية حديثة بدأت تكشف أبعادًا أخرى غير متوقعة.
دراسة جديدة صادرة عن مركز «سيدارز-سايناي» الطبي في الولايات المتحدة تشير إلى أن عدوى بكتيرية شائعة قد تلعب دورًا خفيًا في تفاقم المرض، ليس فقط عبر الدماغ، بل من خلال العين أيضًا.
الدراسة منشورة في دورية Nature Communications العلمية، وتكشف أن بكتيريا Chlamydia pneumoniae، المعروفة بتسببها في التهابات الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي والتهاب الجيوب الأنفية، قد تبقى كامنة داخل الجسم لسنوات طويلة، وتصل إلى أنسجة العين، حيث تسهم في زيادة الالتهاب العصبي وتسريع تلف الخلايا المرتبط بمرض الزهايمر.
بكتيريا شائعة ذات تأثير طويل الأمد

تصيب بكتيريا Chlamydia pneumoniae ملايين الأشخاص حول العالم، وغالبًا ما تختفي أعراض العدوى بعد العلاج، ما يعطي انطباعًا زائفًا بزوال الخطر، إلا أن الدراسة توضح أن هذه البكتيريا قادرة على البقاء داخل الخلايا العصبية في حالة خمول طويلة الأمد.
ووجد الباحثون آثارًا واضحة للبكتيريا داخل شبكية العين، وهي النسيج الحساس للضوء في الجزء الخلفي من العين، والذي يُعد امتدادًا مباشرًا للجهاز العصبي المركزي، ويرتبط تشريحيًا ووظيفيًا بالدماغ.
اللافت أن مستويات البكتيريا كانت أعلى بكثير لدى الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر مقارنةً بالأشخاص الذين يتمتعون بوظائف معرفية طبيعية، كما ارتبط ارتفاع تركيزها بازدياد شدة تلف الدماغ وتدهور الذاكرة.
الشبكية: نافذة مباشرة على صحة الدماغ

تتميّز الشبكية بكونها جزءًا من الجهاز العصبي المركزي، وتتشابه خلاياها العصبية إلى حد كبير مع خلايا الدماغ، ولهذا السبب، ينظر العلماء إلى الشبكية بوصفها «مرآة للدماغ».
وأظهرت الدراسة أن وجود البكتيريا داخل أنسجة الشبكية يطلق استجابات مناعية قوية تؤدي إلى:
– التهابات مزمنة
– إصابة الخلايا العصبية
– ترقق أنسجة الشبكية
والمثير للقلق أن أنماط التلف التي لوحظت في العين كانت متطابقة تقريبًا مع تلك الموجودة في أنسجة الدماغ لدى المرضى أنفسهم.
الالتهاب العصبي: حلقة الوصل الخفية
أحد الاكتشافات المحورية في الدراسة هو تنشيط ما يُعرف بـ مركّب الالتهاب NLRP3 inflammasome داخل أنسجة الشبكية والدماغ.
هذا النظام المناعي يلعب دورًا دفاعيًا طبيعيًا ضد العدوى، لكن تنشيطه المستمر بسبب عدوى مزمنة يؤدي إلى التهاب مفرط يدمّر الخلايا العصبية بدلًا من حمايتها.
وسجل الباحثون مستويات مرتفعة من نشاط NLRP3 لدى الأشخاص المصابين بضعف إدراكي بسيط، وازدادت هذه المستويات بشكل أكبر لدى مرضى الزهايمر، ما يشير إلى علاقة مباشرة بين الالتهاب المستمر وتقدم المرض.

موت الخلايا العصبية بطريقتين مدمرتين
نتيجة لهذا الالتهاب المزمن، رُصد نوعان من موت الخلايا العصبية:
– الاستماتة (Apoptosis) موت خلوي منظم
– الموت الالتهابي (Pyroptosis) موت عنيف يطلق مواد التهابية داخل الأنسجة
كلا العمليتين أسهمتا في تآكل أنسجة الشبكية وتلف مناطق من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والتعلم.
العدوى تزيد من تراكم بروتينات الزهايمر
يرتبط مرض الزهايمر بتراكم بروتين الأميلويد بيتا في الدماغ، مكوِّنًا لويحات تعيق التواصل بين الخلايا العصبية.
وتوصلت الدراسة إلى أن عدوى Chlamydia pneumoniae تحفّز إنتاج هذا البروتين داخل خلايا الشبكية والدماغ، سواء في عينات بشرية أو في نماذج مخبرية وحيوانية.
ويرجح العلماء أن الأميلويد بيتا قد يعمل في الأصل كجزء من آلية دفاعية ضد الميكروبات، لكن العدوى المزمنة تؤدي إلى إفراط في إنتاجه، ما يحوّله من وسيلة حماية إلى عامل تدمير عصبي.
كما وُجد ارتباط واضح بين العدوى وتغيرات بروتين تاو، وهو علامة رئيسية أخرى على تقدم مرض الزهايمر.

الجينات تزيد من شدة الخطر
أظهرت النتائج، أن الأشخاص الحاملين لمتغير الجين APOE4 – المعروف بزيادة خطر الإصابة بالزهايمر – كانوا أكثر عرضة لارتفاع مستويات البكتيريا في أنسجة العين والدماغ.
وتشير الدراسة إلى أن هذا المتغير الجيني قد يضعف قدرة الجسم على السيطرة على العدوى، ما يسمح باستمرار الالتهاب لفترات أطول ويُسرّع تطور المرض.
أدلة من التجارب المعملية والحيوانية
لم تقتصر النتائج على العينات البشرية فقط، بل دعمها الباحثون بتجارب على:
– خلايا عصبية بشرية مزروعة مخبريًا
– فئران معدلة وراثيًا لتطوير أعراض شبيهة بالزهايمر
وأظهرت هذه النماذج أن العدوى البكتيرية أدت إلى:
– زيادة الالتهاب العصبي
– تراكم أكبر للأميلويد بيتا
– تدهور واضح في الذاكرة والأداء الإدراكي
آفاق جديدة للتشخيص والعلاج
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام استراتيجيات جديدة لمكافحة مرض الزهايمر، لا تركز فقط على الدماغ، بل على العدوى والالتهاب المزمن أيضًا.
ويرى الباحثون أن:
– العلاج المبكر للعدوى
– أو الحد من فرط الاستجابة المناعية
– قد يبطئ تطور المرض، خاصة لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثيًا.
كما تبرز تقنيات تصوير الشبكية كأداة واعدة للكشف المبكر عن مؤشرات الزهايمر، دون الحاجة إلى إجراءات جراحية أو فحوص دماغية معقدة.
العين والدماغ في معركة واحدة
تؤكد نتائج الدراسة أن مرض الزهايمر ليس مجرد نتيجة حتمية للتقدم في العمر، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العدوى، والالتهاب، والعوامل الوراثية.
ومع تطور تقنيات التشخيص غير الجراحي، قد تصبح فحوصات العين وسيلة رئيسية لرصد المرض في مراحله المبكرة، وفتح نافذة جديدة للأمل في الوقاية والعلاج.





