ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

ماذا يوجد على عمق 2900 كيلومتر؟.. البراكين تنقل أدلة نادرة من حدود النواة والوشاح

أرض أقدم من القارات تظهر فوق السطح.. البراكين تكشف ما عجزت الحفارات عن الوصول إليه

رغم التطور الهائل في تقنيات الحفر والاستكشاف، لم يتمكن الإنسان حتى الآن من الوصول مباشرة إلى وشاح الأرض، ناهيك عن الاقتراب من نواتها.

لكن البراكين تقوم، بصورة طبيعية، بالمهمة التي عجزت عنها أعمق الحفارات، إذ تحمل الحمم البركانية معها صخورًا وغازات وعناصر كيميائية من أعماق سحيقة، قد تصل في بعض الحالات إلى مناطق قريبة من الحدود الفاصلة بين الوشاح والنواة، على عمق يقارب 2900 كيلومتر تحت سطح الأرض.

وتشير دراسات حديثة إلى أن بعض الحمم البركانية في هاواي وأيسلندا تحمل بصمات كيميائية نادرة، تشمل الهيليوم والروثينيوم والتنجستن، يمكن أن تساعد العلماء على تتبع مصدر المواد التي صعدت من أعماق الكوكب، وربما تكشف عن عمليات حدثت في باطن الأرض منذ المراحل الأولى لتكوّنها.

البراكين تتجاوز أعمق حفرة حفرها الإنسان

النواة
النواة

توقف أعمق بئر حفره الإنسان، وهو بئر كولا فائق العمق في روسيا، عند مسافة 7.62 ميل، أو نحو 12.3 كيلومتر، وهي مسافة لم تتجاوز القشرة الأرضية.

في المقابل، يقع وشاح الأرض أسفل القشرة مباشرة ويمثل نحو 84% من حجم الكوكب، بينما توجد النواة على أعماق أكبر بكثير.

ولذلك، لم يحصل العلماء على عينات مباشرة من أجزاء الوشاح العميقة من خلال الحفر، وإنما يعتمدون على الموجات الزلزالية والتجارب المختبرية التي تحاكي الضغوط الهائلة داخل الأرض، إضافة إلى الصخور التي تقذفها العمليات البركانية إلى السطح.

ولا تحمل الصهارة الصخور المنصهرة فقط، بل يمكن أن تحمل أيضًا بلورات تكونت في أعماق كبيرة، وغازات ظلت مذابة تحت الضغط، فضلًا عن قطع من الوشاح غير المنصهر تُعرف باسم «الزينوليث»، وهي شظايا صخرية اقتُلعت من الأعماق وصعدت مع الصهارة.

لكن البراكين لا تصل جميعها إلى الأعماق نفسها، فالبراكين المرتبطة بمناطق اندساس الصفائح تتغذى عادة من مناطق في الوشاح تقع على أعماق عشرات الأميال، بينما ترتبط براكين النقاط الساخنة، مثل براكين هاواي وأيسلندا، بأعمدة من الصخور الساخنة يُعتقد أنها تصعد من أعماق أكبر بكثير.

الهيليوم يكشف عمق المصدر

يعد الهيليوم من أهم العناصر التي يستخدمها العلماء لتتبع أصل المواد القادمة من أعماق الأرض، وخصوصًا نظير الهيليوم-3.

لم يتكون الهيليوم-3 بكميات كبيرة داخل الأرض، بل وصل إليها مع المواد التي ساهمت في تكوين الكوكب، بينما يستمر الهيليوم-4 في التراكم نتيجة تحلل اليورانيوم والثوريوم المشعين.

وتحمل البازلتات التي تندفع على امتداد حواف وسط المحيطات نسبة من الهيليوم-3 إلى الهيليوم-4 تبلغ نحو ثمانية أضعاف النسبة الموجودة في الغلاف الجوي.

لكن بعض الحمم البركانية القادمة من هاواي وأيسلندا تسجل نسبًا أعلى بكثير، وقد تقترب في عينات نادرة من 50 ضعف القيمة الجوية.

ويرى العلماء أن وجود هذه الكميات المرتفعة من الهيليوم البدائي يصعب تفسيره ما لم تكن بعض أجزاء الوشاح قد ظلت معزولة نسبيًا ولم تفقد غازاتها الأصلية بالكامل منذ المراحل الأولى لتكوين الأرض.

وسجلت صخور «البكريت» في جزيرة بافين الكندية، التي تحمل آثارًا مرتبطة بعمود أيسلندا البركاني، بعضًا من أعلى نسب الهيليوم المعروفة، كما ظهرت إشارات مماثلة في بازلتات بركانية بحرية من الجبل البحري «كاما‘هواكانالوا» الواقع جنوب شرق جزيرة هاواي الكبرى.

معادن من النواة ربما صعدت إلى السطح

في مايو 2025، ذهبت دراسة أجراها فريق من جامعة جوتنجن الألمانية إلى أبعد من مجرد تتبع مواد الوشاح، إذ قدمت أدلة على أن بعض الحمم البركانية في هاواي قد تحتوي على معدن يحمل بصمة مصدر يعود إلى نواة الأرض نفسها.

واعتمد الباحثون على الروثينيوم، وهو أحد معادن مجموعة البلاتين، والذي يُعتقد أنه انتقل بدرجة كبيرة إلى النواة خلال المراحل الأولى من تكوّن الأرض.

ويختلف التركيب النظائري للروثينيوم الموجود في النواة عن ذلك الموجود في الوشاح، ما يجعل العنصر بمثابة بصمة كيميائية يمكن استخدامها لتتبع مصدر المواد.

وسجلت عينات من البازلت والبكريت البركاني في هاواي زيادة صغيرة، لكنها قابلة للرصد، في نظير الروثينيوم-100، إلى جانب نقص في التنجستن-182.

ويشير هذا النمط إلى احتمال وجود مساهمة من مواد مرتبطة بالنواة، وإن كانت بكميات ضئيلة للغاية تقل عن 0.25% وفق تقديرات الدراسة.

وكانت بعض العينات المستخدمة في البحث محفوظة لدى مؤسسة سميثسونيان، ومن بينها عينة مأخوذة من بحيرة الحمم في بركان كيلاويا إيكي عام 1981.

وقال ماتياس فيلبولد، الأستاذ في جامعة جوتنجن وأحد المشاركين في الدراسة، إن النتائج تشير إلى أن «نواة الأرض ليست معزولة بالقدر الذي كان يُفترض سابقًا».

ووفق تقديرات الباحث الرئيسي نيلس ميسلينغ، ربما استغرق انتقال المواد من حدود النواة والوشاح إلى سطح الأرض فترة تتراوح بين 500 مليون ومليار سنة.

البراكين

لكن النتيجة ما زالت موضع نقاش

ورغم أهمية هذه النتائج، فإن فرضية انتقال مواد من النواة إلى الوشاح ثم إلى السطح لا تزال غير محسومة. فمن المتوقع، في حال كانت المواد القادمة من النواة قد اختلطت فعلًا بالحمم، أن تحمل العينات أيضًا تركيزات أعلى من مجموعة معادن البلاتين، وهو ما لم يظهر بصورة واضحة حتى الآن.

ولهذا السبب، يطرح العلماء تفسيرات أخرى محتملة لهذه البصمات الكيميائية، من بينها وجود خزانات من صخور السيليكات ظلت معزولة منذ العصر الهادئي المبكر للأرض، أو وجود أجزاء من نواة جرم سماوي اصطدم بالأرض خلال تاريخها المبكر.

الماس يفتح نافذة أخرى على الوشاح

لا تقتصر وسائل الحصول على عينات من باطن الأرض على البراكين التقليدية، إذ تؤدي انفجارات الكيمبرليت، التي حدثت خلال فترات جيولوجية سابقة، دورًا آخر في نقل المواد العميقة إلى السطح.

فقد حملت أنابيب الكيمبرليت الماس من الوشاح العلوي، وأصبحت هذه الرواسب اليوم من أهم المصادر التي يعتمد عليها التعدين لاستخراج الأحجار الكريمة.

وفي سبتمبر 2025، درس باحثون بقيادة الجامعة العبرية في القدس مكونات داخل ماسة عُثر عليها في منجم فورسبويد بجنوب أفريقيا، واكتشفوا شوائب نانوية من معدن النيكل والحديد، إلى جانب شوائب دقيقة غنية بالنيكل والكربونات.

وتشير مؤشرات الضغط إلى أن هذه الماسة تشكلت على عمق يتراوح بين 280 و470 كيلومترًا تحت سطح الأرض.

وكانت النماذج الجيولوجية قد توقعت منذ عقود وجود سبائك معدنية غنية بالنيكل في هذه الأعماق، لكن العثور عليها داخل الماس قدم دليلًا مباشرًا نادرًا على وجودها.

كما أن وجود الكربونات إلى جانب المعدن يكشف عن تفاعل بين صهير مؤكسد وصخور مختزلة، وهي عملية ترتبط بالظروف الكيميائية التي يمكن أن تسهم في تكوين الماس.

ووصف الباحث الرئيسي ياكوف فايس هذه النتيجة بأنها «لقطة نادرة لكيمياء الوشاح أثناء حدوثها».

الغازات تصل إلى السطح أسرع من الصخور

في حين تحتاج الصخور العميقة إلى ملايين السنين للوصول إلى السطح، يمكن للغازات البركانية أن تقدم للعلماء إشارات أسرع بكثير حول ما يحدث في باطن الأرض.

وتطلق البراكين والمناطق الأخرى النشطة جيولوجيًا نحو 280 إلى 360 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بما يشمل الانبعاثات الهادئة التي تحدث بين الثورات البركانية.

ومع ذلك، فإن هذه الكمية لا تزال أقل بكثير من الانبعاثات البشرية التي تبلغ نحو 40 مليار طن سنويًا.

ويركز العلماء في مراقبة البراكين على نسب الغازات أكثر من إجمالي كمياتها. ويمكن أن يشير ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون مقارنة بثاني أكسيد الكبريت إلى صعود صهارة جديدة، لأن ثاني أكسيد الكربون يخرج من الصهارة قبل كثير من الغازات الأخرى مع انخفاض الضغط.

ويقدم بركان كيلاويا مثالًا واضحًا على أهمية هذه المؤشرات، إذ استمرت ثوراته بصورة متقطعة منذ 23 ديسمبر 2024.

وانتهت الحلقة البركانية رقم 53 في 13 أغسطس 2026، بينما سجل مرصد بركان هاواي التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إعادة تضخم قمة البركان بعد فترة قصيرة من انتهاء الثوران.

البراكين

الزلازل تكمل الصورة

لا تكفي العينات البركانية وحدها لفهم بنية باطن الأرض. ويستخدم العلماء التصوير الزلزالي لرسم خريطة للمناطق التي توجد فيها الصهارة داخل القشرة والوشاح العلوي.

وكشفت دراسات في سلسلة جبال كاسكيد شمال غرب الولايات المتحدة عن مناطق مستمرة من الانصهار الجزئي على أعماق تتراوح بين نحو 3 و9 أميال، بعضها يقع أسفل قمم بركانية تبدو خاملة تمامًا.

وتوفر هذه البيانات صورة مكملة للعينات التي تصل إلى السطح، إذ تسمح الموجات الزلزالية للعلماء برؤية البنية الداخلية للأرض، بينما تمنح الصخور والغازات البركانية معلومات مباشرة عن تركيب المواد الموجودة في تلك الأعماق.

أسرار النواة والوشاح لم تُحسم بعد

تمثل الحدود بين النواة والوشاح واحدة من أكثر المناطق غموضًا في كوكب الأرض. فالنواة والوشاح يختلفان بشدة في الكثافة والتركيب الكيميائي، وهو ما يجعل فكرة اختلاطهما بصورة مباشرة مسألة معقدة لا يوجد بشأنها تفسير يحظى بإجماع العلماء.

وتشير بعض الدراسات إلى أن المواد العميقة قد تصعد على هيئة أعمدة حرارية متقطعة، وليس في صورة تيارات ثابتة ومستقرة. كما تشير الأدلة الكيميائية من الحمم الإثيوبية إلى أن بعض عمليات الصعود العميق يمكن أن تحدث على شكل نبضات دورية، في تفاعل مع حركة الصفائح التكتونية الموجودة فوقها.

وبذلك، تبدو البراكين وكأنها نوافذ طبيعية نادرة على باطن الأرض، إذ تنقل إلى السطح عينات يستحيل على الحفارات البشرية الوصول إليها.

فأعمق حفرة حفرها الإنسان لم تتجاوز القشرة، بينما يمكن لبعض البراكين أن تحمل آثارًا كيميائية نشأت في أعماق تصل إلى حدود النواة والوشاح، على بعد نحو 2900 كيلومتر تحت أقدامنا.

ولا تصل هذه العينات بصورة منتظمة أو كاملة، لكنها تمثل أفضل ما يمتلكه العلماء من أدلة مباشرة على كيمياء الأرض العميقة، وتساعد كل قطعة صخر وكل فقاعة غاز وكل بلورة ماسية على إعادة بناء تاريخ الكوكب من الداخل إلى الخارج.

وقد نُشرت دراسة الروثينيوم والتنجستن في مجلة Nature، بينما نُشرت دراسة الشوائب المعدنية داخل الماس في مجلة Nature Geoscience.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة