أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

أشجار المدن قد تزيد تلوث الأوزون مع ارتفاع الحرارة.. دراسة تكشف مفاجأة «التخضير الحضري»

ليست كل الأشجار صديقة للهواء.. أنواع نباتية قد تزيد الأوزون في المدن الحارة

في الوقت الذي تتجه فيه المدن حول العالم إلى زيادة المساحات الخضراء لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء، كشفت دراسة جديدة أن اختيار أنواع الأشجار المزروعة قد يكون عاملًا حاسمًا في تحديد تأثير التشجير على تلوث الهواء.

وأظهرت الدراسة أن بعض الأشجار تطلق مركبات عضوية متطايرة يمكن أن تتفاعل مع أشعة الشمس وأكاسيد النيتروجين، ما يساهم في تكوين الأوزون القريب من سطح الأرض، وهو أحد ملوثات الهواء الضارة بالصحة.

وتشير النتائج، المستندة إلى قياسات مباشرة في العاصمة الصينية بكين، إلى أن تأثير هذه الانبعاثات النباتية يصبح أكبر بكثير مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يضيف تحديًا جديدًا أمام المدن التي تواجه في الوقت نفسه موجات حر متزايدة وتشديدًا للسياسات الخاصة بخفض انبعاثات الملوثات البشرية.

الأشجار ليست مصدرًا للتلوث بالطريقة التقليدية

الأشجار

من المعروف أن الأشجار تؤدي أدوارًا بيئية مهمة داخل المدن، فهي تمتص بعض ملوثات الهواء، وتساعد على خفض درجات الحرارة وتوفير الظل، كما تساهم في تحسين البيئة الحضرية.

لكن النباتات تطلق أيضًا مجموعة من المركبات الكيميائية المعروفة باسم المركبات العضوية المتطايرة الحيوية (BVOCs).

وعندما تتفاعل هذه المركبات مع أكاسيد النيتروجين في وجود ضوء الشمس، يمكن أن تؤدي إلى تكوين الأوزون على مستوى سطح الأرض.

وتختلف هذه الانبعاثات بصورة كبيرة بين أنواع الأشجار، وهو ما يعني أن زيادة المساحات الخضراء لا تكفي وحدها للحكم على تأثير التشجير في جودة الهواء.

قياسات مباشرة من سماء بكين

للوصول إلى صورة أكثر دقة، أنشأ باحثون من جامعة جينان الصينية نظامًا لقياس الانبعاثات مباشرة في الظروف الحضرية الحقيقية، على منصة بارتفاع 102 مترًا في برج الأرصاد الجوية في بكين، إضافة إلى مختبر عند قاعدة البرج.

وخلال الفترة من مايو إلى يوليو 2021، رصد النظام الإشارات الكيميائية وتقلبات حركة الهواء بمعدل 10 قياسات في الثانية، ما سمح للباحثين بمتابعة ما وصفوه بـ«التنفس الكيميائي» للمدينة بصورة لحظية.

وبالتعاون مع باحثين من جامعة إنسبروك، تمكن الفريق من تحديد مصادر المركبات العضوية المتطايرة، بما في ذلك الأشجار وحركة المرور والمنتجات الكيميائية والطهي والأنشطة المنزلية.

الأشجار تنتج كمية أقل لكنها أكثر نشاطًا كيميائيًا

كشفت النتائج عن مفارقة لافتة، فالمصادر النباتية شكلت نحو 10% فقط من إجمالي انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة المقاسة، لكنها ساهمت بنحو نصف إجمالي النشاط الكيميائي لهذه المركبات.

وكان الجزء الأكبر من هذا التأثير مرتبطًا بمركب الأيزوبرين (Isoprene)، الذي شكل أكثر من 90% من النشاط الكيميائي للمركبات العضوية المتطايرة الحيوية التي تطلقها النباتات.

وهذا يعني أن كمية الانبعاثات ليست العامل الوحيد المهم؛ فبعض المركبات التي تطلقها الأشجار تتمتع بقدرة أكبر بكثير على الدخول في تفاعلات كيميائية تؤثر في تكوين الأوزون.

الحرارة تضاعف التأثير

كانت درجة الحرارة العامل الأكثر إثارة للانتباه في النتائج، فعندما ارتفعت درجة الحرارة من 20 إلى 35 درجة مئوية، زاد النشاط الكيميائي للمركبات العضوية المتطايرة المنبعثة من أشجار المدن بنحو 7 إلى 8 مرات.

في المقابل، ارتفع النشاط الكيميائي للمركبات الصادرة عن الأنشطة البشرية بنحو 40% فقط، أي حوالي 1.4 مرة.

وبالتالي، ارتفعت مساهمة النباتات في إجمالي النشاط الكيميائي للمركبات العضوية المتطايرة من نحو 21% إلى 74% مع ارتفاع درجات الحرارة.

وفي الأيام التي كان فيها تكوين الأوزون شديد الحساسية للتغيرات في المركبات العضوية المتطايرة، ارتفعت مستويات الأوزون القصوى مع الحرارة بمعدل قريب من معدل ارتفاع النشاط الكيميائي لهذه المركبات.

ويرى الباحثون أن هذا التطابق يدعم وجود علاقة بين زيادة انبعاثات الأشجار في الأيام الحارة وارتفاع مستويات الأوزون.

لماذا تختلف بكين عن مدن أخرى؟

لم يكتفِ الباحثون بقياس الانبعاثات في بكين، بل قارنوا النتائج بقياسات مباشرة من مدن أخرى حول العالم، مع ضبط الاختلافات في درجات الحرارة وكمية ضوء الشمس.

وأظهرت المقارنة أن انبعاثات الأيزوبرين في بكين كانت الأعلى بين المدن التي شملتها المقارنة، واقتربت من المستويات المسجلة في بعض الغابات المعتدلة.

لكن كمية المساحات الخضراء لم تكن كافية لتفسير هذه النتيجة.

وعند مقارنة قوائم الأشجار وبيانات الغطاء النباتي في أكثر من 20 مدينة، وجد الباحثون أن العامل الحاسم كان إلى حد كبير نوع الأشجار المزروعة.

نوع الشجرة أهم من عدد الأشجار

تشير الدراسة إلى أن نحو 35% من أشجار بكين تنتمي إلى أنواع تطلق الأيزوبرين، ومن بينها الصفصاف الباكي والحور الأبيض الصيني.

وعبر المدن التي تمت مقارنتها، تفاوتت مستويات انبعاث الأيزوبرين بأكثر من 10 مرات، وارتبط هذا التفاوت بصورة وثيقة بنسبة الأشجار القادرة على إطلاق المركب.

ويشير ذلك إلى أن مدينتين تمتلكان النسبة نفسها تقريبًا من المساحات الخضراء يمكن أن تسجلا تأثيرات مختلفة على كيمياء الهواء، فقط بسبب اختلاف أنواع الأشجار المزروعة.

وقال توماس كارل، المؤلف المشارك في الدراسة والفيزيائي المتخصص في الغلاف الجوي بجامعة إنسبروك، إن المدن الأوروبية تضم عددًا أقل بكثير من أنواع الأشجار التي تطلق الأيزوبرين، بينما تطلق بعض الأنواع المحلية مركبات أخرى مثل المونوتربين، التي يمكنها أيضًا المساهمة في تكوين الأوزون، ولكن بكميات أقل من الأيزوبرين.

هل يعني ذلك تقليل التشجير؟

التشجير

لا يدعو الباحثون إلى تقليل المساحات الخضراء أو إزالة الأشجار الموجودة في المدن.

على العكس، يؤكدون أن الحل يتمثل في إضافة قدرة الأشجار على إطلاق المركبات العضوية المتطايرة إلى معايير اختيار الأنواع النباتية المستخدمة في التشجير الحضري.

وبالنسبة إلى بكين، تشير تقديرات الدراسة إلى أن استبدال الأشجار ذات الانبعاثات المرتفعة بأنواع منخفضة الانبعاثات خلال عمليات تجديد الأشجار لنحو 10% من إجمالي أشجار المدينة يمكن أن يخفض انبعاثات الأيزوبرين بنسبة لا تقل عن 29%.

وبذلك يمكن للمدن أن تستفيد من مزايا الأشجار في خفض الحرارة وتحسين البيئة، مع تقليل مخاطر مساهمتها غير المباشرة في تلوث الهواء.

السيطرة على أكاسيد النيتروجين تظل ضرورية

أكاسيد النيتروجين

رغم أهمية انبعاثات الأشجار، يؤكد الباحثون أنها ليست العامل الوحيد المسؤول عن تكوين الأوزون.

فتكوين الأوزون القريب من سطح الأرض يتطلب أيضًا وجود أكاسيد النيتروجين (NOx) وضوء الشمس، كما أن التفاعلات الكيميائية بين هذه المكونات معقدة وغير خطية.

ولهذا فإن استمرار خفض انبعاثات أكاسيد النيتروجين، خصوصًا خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، يظل عنصرًا أساسيًا في الحد من تلوث الأوزون.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة مع تزايد موجات الحر واتجاه المدن إلى التوسع في التشجير لمواجهة آثار تغير المناخ.

التخطيط الأخضر يحتاج إلى معيار جديد

تكشف الدراسة أن التخطيط للمدن الخضراء في المستقبل قد يحتاج إلى تجاوز معيار «كم شجرة لدينا؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما أنواع الأشجار التي نزرعها، وكيف تتفاعل انبعاثاتها مع مناخ المدينة وتلوثها؟»

فمع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن أن تتغير كمية ونشاط المركبات التي تطلقها النباتات، ما يجعل اختيار أنواع الأشجار جزءًا من استراتيجية إدارة جودة الهواء، إلى جانب التحكم في انبعاثات السيارات والصناعة ومصادر أكاسيد النيتروجين.

وبالتالي، لا تمثل النتائج دعوة إلى الابتعاد عن التشجير الحضري، وإنما تشير إلى أن المدينة المستدامة تحتاج إلى أشجار مناسبة للمناخ والبيئة الكيميائية للهواء، وليس مجرد عدد أكبر من الأشجار.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة