أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

من «المبنى الأخضر» إلى «المبنى الصامد».. مفهوم جديد للاستدامة في عصر الطقس المتطرف

تغير المناخ يغيّر قواعد البناء.. المتانة تتحول إلى معيار أساسي للاستدامة

لم تعد كفاءة المباني في استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات كافية وحدها لوصف المبنى بأنه مستدام، إذ كشفت دراسة جديدة أن قدرة المباني على الصمود أمام الظواهر الجوية المتطرفة يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من حساب بصمتها البيئية.

وأشارت الدراسة، التي أجرتها باحثة من جامعة دريكسل الأمريكية ونُشرت في مجلة Journal of Industrial Ecology، إلى وجود فجوات مهمة في الطريقة الحالية لحساب التأثير البيئي الكامل للمباني، خصوصًا ما يتعلق بالأضرار والتعطل الناجمين عن الفيضانات والحرارة الشديدة والرياح والزلازل.

وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، بينما يمثل قطاع المباني والتشييد والتشغيل أكثر من ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا.

المباني الخضراء لا تعني بالضرورة مباني قادرة على الصمود

البناء المستدام

تركز أنظمة تقييم المباني حاليًا بدرجة كبيرة على الانبعاثات الناتجة عن إنتاج مواد البناء، والتشييد، وتشغيل المنشآت طوال دورة حياتها.

لكن الباحثة فيرناندا كروز ريوس، الأستاذة المساعدة في كلية الهندسة والحوسبة بجامعة دريكسل، ترى أن هذه الحسابات لا تقدم الصورة الكاملة عندما يتعرض المبنى لكارثة مناخية أو طبيعية.

وأجرت ريوس مراجعة منهجية لـ40 دراسة بحثت في مرونة المباني باستخدام منهجية تقييم دورة الحياة، وشملت المخاطر المرتبطة بالزلازل والحرارة والفيضانات والرياح.

الدراسة نُشرت في مجلة Journal of Industrial Ecology، وأظهرت المراجعة أن معظم الدراسات تناولت مفهوم المرونة، لكنها لم تحسب بصورة كافية الجوانب المرتبطة بتوقف المبنى عن العمل، أو الموارد المطلوبة لإعادته إلى الخدمة بعد تعرضه لحدث متطرف.

تكلفة خفية لا تظهر في البصمة الكربونية

بحسب الدراسة، قد يتمتع مبنيان بالبصمة البيئية نفسها عند تقييمهما في بداية عمرهما، رغم اختلاف قدرتهما على مواجهة الكوارث.

فقد يظل مستشفى مصمم لمواصلة العمل أثناء العواصف أو الفيضانات أو موجات الحرارة يعمل بصورة طبيعية، بينما يتوقف مستشفى آخر عن العمل لعدة أشهر ويحتاج إلى إصلاحات وإعادة بناء واسعة.

ولا تعكس طرق تقييم دورة الحياة التقليدية دائمًا الفارق البيئي بين الحالتين.

وتقول ريوس إن التكلفة البيئية لهشاشة المباني جرى التقليل من تقديرها بشكل منهجي، لأن التقييمات تفترض غالبًا استمرار المنشأة في العمل بصورة طبيعية.

وعند توقف المبنى، تظهر تكاليف إضافية لا ترتبط فقط بالإصلاحات، وإنما أيضًا بالموارد المطلوبة لتوفير خدمات بديلة، مثل الملاجئ المؤقتة والوقود والطاقة ووسائل النقل المستخدمة لإجلاء السكان.

المتانة تتحول إلى استثمار بيئي

المواد القابلة لإعادة الاستخدام في البناء

اقترحت الباحثة إطارًا جديدًا لتقييم المباني يأخذ في الاعتبار التكلفة البيئية لبناء المرونة، والفوائد البيئية الناتجة عن تجنب الأضرار والتعطل وإعادة الإعمار.

ويمكن لهذا الإطار مساعدة المصممين على مقارنة تكلفة اتخاذ إجراءات وقائية مع تكلفة عدم اتخاذها.

وقد تشمل هذه الإجراءات استخدام مواد أكثر قوة، أو تصميم جدران خرسانية قادرة على تحمل الزلازل، أو تركيب مولدات احتياطية، أو استخدام تشطيبات داخلية يمكن استبدالها بسرعة بعد الفيضانات.

وفي المقابل، يحسب النموذج الجديد أيضًا الأضرار التي يمكن تجنبها بفضل التصميم المرن.

فعلى سبيل المثال، إذا تمكن مبنى من تجنب الهدم وإعادة البناء بعد فيضان، فإن الانبعاثات والمواد والطاقة المرتبطة بعملية إعادة البناء تُعد تكلفة بيئية تم تجنبها، وهو ما يجب أن ينعكس إيجابًا في تقييم المبنى.

تغير المناخ يفرض قواعد جديدة للبناء

تزداد أهمية هذا النهج مع ارتفاع مخاطر موجات الحر والفيضانات والعواصف وغيرها من الظواهر المتطرفة المرتبطة بتغير المناخ.

وتشير الدراسة إلى أن المبنى المستدام في المستقبل لن يكون مجرد منشأة تستهلك طاقة أقل أو تستخدم مواد منخفضة الكربون، وإنما مبنى قادر على الاستمرار في أداء وظائفه خلال الأزمات والتعافي منها بأقل قدر ممكن من الموارد والانبعاثات.

وترى ريوس أن دمج مفهوم المرونة في تقييم دورة حياة المباني يمكن أن يمنح المخططين وصناع القرار صورة أكثر واقعية عن نقاط ضعف البيئة العمرانية، كما يمكن أن يساعد في التخطيط للاستجابة للكوارث.

نحو تحديث معايير المباني الخضراء

تدعو الدراسة إلى دمج هذا النهج في أنظمة تقييم المباني الخضراء المعروفة، مثل LEED وNational Green Building Standard وGreen Globes.

وقد تساعد هذه الخطوة في تغيير الطريقة التي ينظر بها قطاع البناء إلى الاستدامة، بحيث لا تقتصر على تقليل الأثر البيئي أثناء التشغيل، بل تشمل أيضًا قدرة المبنى على تجنب الأضرار طويلة الأجل.

وتؤكد الباحثة أن الإطار المقترح لا يستبدل أنظمة تقييم دورة الحياة الحالية، وإنما يضيف إليها وحدات جديدة يمكن دمجها في عمليات التصميم والتقييم القائمة.

وبذلك، قد يصبح تصميم المباني لتكون أكثر متانة وقدرة على الصمود جزءًا من مفهوم الاستدامة نفسه، خصوصًا مع دخول العالم مرحلة تتزايد فيها المخاطر المناخية التي تهدد المدن والمنشآت والبنية التحتية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة