من الأسطح البيضاء إلى المساحات الخضراء.. كيف تستعد المدن لحرارة قياسية؟
المدن في مواجهة عصر الحرارة القصوى.. حلول سريعة لتقليل المخاطر الصحية
تدخل المدن حول العالم سباقًا متسارعًا للاستعداد لموجات الحر الشديدة، مع تزايد مدة وتكرار موجات الحرارة بفعل تغير المناخ، وارتفاع المخاطر الصحية والاقتصادية المرتبطة بها.
وفي ظل صعوبة تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى خلال فترة قصيرة، يتجه باحثون إلى حلول عملية يمكن تطبيقها سريعًا، بدءًا من طلاء أسطح المنازل باللون الأبيض، مرورًا بتحسين التهوية الطبيعية، وصولًا إلى التوسع في المساحات الخضراء والمائية داخل المدن.
ويختبر علماء من جامعة ستانفورد مجموعة من هذه الحلول في مدن تواجه ظروفًا مناخية متطرفة، بهدف خفض درجات الحرارة داخل المباني وتقليل تعرض السكان للإجهاد الحراري.
الأسطح البيضاء.. حل بسيط لخفض حرارة المنازل
في مدينة ماكاسار الإندونيسية، حيث يعيش نحو 40% من سكان المركز الصناعي في تجمعات سكنية تفتقر إلى الخدمات البلدية الأساسية وأجهزة تكييف الهواء، يتعرض السكان بصورة متكررة لدرجات حرارة تتجاوز 90 درجة فهرنهايت، أي نحو 32 درجة مئوية.
وخلال الأشهر المقبلة، سيجري طلاء عشرات الأسطح المعدنية في أحد التجمعات السكنية باللون الأبيض شديد الانعكاس، ضمن مشروع تقوده كلية ستانفورد دور للاستدامة، لاختبار قدرة هذه التقنية البسيطة ومنخفضة التكلفة على خفض درجات الحرارة داخل المنازل بنحو 5 درجات فهرنهايت، أي قرابة 2.8 درجة مئوية.
وقال ريشه جين، الأستاذ المشارك في الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ستانفورد وأحد قادة المشروع، إن خفض الحرارة بضع درجات فقط يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا بالنسبة للسكان.
وتكتسب هذه الدرجات أهمية خاصة عندما ترتفع الحرارة والرطوبة إلى مستويات تعجز معها آلية تبخر العرق عن تبريد الجسم والحفاظ على درجة حرارته الداخلية، ما يفرض عبئًا إضافيًا على القلب والكلى وأعضاء أخرى.
كما يمكن للإجهاد الحراري أن يؤدي إلى تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والربو، بينما قد يصبح التعرض المطول للحرارة الشديدة قاتلًا حتى بالنسبة إلى الشباب والأصحاء.
ولا تقتصر المخاطر على الصحة الجسدية، إذ تؤدي موجات الحر أيضًا إلى اضطرابات النوم، ما يزيد قابلية الإصابة بالأمراض. وفي ماكاسار، ترتبط موجات الحر بارتفاع معدلات التغيب عن العمل وزيادة حالات الإصابة بحمى الضنك.
وقال جون أوبنشو، الأستاذ المساعد في الطب بجامعة ستانفورد، إن التدخلات الكبرى قد تستغرق عقودًا حتى تدخل حيز التنفيذ، بينما يعاني الناس بالفعل من آثار موجات الحر، ما يجعل البحث عن حلول سريعة أمرًا ضروريًا.

موجات الحر تتزايد عالميًا
ترتبط الزيادة المتسارعة في موجات الحر إلى حد كبير بتغير المناخ، إذ أصبحت بعض المناطق تشهد حاليًا نحو 50 يومًا إضافيًا سنويًا من الإجهاد الحراري مقارنة بعام 1950.
وفي المدن الأميركية الكبرى، ارتفع تكرار موجات الحر من نحو موجتين سنويًا إلى ست موجات، بينما شهد صيف 2026 موجات حر خطرة في مناطق واسعة من الهند وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية وأوروبا، التي تعد أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة.
ويعمل باحثون في جامعة ستانفورد على تطوير حلول لتبريد المباني والمدن، خصوصًا أن الأسفلت الداكن ومواد البناء غير المنفذة للمياه تمتص الحرارة وتحتفظ بها، ما يجعل المدن أكثر سخونة من المناطق الريفية المحيطة بها.
ويرى علماء المناخ أن استمرار الاحترار العالمي سيؤدي إلى تزايد حدوث الظواهر المناخية الأكثر تطرفًا، وفي مقدمتها موجات الحر، إلى جانب الأمطار الغزيرة وغيرها من الظواهر الشديدة.

مدن تحتاج إلى الاستعداد لأكثر من خطر
لا تقتصر الحاجة إلى التكيف المناخي على المدن المعروفة بارتفاع درجات حرارتها، بل تمتد إلى مدن ذات مناخ كان تاريخيًا أكثر اعتدالًا، مثل سان فرانسيسكو ولندن وباريس.
وتفتقر العديد من المنازل في هذه المدن إلى أجهزة تكييف الهواء، كما أن كثيرًا من المباني صُمم في الأصل للاحتفاظ بالحرارة وليس للتعامل مع موجات الحر المتزايدة.
وفي سان فرانسيسكو، يتعاون باحثون من جامعة ستانفورد مع مكتب المرونة والتخطيط الرأسمالي في المدينة لتطوير أدوات تحاكي قدرة المباني وسكانها على التعامل مع الزلازل وموجات الحر وغيرها من المخاطر، عبر سيناريوهات متعددة.
وتهدف هذه النماذج إلى تحديد نقاط الضعف في المباني وترتيب أولويات التدخل، سواء من خلال تحديث أكواد البناء للمشروعات الجديدة أو تنفيذ عمليات تأهيل للمباني القائمة.
وأجرى الفريق دراسات تجريبية في عدد من أحياء سان فرانسيسكو، من بينها الحي الصيني، الذي تضم مبانيه القديمة شققًا صغيرة يعيش فيها عدد كبير من السكان الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا، وهي الفئة الأكثر عرضة لمخاطر موجات الحر.
ويحاول الباحثون التعامل مع المخاطر بصورة متكاملة بدلًا من معالجة كل مشكلة بشكل منفصل، إذ يمكن لتدخل واحد أن يعالج في الوقت نفسه نقاط ضعف مرتبطة بالحرارة والزلازل، بما يجعل الحلول أكثر جدوى للمدن.

التهوية الطبيعية.. تبريد دون استهلاك إضافي للطاقة
في المدن التي تتوافر فيها أجهزة تكييف الهواء على نطاق واسع، تؤدي موجات الحر عادة إلى ارتفاع كبير في استهلاك الكهرباء، وهو ما قد يزيد احتمالات انقطاع التيار ويضاعف المخاطر الصحية.
كما تلجأ شركات المرافق في أوقات الذروة إلى تشغيل محطات إضافية لتلبية الطلب، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تلوث الهواء والانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
وتبحث كاثرين جورلي، الأستاذة المشاركة في الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ستانفورد، في كيفية توظيف التهوية الطبيعية لتبريد المباني بكفاءة، من خلال دراسة حركة الرياح والحرارة داخل المباني وبين كتل المباني في المدن.
ويتمثل أحد الحلول العملية في السماح بدخول الهواء البارد إلى المبنى خلال الليل، ثم إبقاء الهواء الساخن خارجًا خلال النهار.
وتشير الأبحاث إلى أن المباني التي يتم تبريدها خلال الليل يمكنها الاحتفاظ بدرجات حرارة أكثر اعتدالًا خلال اليوم التالي، لأن الجدران والأرضيات والأسطح تبرد بالتزامن مع الهواء الداخلي.
وبحسب جورلي، يمكن أن تصل وفورات الطاقة الناتجة عن تأجيل تشغيل أجهزة التكييف إلى ما بين 10% و30%، وفقًا للظروف المناخية وتصميم المبنى.
ولا تركز الأبحاث على الجانب الهندسي فقط، إذ يدرس الباحثون أيضًا مدى تقبل السكان لهذه الحلول، بما في ذلك تلقي تنبيهات على الهواتف تحدد الأوقات المثلى لفتح النوافذ وإغلاقها لتحقيق أقصى استفادة من التهوية الطبيعية.
البيانات أساس القرارات المناخية
في المناطق الحارة والرطبة، قد لا تكون التهوية الطبيعية وحدها كافية، إذ تتحول المباني مع استمرار موجة الحر إلى ما يشبه «بطارية حرارية» تخزن الحرارة، وتحتاج إلى وقت طويل حتى تتخلص منها حتى بعد انخفاض درجات الحرارة الخارجية.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع الأسطح الباردة في ماكاسار، المدعوم من برنامج ستانفورد لتسريع الاستدامة.
ويرى الباحثون أن الأسطح البيضاء العاكسة، إذا أثبتت قدرتها على تحقيق فوائد صحية ملموسة، يمكن أن تصبح أداة مهمة لمساعدة أكثر من مليار شخص يعيشون حاليًا في تجمعات سكنية غير رسمية حول العالم، مع توقع تضاعف هذا العدد خلال 30 عامًا.
ولتحديد الفوائد الصحية الفعلية، يزوّد فريق البحث نحو 30 متطوعًا في ماكاسار بأجهزة استشعار قابلة للارتداء، لقياس معدل ضربات القلب وأنماط النوم والحركة خلال النهار ومؤشرات أخرى.
وسيقارن الباحثون النتائج بين السكان الذين يعيشون في مبانٍ ذات أسطح مطلية وأخرى غير مطلية، قبل توسيع النتائج لبناء نموذج يقدر الفوائد الصحية المحتملة عبر نحو 100 منزل.
ويأمل الفريق في أن توفر النتائج أساسًا علميًا يشجع الحكومات وصناع السياسات والمنظمات غير الحكومية على الاستثمار في حلول التبريد منخفضة التكلفة.

الأشجار والمياه.. الطبيعة في مواجهة حرارة المدن
لا تقتصر مواجهة الحرارة على المباني، إذ يمكن للمدن نفسها أن تصبح أكثر برودة من خلال زيادة المساحات الخضراء والزرقاء.
وتشمل المساحات الخضراء الحدائق والأشجار والنباتات، بينما تضم المساحات الزرقاء مصادر المياه مثل النوافير والبرك، ويمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تحقق تأثيرًا ملموسًا في خفض درجات الحرارة داخل المناطق الحضرية.
وتقدم مدينة ميديين الكولومبية نموذجًا لافتًا في هذا المجال، بعدما بدأت منذ عام 2016 تنفيذ برنامج واسع لتخضير البنية التحتية.
وزرعت المدينة قرابة 900 ألف شجرة و2.5 مليون نبات على امتداد الشوارع والجدران والأسطح، بهدف إنشاء ما أطلق عليه «الممرات الخضراء».
وأفادت المدينة بانخفاض متوسط درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين بعد ثلاث سنوات من تنفيذ البرنامج، فيما يتوقع المخططون أن تتزايد التأثيرات الإيجابية بمرور الوقت، رغم استمرار دراسة النتائج طويلة الأجل.
وتلعب المياه دورًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، ليس فقط من خلال تأثيرها المباشر في تبريد البيئة، وإنما أيضًا عبر دعم الغطاء النباتي الذي يوفر الظل ويساعد على خفض درجات حرارة الأسطح والأرض.

ومع ذلك، تواجه المساحات الخضراء والزرقاء منافسة من مشروعات الإسكان والتنمية على الأراضي الحضرية المحدودة، ما يجعل توفير البيانات العلمية أمرًا ضروريًا قبل تخصيص الأموال العامة لمشروعات تهدف إلى الحد من مخاطر الطقس المتطرف.
وفي النهاية، يتجه مستقبل المدن إلى الجمع بين الحلول الهندسية والطبيعية؛ من الأسطح العاكسة والتهوية الذكية إلى الأشجار والمياه، بهدف بناء بيئات حضرية أكثر قدرة على الصمود أمام موجات الحر التي أصبحت أكثر تكرارًا وشدة.





