أخبارالطاقة

موجات الحر تضرب جميع مصادر الكهرباء ولا تستثني أحدًا.. التحديات تمتد من النووي إلى الطاقة المتجددة

الحرارة القياسية تهدد أمن الطاقة العالمي.. الشمس والغاز والنووي في مواجهة تغير المناخ

مع تصاعد موجات الحر القياسية في أوروبا وأمريكا وآسيا، باتت شبكات الكهرباء تواجه اختبارًا غير مسبوق.

ففي الوقت الذي يزداد فيه الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف والتبريد، تتراجع قدرة العديد من محطات توليد الطاقة على الإنتاج، سواء كانت نووية أو تعمل بالغاز أو الفحم أو حتى تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة.

ورغم أن محطات الطاقة النووية غالبًا ما تتصدر عناوين الأخبار عند خفض إنتاجها خلال موجات الحر، فإن الحقيقة العلمية تشير إلى أن جميع تقنيات توليد الكهرباء تقريبًا تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة، ولكن بطرق مختلفة، ما يفرض تحديات جديدة أمام أمن الطاقة العالمي في ظل تغير المناخ.

محطات الطاقة النووية

الحرارة المرتفعة تقلل كفاءة محطات الكهرباء

تعتمد معظم محطات الكهرباء التقليدية، سواء النووية أو العاملة بالفحم أو الغاز الطبيعي أو الكتلة الحيوية، على دورة بخارية تستخدم المياه لتبريد البخار بعد تشغيل التوربينات.

وعندما ترتفع حرارة الأنهار أو البحيرات التي توفر مياه التبريد، تنخفض قدرة هذه المياه على تكثيف البخار، فتتراجع كفاءة المحطة تدريجيًا، ما يدفع المشغلين إلى خفض الإنتاج.

وتشير التقديرات إلى أن كفاءة المحطات الحرارية قد تنخفض بنحو 0.3 إلى 0.5% مع كل ارتفاع قدره نحو 5.5 درجات مئوية (10 فهرنهايت) في حرارة مياه التبريد، مع اختلاف النسبة وفق تصميم المحطة.

محطات توليد الكهرباء

لماذا تخفض المحطات النووية إنتاجها؟

خلافًا للاعتقاد السائد، فإن خفض إنتاج المحطات النووية خلال موجات الحر لا يرجع عادة إلى مخاوف تتعلق بسلامة المفاعلات، وإنما إلى أسباب بيئية وتشغيلية.

فالمياه المستخدمة في التبريد تعود إلى الأنهار بدرجة حرارة أعلى، وتفرض التشريعات البيئية حدودًا صارمة لدرجة حرارة المياه المصرفة لحماية النظم البيئية والكائنات المائية.

وعندما تكون حرارة الأنهار مرتفعة بالفعل بسبب موجات الحر، يصبح من الضروري تقليل إنتاج الكهرباء حتى لا تتجاوز حرارة المياه المصروفة الحدود البيئية المسموح بها، بمعنى آخر، تستطيع المحطة إنتاج الكهرباء تقنيًا، لكنها تضطر إلى خفض الإنتاج لحماية البيئة المحيطة.

إنتاج الكهرباء

الغاز والفحم يواجهان المشكلة نفسها

ولا تقتصر هذه الظاهرة على الطاقة النووية، إذ تواجه محطات الفحم والغاز الطبيعي المشكلات ذاتها لأنها تعتمد أيضًا على أنظمة تبريد مائية.

كما تتعرض شبكات الكهرباء نفسها لضغوط إضافية نتيجة تمدد خطوط النقل بفعل الحرارة، وانخفاض كفاءتها، وارتفاع احتمالات الأعطال، فضلاً عن زيادة الضغط داخل خطوط نقل النفط والغاز.

حتى الطاقة المتجددة ليست بمنأى عن التأثير

رغم أن الطاقة الشمسية والرياح تعدان من ركائز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، فإن موجات الحر تؤثر أيضًا على أدائهما.

الطاقة الشمسية

الطاقة الشمسية
الطاقة الشمسية

كلما ارتفعت درجة حرارة الألواح الشمسية، انخفضت كفاءتها في تحويل أشعة الشمس إلى كهرباء.

وتفقد الألواح ما بين 0.3 و0.5% من كفاءتها مع كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة فوق درجة الاختبار القياسية (25 درجة مئوية)، ما يؤدي إلى انخفاض ملموس في الإنتاج خلال الأيام شديدة الحرارة.

كما تسرّع الحرارة المرتفعة من تدهور المواد المكونة للألواح، ما يقلل عمرها التشغيلي.

طاقة الرياح

توربينات طاقة الرياح

تعاني توربينات الرياح من ثلاثة تحديات خلال موجات الحر:

• انخفاض سرعة الرياح في كثير من المناطق.

• انخفاض كثافة الهواء الساخن، وبالتالي انخفاض الطاقة التي تحملها الرياح.

• صعوبة تبريد المولدات والمكونات الإلكترونية، ما يدفع بعض التوربينات إلى خفض الإنتاج أو التوقف مؤقتًا لحماية معداتها.

كما تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تسريع تآكل الزيوت والمحامل والعوازل الكهربائية، ما يزيد تكاليف الصيانة.

الطاقة الكهرومائية

الطاقة الكهرومائية

غالبًا ما تترافق موجات الحر مع موجات جفاف، وهو ما يؤدي إلى انخفاض منسوب الأنهار والخزانات المائية، وبالتالي تراجع إنتاج الكهرباء الكهرومائية.

وقد شهدت عدة دول خلال السنوات الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في إنتاج الطاقة الكهرومائية نتيجة نقص المياه، وهو ما يؤكد حساسية هذا المصدر لتغير المناخ.

تغير المناخ يضاعف التحدي

تاريخيًا، صُممت محطات الكهرباء وفق الظروف المناخية السائدة لعقود طويلة، لكن تغير المناخ غيّر هذه المعادلة.

فارتفاع درجات الحرارة وزيادة تكرار موجات الحر والجفاف أدى إلى:

  •  ارتفاع حرارة مصادر المياه المستخدمة في التبريد.
  •  انخفاض مستويات الأنهار والخزانات.
  •  زيادة استهلاك الكهرباء بسبب التكييف.
  •  ارتفاع مخاطر انقطاع الكهرباء خلال فترات الذروة.

وهذا يعني أن الطلب على الكهرباء يبلغ ذروته في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة بعض المحطات على الإنتاج، ما يشكل تحديًا متزايدًا أمام استقرار الشبكات.

عاصفة شمسية في أسوأ السيناريوهات قد تؤدي إلى تعطّل الأقمار الصناعية ونظام الملاحة وشبكات الكهرباء،
شبكات الكهرباء،

كيف تتكيف الدول مع الأزمة؟

بدأت شركات الكهرباء والحكومات في تطوير حلول للتكيف مع موجات الحر، أبرزها:

  •  استخدام أبراج تبريد مغلقة تقلل استهلاك المياه.
  •  الاعتماد على أنظمة تبريد هوائية أو هجينة.
  •  تطوير خلايا شمسية أكثر مقاومة للحرارة.
  •  تحسين أنظمة تبريد توربينات الرياح.
  •  إنشاء مفاعلات نووية صغيرة تستخدم كميات أقل من المياه.
  •  تطوير مفاعلات متقدمة تعتمد على الهيليوم أو الأملاح المنصهرة أو المعادن السائلة بدلًا من المياه.
  •  منح استثناءات بيئية مؤقتة لبعض المحطات خلال حالات الطوارئ للحفاظ على استقرار الشبكات.

تنويع مصادر الطاقة أصبح ضرورة

تكشف موجات الحر أن لا يوجد مصدر كهرباء محصن بالكامل ضد آثار تغير المناخ.

فالوقود الأحفوري والطاقة النووية يعانيان من تحديات التبريد، بينما تتأثر الطاقة الشمسية والرياح والمياه بارتفاع الحرارة والجفاف، ما يؤكد أن بناء منظومة كهرباء مرنة يتطلب تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في التخزين والشبكات الذكية وتقنيات التبريد الحديثة.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، لن يكون السؤال هو أي مصدر طاقة سيتأثر، بل كيف يمكن تصميم أنظمة كهرباء قادرة على الحفاظ على موثوقيتها في عالم يزداد سخونة عامًا بعد عام.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة