وفيات موجات الحر ليست عشوائية.. أزمة إسكان وعدم مساواة تقف وراء آلاف الضحايا
السكن غير الملائم يحول موجات الحر إلى أزمة صحية.. دراسة تكشف الأسباب الخفية للوفيات
كشفت دراسة حديثة أن آلاف الوفيات المرتبطة بموجات الحر في إنجلترا وويلز لا تعود إلى ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل ترتبط أيضًا بعدم المساواة في جودة المساكن والبيئة العمرانية، ما يجعل الفئات الأكثر فقرًا والأكبر سنًا أكثر عرضة لمخاطر الإجهاد الحراري.
وبحسب تحليل حديث، تسببت موجتا الحر اللتان ضربتا البلاد خلال شهري مايو ويونيو 2026 في وفاة نحو 2700 شخص، بينهم نحو 550 وفاة في مايو و2200 وفاة في يونيو، بعدما سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية تجاوزت الأرقام المسجلة منذ عامي 1944 و1976.
وأشار الباحثون إلى أن نحو 42% من هذه الوفيات ارتبطت بالارتفاع الإضافي في درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، فيما سجلت المملكة المتحدة أكثر من 10 آلاف وفاة مرتبطة بموجات الحر خلال الفترة بين 2020 و2024.

الفئات الأكثر تضررًا
وأظهرت الدراسة أن نحو 60% من الوفيات سُجلت بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 85 عامًا فأكثر، إلا أن الباحثين أكدوا أن العمر ليس العامل الوحيد، إذ تلعب الظروف الاجتماعية ونوعية السكن دورًا رئيسيًا في تحديد مستوى التعرض للخطر.
وأوضح التقرير أن أكثر المناطق حرمانًا في إنجلترا تتركز داخل المدن المكتظة، خاصة في العاصمة لندن، حيث تقل المساحات الخضراء وتزداد ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، التي تؤدي إلى احتجاز الحرارة داخل المباني والطرق الخرسانية، وتمنع انخفاض درجات الحرارة ليلًا، وهو ما يحرم السكان من فرصة تعافي أجسامهم بعد حرارة النهار.
المنازل غير الملائمة تضاعف المخاطر

وأشارت الدراسة إلى أن 54% من الأسر ذات الدخل المنخفض تعيش في مساكن معرضة بشدة لارتفاع درجات الحرارة، مقارنة بـ 18% فقط من الأسر الأكثر ثراءً.
كما تبين أن ثلثي مستأجري الإسكان الاجتماعي، ونحو 60% من الأسر التي لديها أطفال صغار، يقيمون في منازل تزداد فيها مخاطر السخونة المفرطة، نتيجة صغر المساحات، وضعف العزل الحراري، وغياب وسائل التظليل والتهوية المناسبة.
ولفت الباحثون إلى أن نحو 2.9 مليون أسرة في إنجلترا أفادت بأن منازلها تصبح شديدة الحرارة خلال فصل الصيف، في حين يواجه كثير من المستأجرين صعوبة في إجراء تعديلات لتحسين التهوية أو تركيب وسائل للحماية من أشعة الشمس، فضلًا عن ارتفاع تكاليف تشغيل أجهزة التبريد.
المشكلة تمتد طوال العام
وأكدت الدراسة أن المشكلة لا تقتصر على الصيف، فالمنازل نفسها التي ترتفع حرارتها في الصيف هي الأكثر برودة في الشتاء بسبب ضعف كفاءة العزل، وهو ما يجعلها مصدرًا للمخاطر الصحية على مدار العام.
وأشار الباحثون إلى أن المساكن غير المؤهلة تتسبب في فقدان الحرارة شتاءً واحتجازها صيفًا، ما يعني أن فقر الطاقة لم يعد مشكلة موسمية، بل أصبح تحديًا دائمًا يتطلب حلولًا هيكلية.
التكيف ينقذ الأرواح
وأوضحت الدراسة أن الإجراءات الوقائية التي طُبقت خلال عام 2025، مثل أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة الصحية، ساهمت في خفض عدد الوفيات المرتبطة بالحر إلى نحو 1504 حالات، أي أقل بكثير من التوقعات التي استندت إلى درجات الحرارة وحدها، ما يشير إلى أن التكيف مع موجات الحر يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح.
لكن الباحثين حذروا من أن وسائل التكيف ليست متاحة للجميع، إذ يستطيع أصحاب الدخل المرتفع توفير منازل أفضل وتجهيزها بوسائل التبريد، بينما تظل الأسر محدودة الدخل أقل قدرة على حماية نفسها.

دعوة إلى سياسات أكثر عدالة
ودعت الدراسة إلى اعتبار موجات الحر قضية إسكان وعدالة اجتماعية بقدر ما هي قضية مناخية، مطالبة بتحديث المباني لتحسين العزل الحراري في الصيف والشتاء، وزيادة المساحات الخضراء في الأحياء الأكثر حرمانًا، وإدراج معايير تمنع ارتفاع حرارة المنازل ضمن اشتراطات جودة الإسكان.
وأكد الباحثون أن الاكتفاء بتقديم نصائح مثل شرب المياه أو إغلاق النوافذ والستائر لن يكون كافيًا، ما لم يصاحبه استثمار حقيقي في تحسين جودة المساكن وحماية الفئات الأكثر عرضة لمخاطر موجات الحر.





