ذوبان الجليد وحرائق الغابات في سيبيريا يهددان أهداف العالم لخفض الميثان
القطب الشمالي يطلق إنذارًا جديدًا.. سيبيريا قد تُفشل جزءًا من خطط الحد من الميثان
حذرت دراسة دولية جديدة من أن الارتفاع المتسارع في انبعاثات غاز الميثان من سيبيريا، نتيجة ذوبان التربة الصقيعية وازدياد حرائق الغابات، قد يقوض نحو 20% من التخفيضات العالمية المستهدفة لانبعاثات الميثان بحلول عام 2050، ما يمثل تحديًا إضافيًا أمام الجهود الدولية للحد من تغير المناخ.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية Science، أن الاحترار السريع في القطب الشمالي يعزز إطلاق الميثان من المصادر الطبيعية، وهو ما قد يقلل من أثر الإجراءات الرامية إلى خفض الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية.
سيبيريا.. مصدر صغير وتأثير متزايد
رغم أن سيبيريا لا تسهم إلا بنحو 5% من إجمالي انبعاثات الميثان العالمية، فإن قلة محطات الرصد وصعوبة الظروف البيئية جعلتا تقدير انبعاثاتها بدقة أمرًا معقدًا لسنوات.
وقاد الدراسة فريق دولي برئاسة البروفيسور ليو يي من معهد فيزياء الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بهدف فهم كيفية تغير انبعاثات الميثان في سيبيريا تحت تأثير تغير المناخ، والكشف عن الآليات التي تقود هذا الارتفاع.
دمج بيانات الأقمار الصناعية والرصد الأرضي

اعتمد الباحثون على نظام متطور لتحليل تدفقات الميثان، جمع بين بيانات القمر الصناعي GOSAT وشبكة عالمية لمحطات الرصد الأرضية، بما في ذلك أبراج مراقبة داخل سيبيريا.
وساعد هذا النهج على خفض درجة عدم اليقين في تقديرات الانبعاثات إلى نحو 10% فقط، وهي دقة أعلى من معظم الدراسات السابقة.
وأظهرت النتائج أن انبعاثات الميثان السنوية في سيبيريا ارتفعت بمقدار 12 ± 1.9 تيراجرام خلال الفترة بين عامي 2010 و2023، بمعدل زيادة سنوية بلغ 1.1 ± 0.1 تيراجرام.
وأشار الباحثون إلى أن هذا المعدل يعادل نحو 92% من إجمالي الزيادة المسجلة في انبعاثات الميثان من الأراضي الرطبة على مستوى العالم خلال الفترة نفسها، رغم أن الأراضي الرطبة تمثل نحو ثلث الانبعاثات الطبيعية للميثان عالميًا.
غرب سيبيريا وشرقها.. آليتان مختلفتان
كشفت الدراسة أن نهر ينيسي يمثل خطًا فاصلًا بين نظامين مناخيين مختلفين داخل سيبيريا.
ففي غرب سيبيريا، أصبحت الظروف أكثر رطوبة، ويرتبط ارتفاع الانبعاثات بتغيرات في أنماط دوران الغلاف الجوي، التي تنقل مزيدًا من الحرارة والرطوبة إلى المنطقة، ما يرفع حرارة التربة الصقيعية ويغير خصائص الأراضي الرطبة، ويحفز الكائنات الدقيقة المنتجة للميثان.
أما في شرق سيبيريا، فقد أصبحت الظروف أكثر حرارة وجفافًا، وهو ما أدى إلى زيادة حرائق الغابات، التي أصبحت المصدر الرئيسي للزيادة في انبعاثات الميثان هناك.
استجابة متسارعة لارتفاع الحرارة
وجد الباحثون أن انبعاثات الميثان لا ترتفع بصورة خطية مع زيادة درجات الحرارة، بل تتسارع كلما ارتفعت درجات الحرارة القصوى، ما يشير إلى وجود تغذية راجعة إيجابية قد تزيد من صعوبة السيطرة على تغير المناخ.
وباستخدام أسلوب علمي يعتمد على دمج الملاحظات الواقعية مع نماذج المناخ، تمكن الفريق من تحسين توقعات الاحترار الإقليمي وتقليل درجة عدم اليقين في السيناريوهات المستقبلية.
تهديد مباشر لأهداف المناخ
تشير التقديرات إلى أنه في سيناريو الانبعاثات المرتفعة SSP5-8.5، فإن الزيادة المتوقعة في انبعاثات الميثان من سيبيريا بحلول عام 2050 ستكون مماثلة تقريبًا للزيادة المتوقعة في انبعاثات الأراضي الرطبة عالميًا.
وحذرت الدراسة من أن هذه الزيادة قد تعوض نحو 20% من التخفيضات البشرية المطلوبة في انبعاثات الميثان لتحقيق أهداف المناخ العالمية، مع توقع أن تتحمل شرق سيبيريا النصيب الأكبر من هذه الزيادة.
وقال البروفيسور ليو يي إن تجاهل التغذية الراجعة غير الخطية في المناطق القطبية قد يؤدي إلى أخطاء كبيرة في تقدير الميزانية العالمية للميثان، موضحًا أن المصادر الطبيعية المتغيرة قد تقلل من فعالية جهود خفض الانبعاثات البشرية.
وأضاف أن تقييمات المناخ العالمية يجب أن تأخذ هذه التأثيرات في الاعتبار، وأن تعتمد افتراضات أكثر تحفظًا عند وضع السيناريوهات المستقبلية.
أهمية الدراسة
توفر الدراسة دليلًا علميًا جديدًا على أن الاحترار السريع في القطب الشمالي لا يؤدي فقط إلى ذوبان التربة الصقيعية، بل يطلق أيضًا كميات متزايدة من الميثان، أحد أقوى غازات الاحتباس الحراري، بما قد يسرّع تغير المناخ ويزيد من صعوبة تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة ستساعد في تحسين سياسات الحد من انبعاثات الميثان، وتطوير نماذج المناخ، وفهم الحدود المناخية الحرجة في المناطق القطبية.





