من النفط إلى الذكاء الاصطناعي.. صدمة الحرب تصل إلى سوق أشباه الموصلات
الحرب تضغط على صناعة الرقائق.. كيف تهدد أزمة الطاقة طفرة أشباه الموصلات؟
تلقي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بظلالها على واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي، وهي صناعة أشباه الموصلات، في وقت يشهد فيه الطلب على الرقائق طفرة مدفوعة بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وتفتح التطورات الجيوسياسية الباب أمام مخاوف متزايدة من اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية، وهي عوامل قد تضغط على هوامش الشركات وتحد من الزخم الذي شهده القطاع خلال الأعوام الأخيرة.
وتضع هذه المعادلة صناعة الرقائق أمام مفترق طرق؛ إذ قد يؤدي استمرار الصراع إلى إبطاء الطلب العالمي على الإلكترونيات والتقنيات المتقدمة، بينما يظل القطاع في الوقت نفسه رهينة تقلبات أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ارتفاع التكاليف
ينقل تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية تحذيرات محللين من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يؤثر في وصول صناعة أشباه الموصلات إلى المواد الأساسية، في حين قد يؤدي ارتفاع التكاليف إلى التأثير في الطلب على الرقائق التي شكلت أحد محركات طفرة الذكاء الاصطناعي.
وسلطت الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران الضوء على الدور الذي تلعبه دول الشرق الأوسط في سلسلة توريد أشباه الموصلات المعقدة والمتشابكة.
وتأثرت أسهم شركات أشباه الموصلات بعمليات البيع التي شهدتها أسواق الأسهم، قبل أن يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الاثنين إن الحرب ستنتهي “قريبًا جدًا”.
كما تضررت شركتا تصنيع رقائق الذاكرة، “إس كيه هاينكس” و”سامسونغ”، بشدة، إذ خسرتا أكثر من 200 مليار دولار من قيمتهما السوقية الإجمالية منذ بداية الحرب، رغم الارتفاع الحاد في أسهم الشركتين يوم الثلاثاء.
وانخفض صندوق “فان إيك لأشباه الموصلات” المتداول في البورصة بنسبة 3% تقريبًا منذ بداية الحرب، قبل أن يقلص جزءًا من خسائره بعد قفزة بلغت 3.6% يوم الاثنين.
وينقل التقرير عن المحلل في شركة “سيمي أناليسيس”، راي وانغ، قوله إن نزاعًا إقليميًا مطولًا قد يعطل عمليات تصنيع الرقائق، خاصة فيما يتعلق بمصادر المواد مثل الهيليوم والبروم.
وأضاف: “في الوقت الحالي يبدو أن التأثير محدود، لكن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤدي في النهاية إلى اضطرابات أو يفرض تعديلات في مصادر المواد الرئيسية”.

العمود الفقري للاقتصاد الرقمي
يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزه الحكومية في كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، إن تصاعد التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة لا يقتصر تأثيره على أسواق النفط والطاقة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسه صناعة أشباه الموصلات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي.
وتعد صناعة الرقائق الإلكترونية من أكثر الصناعات اعتمادًا على الطاقة؛ إذ تستهلك المصانع المتطورة في دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة كميات هائلة من الكهرباء والمياه.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، غالبًا ما ترتفع أسعار النفط والغاز نتيجة المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف تشغيل المصانع والبنية التحتية الرقمية، وقد يؤدي إلى تقليص هوامش أرباح الشركات وتأجيل خطط التوسع والإنتاج.
كما أن الحروب والأزمات الجيوسياسية الكبرى تخلق حالة واسعة من عدم اليقين الاقتصادي، وهو ما يؤدي عادة إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع إنفاق المستهلكين على المنتجات التقنية مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والسيارات الكهربائية.
وبما أن هذه المنتجات تعتمد أساسًا على الرقائق الإلكترونية، فإن انخفاض الطلب عليها ينعكس تلقائيًا في تراجع الطلب العالمي على أشباه الموصلات.
ويشير بانافع إلى أن منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز يمثلان شريانًا حيويًا لحركة التجارة والطاقة في العالم، وأي تهديد لحركة الملاحة فيهما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين.
ونظرًا لاعتماد صناعة أشباه الموصلات على شبكة توريد عالمية معقدة تشمل مواد كيميائية دقيقة وغازات صناعية ومعدات تصنيع متقدمة من عدة دول، فإن أي اضطراب في حركة التجارة العالمية قد يعرقل عمليات الإنتاج ويرفع تكلفتها.

تأثيرات اقتصادية واستراتيجية
يوضح بانافع أن فترات النزاعات تدفع الحكومات عادة إلى زيادة الإنفاق العسكري على حساب بعض القطاعات الاقتصادية الأخرى، ما قد يضعف الطلب في بعض الأسواق التقنية الاستهلاكية.
في المقابل، قد يشهد قطاع الصناعات الدفاعية زيادة في الطلب على أنواع محددة من الرقائق المستخدمة في الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية وأنظمة الذكاء الاصطناعي الدفاعية.
كما أن إنشاء مصانع أشباه الموصلات يتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات للمصنع الواحد، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة تصبح الأسواق المالية أكثر حذرًا، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل مشاريع التوسع أو بناء مصانع جديدة إلى حين اتضاح المشهد الاقتصادي.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤثر أيضًا في اقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه، خاصة مع التوسع الكبير في مراكز البيانات التي تستهلك كميات متزايدة من الطاقة لتشغيل الخوادم وتدريب النماذج المتقدمة.
وفي حال استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الأزمات الجيوسياسية، فإن تشغيل هذه المراكز وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر تكلفة، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات في البنية التحتية للحوسبة المتقدمة والرقائق المرتبطة بها.

تحذيرات بشأن المواد الأساسية
في هذا السياق، حذر نائب كوري جنوبي الأسبوع الماضي من أن الحرب مع إيران قد تعيق الوصول إلى مواد أساسية من الشرق الأوسط، مثل الهيليوم، وفقًا لما ذكرته وكالة رويترز.
ويشار هنا إلى الدور المهم لبعض دول الشرق الأوسط في سلسلة توريد أشباه الموصلات، إذ تنتج قطر أكثر من ثلث إمدادات الهيليوم في العالم، وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.
ويُستخدم الهيليوم في عمليات التصنيع لنقل الحرارة، كما يُستخدم في مجالات مثل الطباعة الحجرية، وهي تقنية أساسية لطباعة الدوائر الإلكترونية المعقدة للرقائق الإلكترونية، ولا يوجد بديل عملي له.
وفي عام 2023 حذرت رابطة صناعة أشباه الموصلات من أنه في حال تعطل إمدادات الهيليوم فمن المرجح أن تتعرض صناعة تصنيع أشباه الموصلات العالمية لصدمات كبيرة.
ولا تقتصر المشكلة على الإنتاج فقط، بل إن نقل هذا العنصر من الشرق الأوسط قد يصبح أكثر صعوبة مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي.
صناعة حساسة للتقلبات العالمية
يشدد أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا، الدكتور حسين العمري، على أن صناعة أشباه الموصلات شديدة الحساسية لتحولات الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة.
وأوضح أن التصعيد العسكري الحالي لا يهدد إمدادات النفط فقط، بل قد يعيد تشكيل دورة الطلب العالمية على الرقائق.
وتتمثل أول قناة للتأثير في أسعار الطاقة، إذ تعتمد مصانع الرقائق العملاقة ومراكز البيانات التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من الكهرباء، ما يعني أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي سريعًا إلى زيادة تكاليف التشغيل عبر سلاسل القيمة الرقمية، من التصنيع إلى الحوسبة السحابية.

أما القناة الثانية فتتمثل في الاقتصاد الكلي؛ إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا إلى زيادة التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما ينعكس عادة في تراجع الطلب على الإلكترونيات الاستهلاكية مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والسيارات الذكية، وهي القطاعات التي تمثل جزءًا كبيرًا من الطلب العالمي على أشباه الموصلات.
وفي المقابل، قد تؤدي التوترات الجيوسياسية نفسها إلى توليد نوع مختلف من الطلب، إذ تميل الحكومات خلال الأزمات إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والفضاء والأمن السيبراني، وهي قطاعات تعتمد بشكل متزايد على الحوسبة المتقدمة والرقائق المتخصصة.
ويخلص العمري إلى أن تأثير أي حرب مرتبطة بإيران على سوق أشباه الموصلات لن يكون بسيطًا أو خطيًا، إذ قد يشهد العالم في الوقت نفسه تباطؤًا في الطلب الاستهلاكي يقابله ارتفاع في الطلب الاستراتيجي المرتبط بالأمن والتكنولوجيا العسكرية.





