مبادرة دولية لتعميم الوصول إلى نماذج المناخ العالمية.. نحو علم مناخي أكثر إنصافًا
منصة مفتوحة لتصميم السيناريوهات المناخية.. مشروعًا عالميًا لـ"دمقرطة" النمذجة المناخية
في تحول جوهري في الطريقة التي يُنتج بها العلم المناخي، أطلق فريق دولي من الباحثين بقيادة المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) في النمسا، وبالشراكة مع جامعات ومؤسسات بحثية في اليابان، مبادرة تهدف إلى دمقرطة عملية إعداد السيناريوهات المناخية العالمية، وجعلها أكثر شفافية وشمولًا وعدالة.
الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة Nature Climate Change (عدد أكتوبر 2025)، تدعو إلى بناء منصة بحثية عالمية مفتوحة المصدر لإشراك العلماء من جميع أنحاء العالم ، وخاصة من الدول النامية، في تصميم وتشغيل النماذج المناخية التي تُبنى عليها سياسات المناخ الدولية.
أزمة التمثيل في علم المناخ العالمي
على مدار العقود الثلاثة الماضية، أصبحت السيناريوهات التي تنتجها نماذج التقييم المتكامل (IAMs) المرجع الرئيسي لصياغة تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وهي الأداة التي تُستخدم لتوجيه مفاوضات المناخ العالمية، مثل اتفاق باريس.
لكن خلف هذا التأثير الكبير، تكمن مشكلة تمثيل حقيقية؛ إذ تشير الدراسة إلى أن غالبية النماذج والبيانات التي تعتمدها الهيئة تصدر من مؤسسات بحثية في أوروبا وأمريكا الشمالية، بينما تظل مساهمة الدول النامية محدودة للغاية، رغم أنها الأكثر تأثرًا بتغير المناخ.
ويحذر الباحثون من أن هذا الخلل ينتج سيناريوهات مناخية غير متوازنة، قد لا تعكس بدقة أولويات واحتياجات المناطق المتضررة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
يقول البروفيسور شينيتشيرو فوجيموري، الباحث في برنامج الطاقة والمناخ والبيئة في IIASA وأستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة كيوتو: “تغير المناخ تحدٍّ عالمي، لكن العلم الذي يوجه استجابتنا له لا يعكس دائمًا التنوع الحقيقي في الخبرات والرؤى عبر القارات، هدفنا هو فتح الباب أمام مشاركة الجميع في تصميم هذه السيناريوهات التي تحدد مستقبل الكوكب.”

من الانغلاق إلى الانفتاح: نظام جديد لبحوث المناخ
المبادرة المقترحة ، والتي تعد تطويرًا لمفهوم منصات المقارنة بين النماذج (MIP) تضع آلية واضحة وشفافة لإدارة الأبحاث المناخية، تقوم على أربع مراحل أساسية:
- اقتراح ودراسة المشاريع البحثية
يُتاح للباحثين من جميع أنحاء العالم تقديم مقترحات لدراسات مقارنة حول موضوعات مثل إزالة الكربون، استخدام الأراضي، الطاقة المتجددة، أو العدالة المناخية.
تخضع المقترحات لمراجعة علمية دولية تعتمد معايير الجدارة والأهمية العالمية، وليس حجم المؤسسة أو ميزانيتها.
- نشر البروتوكول العلمي
يُنشر بروتوكول تفصيلي يحدد تصميم الدراسة، المنهجية، قواعد جمع البيانات، والمتغيرات المطلوبة من كل نموذج.
هذا البروتوكول يكون متاحًا علنًا، ما يسمح بتكرار النتائج والتحقق منها — وهو مبدأ أساسي في العلم المفتوح.

3- مشاركة مفتوحة وتقديم البيانات
يُسمح للمؤسسات الصغيرة، وللباحثين من الدول النامية، بالمشاركة الفعلية عبر تشغيل النماذج وتقديم نتائجهم في قاعدة بيانات موحدة تخضع لمراجعة جودة دقيقة.
وبهذا، لا تبقى المشاركة حكرًا على المراكز الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة.

4- التحقق والنشر العام
بعد مراجعة النتائج وتصحيحها، تُنشر البيانات والدراسات في مجلات علمية متخصصة، مع إتاحة جميع البيانات للعامة، بما في ذلك صناع القرار والشركات والمؤسسات التعليمية، لتعزيز استخدام العلم في دعم السياسات المناخية.
الشفافية والمساءلة العلمية
يؤكد الدكتور فولكر كراي، رئيس مجموعة أبحاث التقييم المتكامل وتغير المناخ في IIASA، أن المنصة الجديدة لا تقتصر على توسيع المشاركة فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم العلم نفسه: “فتح عملية المقارنة بين النماذج لا يتعلق فقط بالوصول، بل بإعادة صياغة العلاقة بين العلم والمجتمع، عندما يتشارك الباحثون من ثقافات مختلفة في بناء النماذج، تصبح نتائجنا أكثر مصداقية وارتباطًا بالواقع العالمي.”
ويضيف أن المشروع يستجيب لدعوات متزايدة من داخل المجتمع العلمي لتبني مبادئ الشفافية، وإمكانية التكرار، والمساءلة في أبحاث المناخ، وهي قيم أساسية لضمان الثقة في السياسات التي تُبنى على هذه النماذج.
دعم القدرات في الجنوب العالمي
إحدى الركائز المركزية للمبادرة هي تمكين الباحثين في الدول النامية عبر توفير البنية التحتية التقنية والتدريب والتمويل اللازم للمشاركة في الدراسات الدولية.
ويشير التقرير إلى أن نقص الموارد التكنولوجية وقواعد البيانات يمثل أحد العوائق الرئيسية أمام مشاركة هذه الدول في إنتاج المعرفة المناخية.
ويقول الدكتور كيوان رياهي، مدير برنامج الطاقة والمناخ والبيئة في IIASA، “نريد أن نبني مجتمعًا علميًا عالميًا لا تحده الجغرافيا أو الإمكانات. بالأنظمة المفتوحة والمعايير المشتركة يمكننا إنتاج علم أكثر عدلاً وقابلية للتطبيق في كل مكان.”

رؤية جديدة لعالم أكثر إنصافًا مناخيًا
تتماشى المبادرة مع جهود قائمة مثل مبادرة بوصلة السيناريوهات (Scenario Compass Initiative) التي يقودها IIASA وعدد من المؤسسات الدولية، لتعزيز الانفتاح والشفافية في تطوير سيناريوهات المناخ.
ويرى الباحثون، أن تطبيق هذه المنصة سيساهم في بناء قاعدة علمية أكثر تمثيلًا وتوازنًا، ما ينعكس على جودة تقارير الهيئة الحكومية لتغير المناخ (IPCC) ودقة النماذج المستخدمة في رسم السياسات الدولية.
ويختم فوجيموري بدعوة مؤثرة للمجتمع العلمي العالمي: “قد نفقد بعض الكفاءة عند فتح الأبواب للجميع، لكننا سنكسب علمًا أكثر عدالة وإنسانية، إذا كان المناخ قضية الكوكب بأكمله، فيجب أن يكون العلم الذي يخدمه علمًا مشتركًا بحق.”
دلالات أعمق
يرى محللون أن هذا التحول نحو دمقرطة علم المناخ قد يشكل نقطة انعطاف في العلاقة بين العلم والسياسة والعدالة البيئية، إذ يُمكّن البلدان النامية من المشاركة الفعلية في صياغة التصورات العالمية لمستقبل الطاقة والانبعاثات، بدلاً من الاكتفاء بدور المتلقي.
كما أن الطبيعة المفتوحة للمبادرة تعزز الشفافية في استخدام البيانات والنماذج، وتفتح الباب أمام المجتمع المدني والصحافة والقطاع الخاص لاستخدام المعرفة العلمية لدعم العمل المناخي المستند إلى الأدلة.





