مديرة وحدة التحقق بالطاقة الذرية: التحقق أحد الركائز الأساسية لضمان مصداقية تقارير الاستدامة ودقة بيانات الانبعاثات
ياسمين أحمد: التحدي الحقيقي قياس الأثر الفعلي للمبادرات البيئية وأهداف الاستدامة للشركات والمؤسسات
كتبت هايدي سامي
في ظل تسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتزايد الضغوط الدولية للامتثال للمعايير البيئية، يبرز “التحقق والمصادقة البيئية” كأحد الركائز الأساسية لضمان مصداقية تقارير الاستدامة ودقة بيانات الانبعاثات، ليس فقط على مستوى المؤسسات، بل على مستوى الاقتصاد الوطني ككل.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة ياسمين أحمد، المدير التنفيذي لوحدة التحقق والمصادقة البيئية بهيئة الطاقة الذرية المصرية، أن التحقق البيئي لم يعد مجرد إجراء تقني أو خطوة شكلية، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية تفرضها متطلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
جاء ذلك خلال لقاء حواري نظمته وحدة التحقق والمصادقة البيئية، تحت مظلة هيئة الطاقة الذرية المصرية، بالتعاون مع منصة المستقبل الأخضر، ضمن فعاليات “الحوار الأخضر 2026″، بعنوان “التحقق البيئي… من الفكرة إلى الأثر”، وأدارته الدكتورة إيمان السيد عبد التواب حمزة، مدرس الميكروبيولوجيا الإشعاعية بالهيئة.

قياس الأثر الفعلي
وأوضحت أحمد أن التحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق المبادرات البيئية أو الإعلان عن الأهداف، بل في قياس الأثر الفعلي لهذه الجهود، والتأكد من أنها تحقق نتائج ملموسة ومستدامة على أرض الواقع. وأضافت أن التقارير البيئية لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تخضع لعمليات تحقق مستقلة تضمن دقتها وإمكانية الاعتماد عليها دوليًا، مشيرة إلى أن الوعي يمثل الخطوة الأولى نحو إحداث التغيير المنشود في هذا المجال الحيوي.
وشددت على وجود فارق جوهري بين الإفصاح والتحقق، موضحة أن الإعلان عن البيانات البيئية دون مراجعة مستقلة لا يكفي، إذ يتطلب الأمر جهات محايدة تمتلك الكفاءة الفنية للتحقق من صحة الأرقام ومدى توافقها مع المعايير الدولية.

وأشارت إلى أن عملية التحقق البيئي تستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها الاستقلالية التامة، وتجنب تضارب المصالح، إلى جانب التأهيل العلمي والتدريب المتخصص للمحققين، والعمل ضمن منظومة متكاملة تضمن جودة ودقة النتائج.
وأشارت د.ياسمين أحمد إلى أن “وحدة التحقق والمصادقة البيئية (EVVU)” بهيئة الطاقة الذرية المصرية نافذة وطنية متخصصة تهدف إلى إضفاء المصداقية والشفافية على التقارير البيئية والمناخية، وتلعب دوراً تقنياً رئيسياً في دعم جهود الاستدامة والتحول الأخضر وفقاً لأرقى المعايير الدولية.
كما أكدن أن هذه الوحدة تمثل نقلة فنية تعكس كفاءة وخبرة العقول المصرية داخل الهيئة في التعامل مع قضايا البيئة المعاصرة.
كما لفتت الدكتورة ياسمين أحمد إلى أن مجال التحقق والمصادقة البيئية يفتح آفاقًا مهنية واعدة، خاصة مع تزايد الطلب على الكفاءات المؤهلة في هذا القطاع، مشددة على أهمية بناء القدرات من خلال التدريب المستمر، واكتساب المهارات المرتبطة بإعداد التقارير ومراجعتها وتحليلها.

أن هذا الملف تحول إلى ضرورة اقتصادية قومية تبنى عليها القرارات الاستراتيجية للدولة والمؤسسات، بهدف الوصول إلى تقارير معتمدة تمنح المنتجات الوطنية القدرة على المنافسة بثقة في الأسواق الدولية.
وأوضحت الدكتورة أن الاعتماد الدولي للتقارير البيئية يكتسب أهمية مضاعفة بالتزامن مع التوجهات العالمية الصارمة، وعلى رأسها آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM).
وأشارت إلى أن مراجعة البيانات بدقة وتأكيد موثوقيتها عبر جهات متخصصية مستقلة، أصبح شرطاً أساسياً وضمانة حقيقية لنفاذ الصادرات المصرية إلى الخارج وتأكيد التزامها بالمعايير البيئية العالمية.
واستعرضت مديرة الوحدة ركائز نجاح المنظومة، وحددتها في الاستقلالية التامة لتجنب تضارب المصالح، والتدريب المكثف لكون التحقق علماً تخصصياً دقيقاً.
كما شددت على أن العمل البيئي ليس جهداً فردياً بل منظومة مؤسسية متكاملة، مشيدة بالتناغم والانسجام الكبير داخل فريق عملها بوحدة التحقق بهيئة الطاقة الذرية، ومؤكدة أن العمل الجماعي المشترك والتفاهم هما الركيزة الأساسية لتحقيق الأهداف المستدامة.
وفي الجانب العلمي، أشارت الدكتورة ياسمين إلى أن “البصمة الكربونية” هي المؤشر المعياري الأدق الذي وضعه العلماء لقياس حجم الاحتباس الحراري بدقة، وبناء خطط خفض الانبعاثات على أرقام فعلية لا تقديرات جزافية.
واختتمت الجلسة برؤية استشرافية لعام 2036، لخصتها في “الوعي والتطبيق”، معربة عن أملها في انتقال العمل المناخي بالكامل من مرحلة صياغة الاستراتيجيات إلى تطبيق الأفكار والمشروعات على أرض الواقع.

تقييم واعتماد وحدة التحقق والمصادقة البيئية
وكان المجلس الوطني للاعتماد (EGAC) وقع الشهر الماضي اتفاقية تعاون مع هيئة الطاقة الذرية المصرية، تهدف إلى تقييم واعتماد وحدة التحقق والمصادقة البيئية، وفقًا للمواصفات والمعايير الدولية ذات الصلة.
ويأتي هذا التعاون في إطار دعم البنية التحتية للجودة في مصر، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية على تطبيق أفضل الممارسات العالمية في مجالات قياس الانبعاثات الكربونية والتحقق منها، بما يتماشى مع التوجهات الدولية نحو التحول الأخضر.

تأسيس هذه الوحدة كإضافة نوعية تدعم توجه الدولة المصرية نحو الاستدامة والاقتصاد الأخضر. وتعكس هذه المبادرة إيمان الهيئة العميق بدور الابتكار العلمي في صياغة مستقبل بيئي آمن، فضلاً عن رفع جاهزية الكوادر الوطنية لمواكبة التحولات العالمية في ملفات المناخ والتنمية المستدامة.
وأكد المجلس الوطني للاعتماد أن التوسع في مجالات الاعتماد البيئي يمثل أحد المحاور الاستراتيجية خلال المرحلة الحالية، خاصة في ظل تزايد متطلبات الأسواق العالمية المتعلقة بالحوكمة البيئية وتقارير الاستدامة، والتي أصبحت شرطًا أساسيًا لدخول العديد من الأسواق والحفاظ على تنافسية الصادرات.
من جانبها، أكدت هيئة الطاقة الذرية المصرية التزامها بتطوير قدراتها الفنية والمؤسسية في مجالات التحقق البيئي، والاستفادة من الخبرات الوطنية المتخصصة، بما يدعم دورها في تقديم خدمات فنية متقدمة تتوافق مع المعايير الدولية.






