النفط وصناعة الرأسمالية.. كيف غيّر الوقود الأسود شكل الاقتصاد العالمي؟
صدمات النفط والتحولات الكبرى.. قراءة في تاريخ اقتصاد الوقود الأحفوري.. تاريخ القوة والهيمنة
لم يكن النفط مجرد مورد طبيعي يُستخدم لتشغيل المصانع أو وسائل النقل، بل كان – ولا يزال – أحد الأعمدة المركزية التي بُني عليها النظام الرأسمالي العالمي الحديث.
وقد كشفت التطورات الجيوسياسية في النصف الأول من عام 2026، خصوصًا في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، عن مدى هشاشة الاقتصاد العالمي أمام تقلبات أسعار النفط، مؤكدة من جديد أن هذا المورد يمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية على مستوى العالم.
في هذا السياق، يقدّم كتاب «الرأسمالية النفطية: النفط وقوة الشركات وصناعة السوق العالمية» للاقتصادي السياسي آدم هانيه قراءة تاريخية تحليلية عميقة تتجاوز السرديات التقليدية التي تنظر إلى النفط بوصفه مجرد سلعة استراتيجية، ليكشف عن كونه نتاجًا مباشرًا لتطورات الرأسمالية ذاتها، وأحد أهم أدواتها في التوسع والهيمنة.

النفط والرأسمالية: علاقة بنيوية لا عرضية
ينطلق هانيه من نقد جذري للرؤية السائدة التي تمنح النفط قوة “ذاتية”، وكأنه عامل مستقل عن النظام الاقتصادي.
وعلى العكس، يؤكد أن مركزية النفط في الاقتصاد العالمي لم تكن حتمية طبيعية، بل نتيجة مباشرة لخصائص الرأسمالية، مثل السعي المستمر إلى التراكم، وتسريع الإنتاج والاستهلاك، والتوسع في الميكنة، وهي عوامل جعلت من النفط المصدر الأمثل للطاقة بسبب كثافته وسهولة نقله وتخزينه.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم تاريخ النفط بمعزل عن تاريخ الرأسمالية، بل إن النفط كان أداة رئيسية في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، من خلال ربط الإنتاج الصناعي بالأسواق العالمية، وتسريع حركة السلع ورأس المال، وتوسيع نطاق العولمة الاقتصادية.
ستاندرد أويل: نموذج الهيمنة الرأسمالية
شكّلت شركة «ستاندرد أويل»، التي أسسها جون دي روكفلر في أواخر القرن التاسع عشر، نقطة تحول مفصلية في تاريخ صناعة النفط.
لم يكن نجاح الشركة قائمًا فقط على إنتاج النفط، بل على نموذج تنظيمي متكامل يقوم على “التكامل الرأسي”، حيث سيطرت على جميع حلقات سلسلة القيمة: من الاستخراج والتكرير، إلى النقل والتخزين والتوزيع والتمويل.
هذا النموذج منح الشركة قدرة غير مسبوقة على التحكم في السوق، وخفض التكاليف، وإقصاء المنافسين، وهو ما أصبح لاحقًا النموذج المهيمن في الصناعة النفطية العالمية.
كما ارتبط صعود هذه الشركات بتطورات أوسع في بنية الرأسمالية الأمريكية، بما في ذلك القوانين الضريبية، والنظام المصرفي، وأسواق المال، ودور الدولة في دعم الشركات الكبرى.

النفط والاستعمار: الشرق الأوسط في قلب الصراع
مع مطلع القرن العشرين، انتقل مركز الثقل في صناعة النفط إلى الشرق الأوسط، حيث ارتبطت عمليات الاستخراج بشكل وثيق بالمشروعات الاستعمارية.
وتُعد شركة النفط الأنجلو-فارسية (التي تأسست عام 1908) نموذجًا واضحًا لهذا الترابط، إذ اعتمدت على امتيازات طويلة الأجل مدعومة بالقوة الإمبريالية البريطانية، بهدف تأمين إمدادات الطاقة للإمبراطورية، خاصة للبحرية الملكية.
أدى هذا النموذج إلى فرض سيطرة الشركات الأجنبية على الموارد النفطية والبنية التحتية والأسعار، ما جعل النفط محورًا رئيسيًا للصراع على السيادة في دول المنطقة.
ومع تصاعد الحركات الوطنية، ظهرت مطالب متزايدة بالتحكم في الموارد، بلغت ذروتها في عمليات التأميم، مثل تجربة إيران عام 1951 بقيادة محمد مصدق.
كارتلات النفط وتقسيم العالم
برزت خلال هذه المرحلة شبكات معقدة من التحالفات بين الشركات الكبرى والدول الاستعمارية، كان من أبرزها اتفاق “الخط الأحمر” عام 1928، الذي مثّل لحظة مفصلية في “كارتلة” صناعة النفط العالمية، حيث اتفقت الشركات الكبرى على تقاسم مناطق النفوذ ومنع المنافسة فيما بينها داخل أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة.
وقد لعب شخصيات مثل كالوست كولبنكيان دور الوسيط بين هذه القوى، ما يعكس كيف تشكّلت الصناعة النفطية من خلال تداخل المصالح بين رأس المال، والدبلوماسية، والإمبراطوريات.

صدمة 1973: لحظة التحول الكبرى
مثّلت أزمة النفط عام 1973 نقطة تحول تاريخية في النظام الاقتصادي العالمي، إذ أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل غير مسبوق نتيجة الحظر الذي فرضته بعض الدول العربية.
وكشفت هذه الأزمة عن نهاية هيمنة الشركات الغربية الكبرى (المعروفة بـ«الأخوات السبع») وبداية صعود الدول المنتجة، خاصة في إطار منظمة «أوبك».
غير أن الأثر الأعمق لهذه الأزمة تمثل في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، حيث أدت العائدات النفطية الضخمة إلى تدفقات مالية هائلة نحو البنوك والأسواق الغربية، فيما عُرف بـ«إعادة تدوير البترودولار».
وقد ساهم ذلك في تعزيز هيمنة الدولار الأمريكي، وترسيخ دور المؤسسات المالية الغربية في الاقتصاد العالمي.
كما لعبت العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية دورًا محوريًا في هذا السياق، حيث تم ربط النفط بالدولار، مقابل ضمانات أمنية وعسكرية، ما أدى إلى تكريس ترابط وثيق بين الطاقة والمال والقوة العسكرية.

النفط بعد الاستخراج: من الوقود إلى النظام المالي
لا يقتصر دور النفط على كونه مصدرًا للطاقة، بل يمتد ليشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد، خاصة الصناعات البتروكيماوية، مثل البلاستيك والأسمدة والألياف الصناعية.
كما أصبح النفط جزءًا لا يتجزأ من النظام المالي العالمي، من خلال الاستثمارات، وأسواق العقود الآجلة، والأدوات المالية المرتبطة بالطاقة.
وهذا يعني أن النفط لا يُستخدم فقط في تشغيل الاقتصاد، بل في تشكيل بنيته نفسها، من الإنتاج الصناعي إلى الأسواق المالية.
نقد “صفر الانبعاثات”: وهم الحلول التقنية
في سياق أزمة المناخ، ينتقد هانيه بشدة مفهوم “صفر الانبعاثات الصافية”، معتبرًا أنه يقدّم الأزمة باعتبارها مشكلة تقنية يمكن حلها عبر أدوات محاسبية، بدلًا من كونها أزمة بنيوية ناتجة عن طبيعة النظام الرأسمالي.
ويشير إلى أن هذا المفهوم يسمح باستمرار استخراج النفط والغاز، طالما يتم “تعويض” الانبعاثات عبر وسائل مثل احتجاز الكربون أو مشاريع التعويض البيئي.
غير أن هذه الحلول، في كثير من الحالات، تفتقر إلى الفعالية، بل قد تُستخدم لتبرير استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما أن بعض هذه المشاريع، خاصة في الدول النامية، ارتبطت بمشكلات اجتماعية، مثل نزع الأراضي، أو الاعتماد على تقديرات غير دقيقة للانبعاثات، ما يثير تساؤلات حول عدالتها وجدواها.

خلاصة: النفط كمرآة للرأسمالية
تكشف هذه القراءة التاريخية أن النفط لم يكن مجرد مورد استراتيجي، بل كان مرآة تعكس تطور النظام الرأسمالي ذاته، من الاستعمار إلى العولمة، ومن الاحتكار إلى المالية المعولمة.
كما يوضح أن أي محاولة لمعالجة أزمة المناخ أو إعادة تشكيل النظام الطاقي العالمي، لا يمكن أن تنجح دون فهم عميق للعلاقة البنيوية بين النفط والرأسمالية.
وبينما يتجه العالم نحو التحول الطاقي، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تجاوز هذا الإرث التاريخي، أم أن النفط سيظل – بشكل أو بآخر – محركًا خفيًا للرأسمالية العالمية؟





