تراجع النحل والحشرات الملقحة يضع سلاسل الغذاء تحت الخطر ويهدد الزراعة
النحل ليس وحده.. اختفاء الحشرات الملقحة يهدد المحاصيل والاقتصادات الأوروبية
حذر تقرير علمي أوروبي جديد من أن التراجع المتسارع في أعداد الملقحات البرية، بما في ذلك النحل والفراشات والعث والخنافس والذباب الملقح، بات يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والاقتصاد والتنوع البيولوجي في أوروبا، داعيًا إلى تحرك عاجل لإصلاح السياسات الزراعية والبيئية ووضع حماية الملقحات في صدارة الأولويات الحكومية.
وأعد التقرير، الذي جاء في صورة “ورقة بيضاء” بمشاركة 135 باحثًا من تخصصات علمية مختلفة، ثمانية اتحادات بحثية ممولة من الاتحاد الأوروبي، حيث خلص إلى أن استمرار تراجع الملقحات البرية قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة النطاق في إنتاج الغذاء وسلاسل التوريد والأنظمة البيئية التي تعتمد عليها المجتمعات البشرية.
الملقحات.. حجر الأساس للأمن الغذائي

تلعب الملقحات البرية دورًا حيويًا في تلقيح آلاف الأنواع النباتية والمحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها الإنسان في غذائه اليومي. وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المحاصيل الغذائية في العالم تعتمد بشكل كلي أو جزئي على خدمات التلقيح التي توفرها الحشرات.
لكن التقرير يؤكد أن أهمية الملقحات تتجاوز إنتاج العسل أو دعم بعض المحاصيل الزراعية، إذ ترتبط بشكل مباشر باستدامة العديد من القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك النباتات الطبية والمكملات الغذائية والمحاصيل المستخدمة في إنتاج الطاقة الحيوية والألياف والمنسوجات والأعلاف ومستحضرات التجميل والسياحة البيئية.
وأوضح الباحثون أن فقدان الملقحات لا يعني فقط انخفاض إنتاج بعض المحاصيل، بل قد يهدد استقرار النظم البيئية بأكملها، ما ينعكس على الأمن الغذائي والاقتصاد وصحة الإنسان.
أزمة تتجاوز حدود البيئة
ويرى التقرير أن أزمة الملقحات ليست مجرد مشكلة بيئية، بل هي انعكاس لعلاقة غير متوازنة بين الإنسان والطبيعة، حيث يتم التعامل مع الموارد الطبيعية باعتبارها أدوات للإنتاج والاستهلاك بدلاً من اعتبارها أنظمة حيوية مترابطة يعتمد عليها بقاء البشر أنفسهم.
وأشار الباحثون إلى أن هذا النهج أدى إلى انتشار ممارسات زراعية غير مستدامة أسهمت في تدهور الموائل الطبيعية للحشرات الملقحة، فضلاً عن زيادة استخدام المبيدات الكيميائية وتراجع التنوع النباتي في المناطق الزراعية.
السياسات المتفرقة تعيق الحلول
وحدد التقرير ما وصفه بـ”فشل الحوكمة” باعتباره أحد أبرز أسباب استمرار أزمة الملقحات في أوروبا.
فالمسؤوليات المتعلقة بحماية الملقحات موزعة بين قطاعات متعددة تشمل الزراعة والبيئة والمواد الكيميائية والتجارة والتخطيط العمراني، دون وجود تنسيق فعّال بينها.
ويؤدي هذا التشتت المؤسسي إلى تعارض السياسات أحيانًا، حيث قد تعمل جهة ما على حماية التنوع البيولوجي بينما تتبنى جهة أخرى سياسات زراعية أو تجارية تؤدي إلى تدهور الموائل الطبيعية للحشرات الملقحة.
وأكد التقرير أن إنقاذ الملقحات يتطلب نهجًا متكاملًا يجعل حمايتها هدفًا واضحًا وقابلًا للقياس في جميع السياسات المرتبطة باستخدام الأراضي والزراعة وإدارة الموارد الطبيعية.
نقص المعرفة يفاقم المشكلة

ومن النقاط اللافتة التي تناولها التقرير وجود فجوة معرفية كبيرة لدى كثير من المزارعين ومديري الأراضي وصناع القرار بشأن الاحتياجات الحقيقية للملقحات البرية.
وأوضح الباحثون أن العديد من المزارعين يزرعون شرائط من الأزهار البرية على أطراف الحقول لدعم الحشرات الملقحة، لكن القليل منهم يدرك أن بعض أنواع العث الليلي والذباب الملقح والخنافس تحتاج أيضًا إلى نباتات مضيفة لتغذية يرقاتها، وليس فقط إلى الأزهار.
وأشار التقرير إلى أن معظم الخلطات النباتية المستخدمة حاليًا في برامج دعم الملقحات لا توفر هذه المتطلبات البيئية الأساسية، ما يحد من فعاليتها في حماية التنوع الحيوي.
دعوة إلى تعزيز الثقافة البيئية
ودعا معدو التقرير إلى إدراج مفهوم “الثقافة البيئية” ضمن برامج التعليم والتدريب المهني للعاملين في القطاعات المؤثرة على الملقحات، بما في ذلك الزراعة والتخطيط العمراني وإدارة الأراضي.
وأكد الباحثون أن الإدارة الفعالة للموائل الطبيعية لا يمكن أن تتحقق دون فهم عميق للعلاقات البيئية المعقدة التي تربط النباتات والحشرات والأنشطة البشرية.
خارطة طريق لإنقاذ الملقحات
واختتم التقرير بتقديم 15 توصية عملية تستند إلى الأدلة العلمية، تهدف إلى وقف تراجع الملقحات البرية واستعادة أعدادها في أوروبا.
وتشمل هذه التوصيات إصلاح السياسات الزراعية، وتعزيز استعادة الموائل الطبيعية، وتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية الضارة، وتحسين التنسيق بين القطاعات الحكومية المختلفة، وزيادة الاستثمارات في البحث العلمي والتوعية البيئية.
وأكد الباحثون أن الحلول الجزئية لن تكون كافية لمواجهة الأزمة، مشددين على ضرورة معالجة الأسباب الهيكلية التي أدت إلى تدهور أعداد الملقحات، وفي مقدمتها تعارض المصالح بين أهداف الإنتاج الزراعي قصيرة الأجل والحاجة إلى الحفاظ على الخدمات البيئية طويلة الأجل.
مستقبل الغذاء على المحك
ويرى التقرير أن أوروبا تمتلك المعرفة العلمية والإمكانات المؤسسية اللازمة لحماية الملقحات البرية، لكن نجاح هذه الجهود سيعتمد على مدى قدرة الحكومات على تنفيذ إصلاحات جذرية وتبني سياسات متكاملة تعترف بالدور الحيوي لهذه الكائنات الصغيرة في دعم الأمن الغذائي واستدامة النظم البيئية.
وحذر الباحثون من أن استمرار تراجع الملقحات البرية قد يحول أزمة التنوع البيولوجي الحالية إلى أزمة غذائية واقتصادية أوسع نطاقًا، مؤكدين أن حماية الملقحات لم تعد قضية بيئية هامشية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.





