مدارس بريطانيا تتحول إلى «مصائد حرارية».. فصول بلا تهوية وساحات تتجاوز 60 درجة
من الفصول إلى الملاعب.. كيف تحولت مدارس المملكة المتحدة إلى أفران مفتوحة؟
سلّطت موجة الحر الشديدة التي تضرب المملكة المتحدة الضوء على ضعف قدرة المدارس على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، بعدما سجلت بعض الفصول أكثر من 40 درجة مئوية، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا القصور.
تعاني العديد من المدارس الحديثة من الإفراط في استخدام الزجاج، مقابل نقص واضح في وسائل التظليل والتهوية، ما يسمح بتسرب حرارة الشمس إلى الداخل. ويعود هذا التصميم إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كان التركيز على إدخال الضوء الطبيعي إلى المباني بعد تأسيس هيئة الخدمات الصحية الوطنية عام 1948.
كما تحتوي النوافذ في كثير من المدارس على محددات تمنع فتحها بشكل كامل، أو حتى جزئيًا في بعض الحالات، بدافع السلامة، ما يحد من تدفق الهواء. وتضم بعض المدارس أفنية زجاجية داخلية (أتريوم)، وهي سمة شائعة في المباني التي أُنشئت ضمن برنامج «بناء مدارس للمستقبل» في أوائل الألفية، لكنها اليوم تُشبه البيوت الزجاجية الحارة.
ولا تقتصر المشكلة على المباني الحديثة، إذ تعاني المدارس الفيكتورية أيضًا من ارتفاع الحرارة، ليس بسبب سوء تصميمها الأصلي، بل نتيجة إزالة عناصر التبريد الطبيعي التي كانت تعتمد عليها، مثل التهوية المتقاطعة والنوافذ الطويلة التي تُفتح من الأعلى والأسفل، إضافة إلى الستائر الخارجية والمظلات التي كانت تحجب أشعة الشمس.

ومع إزالة هذه العناصر أو إغلاق النوافذ بالطلاء، أصبحت الفصول أكثر عرضة للاحتباس الحراري. ويزيد الأمر سوءًا استخدام الزجاج الأحادي، الذي يسمح بدخول حرارة أعلى بنسبة تصل إلى 37% مقارنة بالزجاج المزدوج، إلى جانب أنظمة التدفئة القديمة وأنابيب المياه غير المعزولة التي تُشع حرارة داخل الفصول.
ولا تقل الساحات المدرسية خطورة، إذ إن معظمها مغطى بطبقات الأسفلت الخالية من الأشجار، ما يحولها إلى «مشعات حرارية» تمتص الحرارة طوال اليوم وتحتفظ بها. ويمكن أن تصل درجات حرارة هذه الأسطح إلى 60 درجة مئوية خلال موجات الحر، ما يجعل اللعب في الهواء الطلق غير آمن في بعض الأحيان.

وتكشف البيانات حجم الأزمة، حيث أفادت 68% من المدارس في إنجلترا بحدوث حالات ارتفاع حرارة داخلية، وصنّف أكثر من ربعها الوضع بأنه «خطير». ويشير المعلمون إلى حالات إغماء وقيء بين الطلاب بسبب الحر، إلى جانب إغلاق مدارس وإلغاء امتحانات، ما يؤدي إلى فقدان وقت تعليمي مهم.

كما تؤثر الحرارة المرتفعة سلبًا على الأداء الذهني، إذ تزيد من زمن إنجاز المهام وترفع معدلات الأخطاء، ما ينعكس على نتائج الطلاب.
ولا تقتصر التحديات المناخية على الحرارة فقط، إذ تواجه المدارس أيضًا مخاطر الفيضانات ونقص المياه وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة خلال السنوات المقبلة.
ورغم ذلك، توجد حلول سريعة يمكن تطبيقها، مثل تظليل النوافذ من الخارج، وهو أكثر فعالية من التظليل الداخلي، أو استخدام وسائل بسيطة لتقليل امتصاص الحرارة.
كما يمكن التحكم في فتح النوافذ وفق درجات الحرارة، إذ يُنصح بإغلاقها خلال النهار عندما تكون الحرارة خارج المبنى أعلى، وفتحها ليلًا أو في الصباح الباكر لتبديد الحرارة المتراكمة.

وتُعد التهوية الرأسية والتهوية المتقاطعة من الأساليب الفعالة لتبريد المباني، من خلال فتح النوافذ في جهات متقابلة والسماح بتدفق الهواء.
وفي المقابل، أظهرت بعض المدارس التي استثمرت في زراعة الأشجار وتطوير مساحات خارجية صديقة للبيئة نتائج إيجابية، حيث ساهمت هذه الإجراءات في تحسين الراحة الحرارية، إلى جانب تعزيز التنوع البيولوجي ورفاهية الطلاب.
لكن التحدي يتجاوز الحلول المؤقتة، إذ يتطلب استثمارات واسعة وخطة وطنية شاملة لتحديث البنية التحتية التعليمية، بما يضمن توفير بيئة تعليمية آمنة وصحية في ظل تغير المناخ.






