ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبار

بعد 40 عامًا من البحث.. العلماء يكشفون الموطن الأصلي للقطن الحديث

العلماء يتتبعون شجرة عائلة القطن ويحددون مكان نشأته لأول مرة

كشفت دراسة علمية جديدة عن الموطن الأصلي للقطن الحديث، أحد أهم المحاصيل الزراعية والصناعية في العالم، بعد عقود طويلة من البحث والتحليل الوراثي، مؤكدة أن شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك كانت نقطة البداية التي شهدت تدجين القطن قبل نحو 5000 عام.

ويُعد القطن من أكثر المواد الطبيعية استخدامًا حول العالم، إذ يدخل في صناعة الملابس والمفروشات والمستلزمات الطبية والعديد من المنتجات الصناعية. إلا أن القطن الذي نعرفه اليوم يختلف كثيرًا عن أسلافه البرية، التي كانت تنتج لوزات أصغر حجمًا وأليافًا أقصر وأكثر قتامة.

واعتمد الباحثون في الدراسة على عينات جديدة من القطن البري، إلى جانب تقنيات متقدمة لتحليل الجينوم، ما أتاح لهم تتبع الأصول الوراثية للقطن المزروع حاليًا بدقة غير مسبوقة. وأظهرت النتائج أن مجموعة متنوعة من نباتات القطن البرية في شمال غرب شبه جزيرة يوكاتان تمثل المصدر الذي انحدرت منه أصناف القطن الحديثة.

وقد نُشرت نتائج الدراسة كاملة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences العلمية.

القطن
القطن

وقال جوناثان ويندل، أستاذ علم البيئة والتطور وعلم الأحياء العضوية بجامعة ولاية أيوا الأمريكية، إن حل هذا اللغز العلمي استغرق نحو أربعة عقود من العمل المتواصل، موضحًا: “هذا هو عامي الأربعون في العمل الأكاديمي، وقد جئت إلى الجامعة وأنا أحمل هذا المشروع في ذهني. احتجنا إلى 40 عامًا لتطوير الأدوات والموارد والتقنيات اللازمة للوصول إلى الإجابة”.

وكان العلماء يشتبهون منذ سنوات في أن شبه جزيرة يوكاتان تمثل الموطن الأصلي للقطن المستأنس، إلا أن الأدلة المتاحة سابقًا لم تكن كافية لحسم القضية بشكل نهائي.

ومع التطور السريع في تقنيات تسلسل الجينوم وانخفاض تكلفتها، أصبح بإمكان الباحثين مقارنة مئات الجينومات النباتية بتفاصيل دقيقة للغاية. غير أن التحدي الأكبر تمثل في العثور على عدد كافٍ من النباتات البرية لدراستها.

ولهذا الغرض، أمضى ويندل سنوات طويلة في جمع العينات من المحميات الطبيعية ومجموعات النباتات المحفوظة في المعشبات العلمية بمناطق مختلفة من البحر الكاريبي وخارجه، إلى جانب تنفيذ مسوحات ميدانية واسعة في مواقع انتشار القطن البري داخل يوكاتان.

وقادت كورين جروفر، الباحثة العلمية بجامعة ولاية أيوا، جانبًا كبيرًا من عمليات التسلسل الجيني وتحليل البيانات، مؤكدة أن النتائج كانت واضحة بمجرد اكتمال جمع العينات وتحليلها، حيث أشارت جميع الأدلة إلى منطقة شمال غرب يوكاتان باعتبارها الموطن الأصلي للقطن الحديث.

القطن

واعتمد الباحثون على عدة أساليب للمقارنة بين الجينومات، شملت قياس الاختلافات الوراثية وتحديد مدى القرابة بين المجموعات النباتية المختلفة. وجاءت جميع النتائج متسقة في الإشارة إلى المنطقة نفسها، حيث يُعتقد أن تدجين القطن بدأ هناك منذ نحو خمسة آلاف عام.

وبعد انتقال القطن إلى مناطق أخرى من العالم، برز نوع واحد تفوق على غيره، وهو النوع المكسيكي المعروف علميًا باسم Gossypium hirsutum أو “القطن المرتفع”. ويُنتج هذا النوع حاليًا نحو 90% من إجمالي القطن المزروع عالميًا.

ورغم أن أنواعًا أخرى من القطن جرى تدجينها بشكل مستقل في أمريكا الجنوبية وأفريقيا والهند، فإن القطن المكسيكي استطاع بمرور الوقت أن يصبح المصدر الرئيسي للألياف الطبيعية المستخدمة في صناعة المنسوجات حول العالم.

وأظهرت الدراسة أن هذا النجاح لم يكن نتيجة تغيرات جينية كبيرة ومفاجئة، بل جاء نتيجة آلاف السنين من الانتخاب الزراعي التدريجي، حيث اختار المزارعون النباتات التي تمتلك صفات مرغوبة مثل زيادة حجم اللوزات وتحسين جودة الألياف.

لكن هذا الانتخاب المستمر أدى أيضًا إلى تضييق القاعدة الوراثية للمحصول. فعندما يختار الإنسان عددًا محدودًا من النباتات للتكاثر على مدى أجيال طويلة، تختفي العديد من الصفات الوراثية الأخرى من السلالة المزروعة.

وأشار الباحثون إلى أن نباتات القطن البرية في شمال غرب يوكاتان ما زالت تحتفظ بمستوى مرتفع من التنوع الجيني. ووجدوا أن نباتين بريين يتم اختيارهما عشوائيًا من تلك المنطقة يحتويان في المتوسط على ضعف حجم الاختلافات الوراثية الموجودة بين صنفين حديثين من القطن المزروع.

ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية كبيرة في ظل التحديات الزراعية المتزايدة المرتبطة بالتغير المناخي وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض النباتية وتدهور التربة. فالكثير من الصفات الوراثية التي فقدها القطن المزروع قد تكون ما زالت موجودة لدى المجموعات البرية.

القطن

كما لاحظ العلماء أن نباتات القطن البرية تبدو في كثير من الأحيان أكثر قدرة على التكيف والبقاء مقارنة بالنباتات المستأنسة، رغم إنتاجها لألياف أقل جودة من الناحية التجارية.

ويرى الباحثون أن هذه الجينات البرية قد توفر مستقبلًا حلولًا مهمة لتطوير أصناف جديدة أكثر مقاومة للجفاف والأمراض والملوحة والظروف البيئية القاسية، بما يساعد على تعزيز استدامة إنتاج القطن عالميًا.

وتفتح الدراسة آفاقًا جديدة أمام برامج تحسين المحاصيل الزراعية، إذ إن فهم أصول القطن ومساره التطوري قد يساعد العلماء على استعادة بعض الموارد الوراثية المفقودة، وبناء أصناف أكثر قوة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة