«الحضارة البنفسجية القادمة».. دعوة للتصالح بين الإنسان والبيئة بدلًا من الصراع بينهما
عبدالقادر الهواري: تأخر الشراكة بين وزارات الثقافة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا «موت بطيء»
صدر حديثًا عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع كتاب «الحضارة البنفسجية القادمة: الثقافة والتراث بعد تبدل المناخ والبيئة»، من تأليف الدكتور عبدالقادر الهواري، ويتناول الكتاب رؤى وحلولًا للتعامل مع التحولات البيئية والمناخية من خلال مفهومي الحضارتين البنفسجية والبرتقالية المستدامتين، بدلًا من التعلق بمستويات ما قبل الثورات الصناعية، أو السعي إلى إعادة الطبيعة إلى الماضي، والتعامل مع قضايا التصفير والبصمة الكربونية وزراعة الأشجار باعتبارها حلولًا منفردة.
ويرى مؤلف الكتاب أن هذه المقاربات قد تمثل تبسيطًا لقضايا مركبة ومكلفة، وقد تؤدي، في بعض الحالات، إلى زيادة الأضرار والتكاليف على المستويات البشرية والإيكولوجية والثقافية والتراثية والحضارية.
الثقافة والإبداع في مواجهة التغيرات المناخية
ويقول الدكتور عبدالقادر الهواري، مؤلف الكتاب، إن الكتاب يطرح مفهوم الثقافة والإبداع والتحضر البنفسجي والبرتقالي، الغني بالقيم الإيكولوجية والمناخية التي تعكس عادات المجتمع وتقاليده ومعتقداته.
وأوضح أن هذه العناصر ترتبط بمجموعة من العوامل التي جعلت الإنسان يتكيف مع إيكولوجيا المكان وطبيعته، ويستحدث ويطور ثقافته وأنماط حياته بما يتناسب مع البيئة المحيطة به.
ومن أبرز هذه العوامل، وفقًا للهواري، العوامل الإيكولوجية والمناخية وتغيراتها، إلى جانب الإرث الحضاري والثقافي للإنسان، وحياته الاجتماعية والاقتصادية.
ويرى مؤلف الكتاب أن هذا النهج قد يكون أكثر ملاءمة من الاقتصار على التحضر الأخضر والتقني والاقتصاد العالمي بصورته الحالية، موضحًا أنه كلما تمتعت دول العالم بتاريخ ثقافي وحضاري طويل، اتسمت ثقافة كل مجتمع بالعراقة والثراء والتنوع والخصوصية التي تميزه عن غيره من المجتمعات.
ومن هنا، يؤكد الهواري أهمية التعاون والتكامل بين أشكال الثقافة وتعبيراتها المختلفة، بما يشمل المباني السكنية والملابس والأدوات والتقنيات المستخدمة في الحياة اليومية.

تغير المناخ يعيد تشكيل مفهوم الفصول
ويضيف الدكتور عبدالقادر الهواري أن التغيرات البيئية والمناخية خلال القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين لن تحقق بالضرورة عودة درجات حرارة الأرض إلى مستويات ما قبل الثورة الصناعية، معتبرًا أن الوصول إلى هذه المستويات أصبح أمرًا شبه مستحيل ومكلفًا على المستويات البشرية والإيكولوجية والثقافية.
وينتقد الهواري التعامل مع شراء الأراضي وزراعة الأشجار باعتبارهما حلًا مبسطًا لقضايا مناخية وبيئية شديدة التعقيد، مشيرًا إلى أن بعض هذه الإجراءات قد تترتب عليها أضرار تفوق المنافع إذا لم تتم ضمن رؤية متكاملة.
كما يشير إلى أن التغيرات البيئية والمناخية المستقبلية قد تحدث بوتيرة أسرع من التغيرات التي شهدها الماضي، بالتزامن مع تغيرات في استخدام الأراضي وانتشار الأنواع الغريبة الغازية.
وفي هذا السياق، يرى الهواري أن العالم بدأ بالفعل في التحول نحو ما يسميه «الحضارة البنفسجية»، الأمر الذي يستدعي، بحسب رؤيته، إعادة النظر في مفهوم الفصول الأربعة.
ويطرح مؤلف الكتاب تصورًا بأن بعض المناطق التي اعتادت وجود أربعة فصول قد تتحول إلى مناطق يغلب عليها موسمان فقط، نتيجة تغير أنماط الطقس ودرجات الحرارة.
ويستشهد في هذا السياق بما يحدث في مناطق من الولايات المتحدة، حيث ينتقل الطقس من البرودة الشتوية إلى درجات حرارة ربيعية أكثر دفئًا في وقت أبكر مما كان عليه في الماضي، بينما أصبحت فترة الطقس الشتوي أقصر وأكثر اعتدالًا بصورة عامة.
ويرى أن هذه التحولات تستدعي إعادة التفكير في توقيت الفصول ومددها، في ظل التغيرات التي طرأت على أنماط الطقس والمناخ.
الاستدامة قضية ثقافية وليست تقنية فقط
ويؤكد الهواري أن النمو المستدام في جوهره قضية ثقافية، تتطلب فهم الإمكانات التي وفرتها الثقافة لمفهوم المدينة والحي والقرية، وهي أنماط عمرانية واجتماعية تعكس العادات والتقاليد الثقافية التي نشأت في كثير من الأحيان على أساس الاستدامة وحسن استخدام الموارد والمواد.
وأوضح أن هذه الأنماط عكست احتياجات الناس والمجتمعات المحلية، وجعلتها أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الثقافية والبيئية والمناخية.
ويشير إلى أن التراث الثقافي يمثل مثالًا واضحًا على ذلك، باعتباره يحمل قيمة حضارية ويشكل بُعدًا محليًا للثقافة، شارك أفراد المجتمع في تشكيله والحفاظ عليه بوعي عبر أجيال متعاقبة.
من الابتكار التقني إلى العودة للمحلي
ويرى الدكتور عبدالقادر الهواري أن الابتكار أصبح في كثير من الأحيان مسألة تقنية تستهدف خلق أسواق ومشترين جدد، وهو ما يدفعه إلى الدعوة لانتقال المجتمعات من النموذج العالمي إلى التركيز بصورة أكبر على المستوى المحلي.
ويقول إن المجتمعات بحاجة إلى استعادة قدرتها على بناء أنماط حياة ومجتمعات مرتبطة ببيئتها ومناخها، وقادرة على التكيف مع التغيير ومدركة لأهمية دورها في الحد من الآثار البيئية والمناخية.
ويولي الهواري اهتمامًا خاصًا بالشباب، في ظل ما يراه من تزايد وعيهم بقضايا التغيرات البيئية والمناخية.
شراكة بين الثقافة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا
ومن هنا، يؤكد مؤلف الكتاب أهمية تأسيس شراكة بين وزارات البيئة والثقافة والإعلام والتعليم والصناعة والتكنولوجيا، باعتبارها أطرافًا رئيسية في بناء وعي مجتمعي بقضايا البيئة والمناخ والتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ويرى أن هذه الشراكة يمكن أن تسهم في تطوير سياسات النمو الحضري والثقافي المستدام، باعتبار الاستدامة جزءًا من هوية المجتمع وليست مجرد مجموعة من الإجراءات التقنية.
ويحذر الهواري من أن تأخر هذه الشراكة بين القطاعات المختلفة يمثل، بحسب تعبيره، «موتًا بطيئًا»، في ظل الحاجة إلى تكامل الجهود لمواجهة التغيرات البيئية والمناخية.
إعادة التصالح بين الإنسان والبيئة
ويقول الدكتور عبدالقادر الهواري إن تطور الثقافة والمعرفة والتكنولوجيا أسهم في انتقال المجتمعات من مرحلة إلى أخرى، إلا أن هذا التطور صاحبه في الوقت نفسه عدد من التجاوزات والكوارث والاختلالات البيئية.
ويعزو ذلك إلى أن البيئة تمتلك قدرة محددة على استيعاب التغيرات التي تطرأ عليها، ما يجعل تجاوز هذه القدرة مصدرًا لمخاطر متزايدة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن التنمية يجب أن تكون من أجل البيئة، وأن تكون البيئة في الوقت نفسه من أجل التنمية، مؤكدًا أن تحقيق هذا التوازن يتطلب إعادة التصالح بين الإنسان والبيئة، بدلًا من استمرار الصراع بينهما.
ويطرح كتاب «الحضارة البنفسجية القادمة: الثقافة والتراث بعد تبدل المناخ والبيئة» هذه الرؤية باعتبار الثقافة والتراث والإبداع عناصر أساسية في قدرة المجتمعات على التكيف مع التحولات المناخية والبيئية، وليس مجرد جوانب منفصلة عن قضايا التنمية والاستدامة.





