تصميم المدن الخضراء يعزز الصحة النفسية ويخفف القلق المرتبط بتغير المناخ
هل تحمي المدن الذكية الصحة النفسية من آثار تغير المناخ؟ دراسة تجيب
كشفت دراسة دولية حديثة أن تصميم المدن والبيئة العمرانية يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في حماية الصحة النفسية للسكان في ظل تصاعد آثار تغير المناخ، مؤكدة أن المساحات الخضراء، والشوارع المظللة، والحدائق العامة، والبنية التحتية المقاومة للمناخ لا تحسن جودة الحياة فحسب، بل تعزز أيضًا الشعور بالأمل وتخفف من القلق المناخي.
وأجرى الدراسة فريق بحثي دولي بقيادة الباحث عامر أبو خلف، وشملت نحو 2900 شخص من مصر والأردن ولبنان وفلسطين، بهدف فهم العلاقة بين القلق الناتج عن تغير المناخ، ومستويات الأمل، والضغوط النفسية، بما في ذلك أعراض القلق والاكتئاب.
وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية Cambridge Prisms: Global Mental Health، أن الأشخاص الأكثر قلقًا بشأن تغير المناخ كانوا أكثر عرضة للضغوط النفسية، كما سجلوا مستويات أقل من الأمل. وبينت الدراسة أن الأمل لا يزيل آثار القلق المناخي بالكامل، لكنه يخفف منها جزئيًا ويساعد الأفراد على التكيف مع حالة عدم اليقين البيئي.
وأوضح الباحثون أن الأمل لا يعني تجاهل المخاطر المناخية أو التقليل من خطورتها، بل يتمثل في الإيمان بإمكانية تجاوز التحديات من خلال العمل الجماعي ووجود حلول عملية للمستقبل، وهو ما يحول القلق إلى دافع لاتخاذ إجراءات إيجابية بدلًا من الشعور بالعجز واليأس.
المدن الخضراء تعزز الصحة النفسية

وأكدت الدراسة أن تأثير تغير المناخ لا يقتصر على الظواهر البيئية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات، بل يمتد إلى الصحة النفسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تواجه تحديات متزايدة تشمل ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والتوسع العمراني السريع، والضغوط الاقتصادية.
وأشار الباحثون إلى أن تصميم الأحياء السكنية يمكن أن يحدد كيفية استجابة السكان نفسيًا للأحداث المناخية. فالأحياء التي تضم أشجارًا كثيفة، وحدائق عامة، ومراكز للتبريد، ووسائل نقل فعالة، ومساحات للتفاعل الاجتماعي، تمنح السكان قدرة أكبر على التكيف مع موجات الحر، مقارنة بالأحياء التي تفتقر إلى الغطاء النباتي وتعاني من سيطرة الخرسانة والأسفلت.
وأضافت الدراسة أن الاستثمارات الواضحة في مشروعات التكيف مع تغير المناخ، مثل الغابات الحضرية، والأسطح الخضراء، والبنية التحتية المقاومة للفيضانات، لا تحقق فوائد بيئية فقط، بل تعزز ثقة المواطنين في قدرة مجتمعاتهم على مواجهة التحديات المستقبلية.
المشاركة المجتمعية تصنع الفارق
ولفت الباحثون إلى أن مشاركة السكان في مشروعات التشجير، وإنشاء الحدائق المجتمعية، وخطط تعزيز قدرة المدن على التكيف مع المناخ، تمنح الأفراد شعورًا أكبر بالمسؤولية والسيطرة على المستقبل، وهو ما يسهم في تعزيز الأمل وتقليل الضغوط النفسية.
وأكدت الدراسة أن مواجهة القلق المناخي لا ينبغي أن تقتصر على خدمات الصحة النفسية، بل يجب أن تشمل سياسات التخطيط العمراني، والتعليم، والصحة العامة، من خلال دمج مفاهيم التكيف مع المناخ داخل المدارس، وتطوير المدن بصورة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب الاعتبارات البيئية.
وشدد الباحثون على أن أزمة المناخ ليست مجرد قضية بيئية أو هندسية، بل هي أيضًا تحدٍ إنساني يتطلب بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود نفسيًا، مؤكدين أن الأمل وحده لن يحل أزمة المناخ، لكنه يمثل عنصرًا أساسيًا يجعل مواجهة هذه الأزمة أكثر واقعية وفاعلية.





