من طلاء الشوارع إلى زراعة الأشجار.. كيف تواجه أميركا موجات الحر؟
القبة الحرارية تضغط على المدن الأميركية.. وحلول مبتكرة للتبريد
تسعى مدن الغرب الأميركي إلى ابتكار حلول فعالة لمواجهة موجات الحر المتزايدة، في ظل تصاعد تأثير ظاهرة “القبة الحرارية” المرتبطة بتغير المناخ.
ففي عام 2013، أصبحت مدينة لوس أنجلوس أول مدينة كبرى تفرض قانونًا يُلزم المنازل الجديدة باستخدام “الأسطح الباردة”، وهي أسطح عاكسة تقلل من امتصاص الحرارة.
ومنذ ذلك الحين، وسّعت المدينة جهودها لتشمل طلاء الشوارع بلون أبيض، وتحديث معايير البناء لتشمل المباني غير السكنية.
ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الحرارة المرتفعة تؤثر بشكل مباشر على السكان، حيث أظهرت دراسة وجود ارتباط وثيق بين عدد أيام الحرارة الشديدة وزيادة مكالمات الطوارئ المرتبطة بالإجهاد الحراري.
ويؤكد خبراء أن الفرص المتاحة للتخفيف من آثار الحرارة في الولايات المتحدة كبيرة، إلا أن تنفيذ الحلول لا يزال دون المستوى المطلوب.
وخلال يوليو الجاري، أُطلقت تحذيرات من موجات حر شديدة في معظم مناطق الغرب الأميركي، حيث سجلت درجات حرارة بين 38 و41 درجة مئوية، نتيجة القبة الحرارية التي تحتجز الهواء الساخن.
وتفاقم ما يُعرف بظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية” من حدة الأزمة، إذ ترتفع درجات الحرارة في المدن المكتظة والمليئة بالخرسانة والأسفلت، مقارنة بالمناطق الريفية، بفارق قد يصل إلى 11 درجة مئوية، خاصة خلال الليل.
وتُعد الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والأطفال وذوي الدخل المحدود، الأكثر تضررًا من هذه الظاهرة، التي قد تؤدي إلى مخاطر صحية جسيمة.

حلول خضراء وابتكارات حضرية
تُعد زراعة الأشجار من أبرز الحلول، حيث تسهم في خفض درجات الحرارة من خلال الظل والتبخر.
وتشير الدراسات إلى أن المناطق الحضرية المزروعة بالأشجار تكون أبرد بنحو 1.6 درجة مئوية في المتوسط.
وفي هذا السياق، وضعت مدن أميركية أهدافًا طموحة، مثل أوستن التي تسعى لتحقيق تغطية شجرية بنسبة 50% بحلول عام 2050، فيما أطلقت فينيكس برامج لزراعة آلاف الأشجار لتوفير ممرات مظللة.
كما لجأت مدن أخرى إلى إنشاء أسطح خضراء تغطيها النباتات، أو تركيب الألواح الشمسية، لتقليل امتصاص الحرارة وخفض استهلاك الطاقة.
طلاء الشوارع.. حل فعّال أم محدود؟

يُعد طلاء الأسطح والشوارع باللون الأبيض من الحلول الشائعة، نظرًا لقدرتها على عكس أشعة الشمس.
وتشير دراسات إلى أن الأسطح البيضاء يمكن أن تكون أبرد بنحو 31 درجة مئوية مقارنة بالأسطح التقليدية.
وقد طبقت مدن مثل نيويورك هذه الفكرة على نطاق واسع، ما ساهم في خفض درجات الحرارة داخل المباني.
إلا أن هذا الحل يواجه تحديات، منها ارتفاع التكلفة وسرعة تآكل الطلاء، فضلًا عن احتمال انعكاس الحرارة على المشاة.
دور البيانات والمجتمع
تلعب البيانات دورًا مهمًا في فهم توزيع الحرارة داخل المدن. ففي لاس فيغاس وألبوكيركي، شارك متطوعون في قياس درجات الحرارة، ما ساعد في تحديد المناطق الأكثر تضررًا، وغالبًا ما كانت الأحياء منخفضة الدخل.
وبناءً على هذه البيانات، تم تطوير سياسات مثل إنشاء مراكز تبريد، وتحسين كفاءة الطاقة في المنازل، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.

تخطيط طويل الأمد
تسعى مدن مثل لاس فيغاس إلى تنفيذ خطط طويلة الأجل لمواجهة الحرارة حتى عام 2050، تشمل تقليل المساحات الخرسانية، وزراعة عشرات الآلاف من الأشجار، وتطوير تصميمات عمرانية توفر الظل.
ورغم التحديات، يؤكد الخبراء أن الحل يكمن في تطبيق مجموعة متكاملة من الإجراءات، وليس الاعتماد على حل واحد فقط.
وفي ظل تزايد وتيرة موجات الحر وشدتها، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تصور المدن لتكون أكثر قدرة على التكيف مع المناخ المتغير، بما يضمن حماية السكان وتقليل المخاطر الصحية والبيئية.





