لأول مرة.. خريطة عالمية عالية الدقة تكشف “الغابات المطيرة تحت الماء”
العالم فقد 4% من مروج الأعشاب البحرية خلال أربع سنوات
نجح فريق دولي من الباحثين في إعداد أول خريطة عالمية عالية الدقة للأعشاب البحرية، وهي النظم البيئية التي يصفها العلماء بـ”الغابات المطيرة تحت الماء” نظرًا لدورها الحيوي في دعم التنوع البيولوجي، وحماية السواحل، وامتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون.
وكشفت الدراسة، التي قادها مركز الاكتشاف العالمي وعلوم الحفاظ على البيئة بجامعة ولاية أريزونا الأمريكية، ونُشرت في دورية Nature، أن مساحة الأعشاب البحرية العالمية تراجعت بمعدل يقارب 1% سنويًا، ليصل إجمالي الفاقد إلى نحو 4% خلال أربع سنوات، مع رصد مناطق نجحت في استعادة هذه النظم البيئية بفضل جهود الحماية والترميم.

أهمية تتجاوز الشعاب المرجانية
ورغم أن الأعشاب البحرية لا تحظى بالاهتمام الذي تحظى به الشعاب المرجانية أو غابات المانجروف، فإنها تؤدي وظائف بيئية بالغة الأهمية، إذ تعمل على تثبيت الرواسب ومنع تآكل السواحل، وتنقية المياه من الملوثات، وتوفير الغذاء والمأوى لآلاف الأنواع البحرية، بينها الأسماك، والسلاحف، وفرس البحر، والمحاريات.
وأوضح الباحثون أن الأعشاب البحرية ليست طحالب بحرية، بل نباتات مزهرة تمتلك جذورًا وأوراقًا وبذورًا، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في استقرار النظم البيئية الساحلية.

مخزن ضخم للكربون الأزرق
واعتمدت الدراسة على الخريطة الجديدة إلى جانب قياسات الكربون في الرواسب البحرية، لتقدير كمية الكربون المختزنة داخل مروج الأعشاب البحرية.
وأظهرت النتائج أنها تخزن ما لا يقل عن 640 تيراجرامًا من الكربون في الطبقات السطحية للرواسب، وهي كمية تعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لنحو 500 مليون سيارة، مع ترجيح أن تكون الكمية الفعلية أكبر، نظرًا إلى امتداد الرواسب إلى أعماق أكبر من تلك التي شملتها القياسات.

الذكاء الاصطناعي يرصد الأعشاب من الفضاء
ولإعداد الخريطة، طور الباحثون نموذجًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية، بعد تدريبه باستخدام آلاف الملاحظات الميدانية التي جمعها غواصون وعلماء من مختلف أنحاء العالم، للتأكد من التمييز بين الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية والطحالب والرمال والصخور.
كما استعان الفريق بحواسيب فائقة الأداء لمعالجة البيانات الضخمة، ما أتاح إنتاج خريطة بدقة تصل إلى 10 أمتار × 10 أمتار، مع القدرة على التمييز بين المناطق ذات الكثافة العالية والمنخفضة من الأعشاب البحرية.

أين تتركز الأعشاب البحرية؟
وأوضحت الدراسة أن نحو 70% من إجمالي الأعشاب البحرية في العالم يتركز على سواحل خمس دول فقط هي: الولايات المتحدة، وجزر الباهاما، وكوبا، وأستراليا، وإندونيسيا.
وبمقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة خلال عامي 2019 و2020 مع صور عامي 2023 و2024، تبين اختفاء نحو 4% من الأعشاب البحرية عالميًا.
وأرجع الباحثون هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، من بينها التوسع العمراني الساحلي في الصين، والتلوث الناتج عن الأسمدة في ولاية فلوريدا الأمريكية، إلى جانب الأعاصير البحرية وموجات الحر البحرية التي شهدتها مناطق مثل الباهاما وأستراليا.
الحماية البحرية تصنع الفارق
وأظهرت الدراسة أن 21% فقط من الأعشاب البحرية تقع داخل المناطق البحرية المحمية، في حين حدث نحو 80% من حالات الفقد خارج هذه المناطق، ما يشير إلى أن توسيع نطاق الحماية البحرية قد يسهم بشكل كبير في الحد من تدهور هذه النظم البيئية.
وفي المقابل، رصد الباحثون نماذج ناجحة لاستعادة الأعشاب البحرية، من بينها خليج ساوث باي قرب مدينة لوس أنجلوس، حيث أسهمت مشروعات الترميم البيئي في إعادة نموها، إضافة إلى مناطق في كوبا شهدت تحسنًا بفضل زيادة صفاء المياه الساحلية.
وأكد فريق الدراسة أن الخريطة الجديدة تمثل نقلة نوعية في مراقبة النظم البيئية البحرية، وستسهم في دعم سياسات حماية التنوع البيولوجي، وتطوير أسواق الكربون الأزرق، وتعزيز خطط التكيف مع تغير المناخ، من خلال توفير بيانات دقيقة تساعد صناع القرار على إدارة المناطق الساحلية بصورة أكثر كفاءة.





