بحيرات “تتنفس” الكربون القديم.. اكتشاف علمي يكشف مسارًا طبيعيًا جديدًا في حوض الكونغو
باحثون يكتشفون "مداخن طبيعية" للكربون في بحيرات أفريقيا الاستوائية
توصل فريق دولي من الباحثين إلى اكتشاف علمي جديد في قلب حوض الكونغو، بعدما رصد انبعاث كميات من ثاني أكسيد الكربون القديم من بحيرتي تومبا وماي ندومبي، اللتين تقعان ضمن أكبر مجمع للأراضي الرطبة الاستوائية في العالم، في ظاهرة لم توثقها الدراسات العلمية من قبل.
وتقع البحيرتان داخل منطقة كوفيت سنترال (Cuvette Centrale) في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتغطيان معًا مساحة تعادل نحو 420 ألف ملعب كرة قدم، وتحيط بهما غابات مستنقعية وأراضٍ خثية تُعد من أكبر مخازن الكربون الطبيعية على سطح الأرض، إذ تخزن كميات هائلة من الكربون المتراكم عبر آلاف السنين.
وخلال دراسة ميدانية، جمع الباحثون عينات من رواسب قاع البحيرتين، إضافة إلى عينات من المياه والغازات المذابة فيها، ليتبين من التحليلات الكيميائية وجود كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون القديم، الذي يعود مصدره إلى طبقات الخث العميقة، وليس إلى تحلل النباتات الحديثة.
وأوضح الباحثون أن بحيرتي تومبا وماي ندومبي تعملان بمثابة “مداخن طبيعية”، تسمح بإطلاق جزء صغير جدًا من الكربون القديم المخزن في الأراضي الخثية إلى الغلاف الجوي، في مسار طبيعي لم يكن معروفًا سابقًا ضمن دورة الكربون في هذه النظم البيئية.

لا يمثل خطرًا مناخيًا
ورغم أن النتائج كانت مفاجئة، أكد الباحثون أن هذا الانبعاث لا يشير إلى أزمة مناخية جديدة، إذ يُرجح أن يكون جزءًا من دورة طبيعية متوازنة، يتم خلالها فقدان نسبة ضئيلة للغاية من الكربون، في الوقت الذي تستمر فيه الأراضي الخثية في تكوين طبقات جديدة تخزن كميات أكبر من الكربون.
وأشار الفريق إلى أن الأراضي الخثية تغطي ما بين 3% و5% فقط من مساحة اليابسة عالميًا، لكنها تخزن نحو ثلث الكربون الموجود في تربة العالم، ما يجعلها عنصرًا بالغ الأهمية في تنظيم المناخ العالمي والحد من تراكم غازات الاحتباس الحراري.
أهمية بيئية وسكانية
ويعيش نحو مليوني شخص داخل المنطقة المحيطة بالبحيرتين، ويعتمدون عليهما في الصيد، والنقل النهري، والزراعة، والحصول على المياه، وجمع المنتجات الغابية مثل الأخشاب والنباتات الطبية والثمار.
كما تضم المنطقة تنوعًا بيولوجيًا غنيًا يشمل مئات الأنواع من الأسماك، إلى جانب أفراس النهر، والتماسيح، وفيلة الغابات، وعدد كبير من الطيور، ما يجعل الحفاظ على سلامة هذه النظم البيئية أمرًا ضروريًا لحماية التنوع الحيوي ودعم جهود مواجهة تغير المناخ.

تصحيح مفاهيم خاطئة
وشدد الباحثون على أن الغازات المنبعثة من البحيرتين ليست سامة ولا تشكل خطرًا على السكان، موضحين أن بعض التقارير الإعلامية أساءت تفسير نتائج الدراسة، بعدما صورت الاكتشاف وكأنه تهديد وشيك أو تسرب خطير للغازات.
وأوضحوا أن هذه البحيرات تختلف تمامًا عن بعض البحيرات البركانية العميقة، مثل بحيرة نيوس وبحيرة مونون في الكاميرون، التي شهدت في ثمانينيات القرن الماضي انبعاثات مفاجئة لغازات قاتلة نتيجة نشاط بركاني، مؤكدين أن بحيرتي تومبا وماي ندومبي ضحلتان ولا يمكن أن تتراكم فيهما الغازات إلى مستويات خطرة.
وأكد الباحثون أن الاكتشاف يسلط الضوء على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم ديناميكيات الكربون في الأراضي الخثية، كما يبرز أهمية التواصل العلمي الدقيق بين الباحثين ووسائل الإعلام، لتجنب نشر تفسيرات مضللة قد تثير مخاوف لا تستند إلى أدلة علمية.





