وثائق تكشف: حكومات كبرى أخفت علمها المبكر بأخطار تغير المناخ لعقود
أكبر الدول المسببة للانبعاثات كانت تعلم مخاطر الوقود الأحفوري منذ الستينيات
كشف تقرير جديد صادر عن مركز القانون البيئي الدولي (CIEL) أن حكومات عدد من أكبر الدول المسببة لانبعاثات غازات الدفيئة كانت على علم، منذ ستينيات القرن الماضي على الأقل، بأن الاستخدام المستمر للوقود الأحفوري يؤدي إلى ارتفاع حرارة الأرض، وقد يسبب ذوبان الجليد القطبي وارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة.
ويرى معدو التقرير، أن هذه المعرفة المبكرة قد تعزز الأسس القانونية لمساءلة الدول عن تقاعسها في الحد من تغير المناخ، بعدما استمرت لعقود في دعم إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري رغم التحذيرات العلمية.

مسؤولية قانونية تمتد لعقود
يشير التقرير إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري الصادر قبل عام أن الدول تتحمل التزامًا قانونيًا باتخاذ إجراءات للحد من تغير المناخ منذ اللحظة التي أصبحت فيها المخاطر المتوقعة معروفة لديها، مع ضرورة معالجة الأضرار الناجمة عنه.
لكن التقرير يلفت إلى أن المحكمة لم تحدد تاريخ بدء هذه الالتزامات بالنسبة لكل دولة، وهو ما دفع الباحثين إلى تتبع الوثائق الحكومية والسجلات العلمية لتحديد توقيت وصول المعلومات العلمية إلى صناع القرار.
ويؤكد الباحثون أن إثبات معرفة الحكومات المبكرة بمخاطر الوقود الأحفوري قد يعني أنها كانت ملزمة قانونًا باتخاذ إجراءات وقائية منذ عقود، ما قد يزيد من مسؤوليتها عن الأضرار المناخية الحالية.

الحكومات كانت تعلم
بحسب التقرير، دأبت بعض الدول الكبرى على الإشارة إلى أن الوعي العالمي بتغير المناخ بدأ فقط في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تأسيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) وبدء المفاوضات الدولية بشأن اتفاقية المناخ.
إلا أن التقرير يؤكد أن الوثائق الحكومية والأبحاث العلمية المتاحة تثبت أن العديد من الحكومات كانت تمتلك معلومات واضحة عن العلاقة بين حرق الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة قبل ذلك بأكثر من عقدين.
ويرى الباحثون أن الاعتراف بهذه الحقيقة قد يعني الإقرار بأن هذه الدول أخفقت في الوفاء بالتزاماتها القانونية لفترة أطول بكثير مما تعترف به حاليًا.
جذور المعرفة تعود إلى القرن التاسع عشر
يشير التقرير إلى أن العلماء بدأوا منذ عام 1896 في وضع نماذج علمية توضح قدرة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الوقود الأحفوري على رفع حرارة الأرض.
كما ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية أولى الدراسات التي أكدت بالفعل ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية.
وفي عام 1957، شهد العام الجيوفيزيائي الدولي تعاونًا علميًا واسعًا بين عشرات الدول، وأسفر عن إطلاق أول برنامج عالمي لرصد تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مع إطلاع الحكومات المشاركة على نتائجه.

تحذيرات رسمية منذ ستينيات القرن الماضي
يوضح التقرير أنه بحلول ستينيات القرن الماضي، توصل كبار علماء الغلاف الجوي والكيمياء والجيوفيزياء إلى أن انبعاثات الوقود الأحفوري لا يمكنها فقط رفع حرارة الأرض، بل إنها بدأت بالفعل في ذلك.
كما حذر العلماء آنذاك من أن استمرار الانبعاثات سيؤدي إلى آثار خطيرة تشمل:
• ارتفاع مستوى سطح البحر.
• موجات حر شديدة.
• اضطراب النظم البيئية.
• تهديد الأمن الغذائي.
• أضرار صحية متزايدة.
وتشير الوثائق إلى أن هذه المعلومات وصلت إلى مستويات عليا في عدد من الحكومات.
أمثلة من الولايات المتحدة وأوروبا
يكشف التقرير أن مسؤولين في البيت الأبيض تبادلوا خلال ستينيات القرن الماضي مذكرات حول ما أطلقوا عليه “مشكلة ثاني أكسيد الكربون”، فيما صدر عام 1965 تقرير رئاسي أمريكي أكد بشكل صريح أن الوقود الأحفوري مسؤول عن ارتفاع درجات الحرارة، محذرًا من ارتفاعات كارثية في درجات الحرارة ومستويات البحار إذا استمرت الانبعاثات.
وفي المملكة المتحدة، نوقش تأثير غازات الاحتباس الحراري داخل البرلمان عام 1969.
أما في فرنسا، فقد نشرت شركة نفط مملوكة للدولة عام 1971 مقالًا يحذر من أخطار زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بينما واصلت وزارة البيئة الكندية نشر مقالات توعوية عن تغير المناخ خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

تعزيز مطالبات العدالة المناخية
يرى معدو التقرير أن الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وأستراليا، وغيرها من كبار المساهمين التاريخيين في الانبعاثات، كانت تمتلك معلومات كافية لتغيير سياساتها المناخية قبل تأسيس IPCC عام 1988 بسنوات طويلة.
ويؤكد التقرير أن هذه النتائج لا تمثل سوى جزء من الأدلة المتاحة، إذ اعتمدت على وثائق عامة منشورة باللغة الإنجليزية، مشددًا على أن المساءلة القانونية لا تعتمد فقط على إثبات المعرفة، بل أيضًا على كيفية تعامل الحكومات مع تلك المعلومات، سواء عبر اتخاذ إجراءات أو تجاهلها أو التقليل من أهميتها.
ويخلص التقرير إلى أن تجميع الأدلة التاريخية بشأن معرفة الحكومات المبكرة، إلى جانب تطور الأضرار المناخية الحالية، يعزز الأسس القانونية لمطالبات العدالة المناخية وتعويض الدول والمجتمعات الأكثر تضررًا من آثار تغير المناخ.





