هل تعاني التصنيفات الائتمانية في أفريقيا من التحيز؟ تضارب تقييمات «موديز» و«فيتش» و«ستاندرد آند بورز»
أفريقيا تبحث عن بدائل: هل تفقد وكالات التصنيف الغربية مصداقيتها؟
تثير الفجوات المتزايدة بين تقييمات وكالات التصنيف الائتماني العالمية الثلاث الكبرى – «موديز» و«ستاندرد آند بورز» و«فيتش» – تساؤلات جوهرية حول مدى دقة هذه التصنيفات في القارة الأفريقية، وما إذا كانت تستند إلى بيانات موضوعية أم تتأثر بتحيزات تحليلية.
فبينما يُفترض أن تختلف التقييمات في حدود ضيقة، تكشف الحالات الأخيرة عن تباينات كبيرة تُلقي بظلال من الشك على منهجيات التقييم.
تداعيات مباشرة: تكلفة اقتراض أعلى وفرص تنموية أقل
لا تقتصر آثار التصنيفات الخاطئة على الجوانب النظرية، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي للدول، إذ تؤدي التصنيفات المنخفضة إلى رفع تكلفة الاقتراض، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المتصورة.
وعند خفض التصنيف السيادي لدولة ما، تضطر إلى دفع فوائد أكبر على ديونها، ما يقلص قدرتها على تمويل مشروعات التنمية ويزيد من الضغوط على الموازنات العامة.
أمثلة حديثة: تباينات صارخة في التقييم
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، برزت عدة حالات تكشف عمق المشكلة. من أبرزها تقييم البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، حيث توصلت وكالات التصنيف الثلاث إلى نتائج متباينة بشكل كبير بين عامي 2025 و2026.
فقد خفضت «فيتش» تصنيف البنك على مرحلتين حتى وصل إلى درجة استثمارية منخفضة، قبل أن تسحب تصنيفها لاحقًا، بينما حافظت «موديز» و«ستاندرد آند بورز» على تصنيفات ضمن الدرجة الاستثمارية، بفارق يصل إلى ثلاث درجات.
وفي حالة أخرى، خفضت «فيتش» تصنيف شركة «دانجوتي للصناعات» في عام 2024 بسبب مخاوف مرتبطة بتمويل مشروع مصفاة نفط جديدة، إلا أن المشروع أثبت لاحقًا نجاحه، وساهم في تعزيز إنتاج نيجيريا وتقليل وارداتها، ما يطرح تساؤلات حول دقة التقديرات السابقة وتأثيرها على استكمال المشروع.
كما ظهرت تباينات مماثلة في تقييمات مؤسسات أخرى مثل «مؤسسة التمويل الأفريقية»، وكذلك في حالة كينيا، حيث خفضت «موديز» تصنيفها في يوليو 2024، بينما أبقت «ستاندرد آند بورز» على تصنيفها دون تغيير، قبل أن تعود «موديز» وتعدل نظرتها خلال فترة قصيرة بشكل غير معتاد.
إشكالية المنهجية: بيانات أم تقديرات ذاتية؟
تعكس هذه الحالات خللًا في الاتساق بين وكالات التصنيف التي يُفترض أنها تعتمد على نفس المؤشرات الأساسية، مثل القدرة على سداد الديون والمخاطر الاقتصادية. ويطرح ذلك تساؤلًا رئيسيًا: هل تستند هذه القرارات إلى بيانات موضوعية، أم تتأثر بتقديرات ذاتية وربما تصورات غير دقيقة حول المخاطر في أفريقيا؟
في المقابل، تميل وكالات التصنيف الآسيوية إلى منح تقييمات أكثر إيجابية لبعض المؤسسات الأفريقية، نظرًا لفهمها الأعمق لدورها التنموي، خاصة فيما يتعلق بالمؤسسات التي تتمتع بوضع “الدائن المفضل”، حيث تحافظ الدول الأعضاء على سداد التزاماتها حتى في أوقات الأزمات.
تكلفة الأخطاء: خسائر مالية ملموسة
لا تمر هذه التباينات دون تكلفة. ففي كينيا، أدى خفض التصنيف إلى زيادة تكاليف الفائدة بنحو 150 مليون دولار على السندات القائمة، نتيجة لبيع المستثمرين لحيازاتهم.
كما أن التقييمات السلبية قد تعرقل مشروعات استراتيجية، كما حدث مع «دانجوتي»، حيث شكلت النظرة المتحفظة ضغطًا على تمويل المشروع.
تحول استراتيجي: التوجه نحو الأسواق الآسيوية
في ظل ارتفاع تكلفة التمويل من الأسواق الغربية، بدأت دول أفريقية في التوجه نحو مصادر تمويل بديلة في آسيا.
وخلال العامين الماضيين، أصدرت خمس دول أفريقية سندات بقيمة إجمالية بلغت 5 مليارات دولار في أسواق مثل اليابان والصين وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية والإمارات.
هذا التحول يعزز دور وكالات التصنيف الآسيوية، التي أصبحت شرطًا أساسيًا للوصول إلى هذه الأسواق، خاصة أنها تقدم تقييمات تختلف في بعض الأحيان بشكل كبير عن نظيراتها الغربية.
الحاجة إلى إصلاحات: شفافية وعدالة في التقييم
تفتح هذه التطورات الباب أمام عدة مسارات للإصلاح، أولها ضرورة أن تتحدى الدول والمؤسسات الأفريقية التصنيفات التي ترى أنها غير دقيقة، ما قد يدفع وكالات التصنيف إلى تحسين منهجياتها وزيادة شفافيتها.
كما تبرز أهمية تنويع مصادر التمويل والتصنيف، بدل الاعتماد الحصري على الأسواق الغربية، بما يمنح الدول مرونة أكبر في إدارة ديونها.
وأخيرًا، تظل الحاجة ملحة لتعزيز موضوعية وكالات التصنيف، بحيث تستند قراراتها إلى البيانات الفعلية والأسس الاقتصادية، بعيدًا عن التقديرات الذاتية أو الانطباعات غير المدعومة.
مستقبل التمويل في أفريقيا على المحك
تكشف الفجوات في التصنيفات الائتمانية عن تحدٍ كبير يواجه الاقتصادات الأفريقية، يتمثل في كيفية ضمان تقييم عادل يعكس الواقع الاقتصادي بدقة.
وبينما تمثل هذه الأزمة عبئًا على تكلفة التمويل، فإنها في الوقت ذاته تفتح فرصًا لإعادة تشكيل علاقات التمويل العالمية، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والشفافية في النظام المالي الدولي.





