مفاوض سابق في محادثات المناخ الدولية: مؤتمر cop29 لم يحقق تقدما كبيراً.. والحل في كلمة واحدة ” الاستثمار”
بامسي: مؤتمرات الأطراف السبيل الوحيد لجمع دول العالم في غرفة واحدة لمناقشة ما يجب فعله بشأن تغير المناخ
يرى العديد من الأشخاص الذين شاركوا لفترة طويلة في مفاوضات المناخ العالمية أن محادثات المناخ السنوية التي تعقدها الأمم المتحدة، مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ تنطوي على عيوب جوهرية، في يوم الأحد الماضي، انتهت الجولة التاسعة والعشرون من المحادثات cop29 في باكو، أذربيجان.
هوارد بامسي، أستاذ فخري، كلية التنظيم والحوكمة العالمية، الجامعة الوطنية الأسترالية ، شارك في 25 دورة من مؤتمرات المناخ، وحضر هذه المحادثات في أدوار مختلفة عديدة، ولكن بشكل أساسي بصفته مفاوضًا بشأن المناخ نيابة عن الحكومة الأسترالية، ولكن هذه المرة حضرcop29، بصفته الأكاديمية.
ويؤكد بامسي، أن مؤتمر الأطراف cop29 لم يحرز تقدماً كبيراً، ومبرره في ذلك فقد أدى إلى زيادة متواضعة في تمويل المناخ للدول النامية والاتفاق على قواعد سوق الكربون، ولكن العديد من القضايا تم تأجيلها.
ويرى بامسي أن محادثات مؤتمر الأطراف بطيئة، وتُعَد الاجتماعات التي تُعقَد مرة واحدة في العام بمثابة لحظات “الفوز أو الخسارة”، وهو ما يزيد من تعقيد الديناميكيات، مضيفا أن الدول النفطية وجماعات الضغط تعمل على تجنب ذكر مسألة التخلي عن الوقود الأحفوري.

السبيل الوحيد لجمع دول العالم في غرفة واحدة
وأشار أيضا إلى أن الدول المضيفة تسعى إلى الفوز، الأمر الذي يؤدي إلى “التزامات” قد لا تؤدي إلى تغيير جوهري، موضحا أنه قبل محادثات هذا العام، دعت شخصيات المناخ الرئيسية مرة أخرى إلى إصلاح عملية مؤتمر الأطراف.
ومع كل هذا إلا أن الأكاديمي والخبير التفاوضي، يرى أنه رغم كل العيوب التي تشوب اجتماعات مؤتمر الأطراف، إلا إنها تظل السبيل الوحيد لجمع دول العالم في غرفة واحدة لمناقشة ما يجب فعله بشأن تغير المناخ.
وأضاف أن السنوات الأخيرة، انشغل زعماء العالم بجائحة كوفيد، والحرب بين أوكرانيا وروسيا، والآن الشرق الأوسط، لكن تغير المناخ يزداد سوءًا، ولن يمر وقت طويل قبل أن تجذب الأحداث الواقعية في العالم انتباهنا مرة أخرى إلى التهديد الأكبر الذي نواجهه.
لماذا هذه المحادثات مهمة؟
منذ عام 1995، كانت محادثات مؤتمر الأطراف بمثابة المحرك الرئيسي للتحرك العالمي بشأن تغير المناخ، وستظل هذه المحادثات ذات أهمية حتى يكتمل التحول إلى الطاقة النظيفة ويتوقف حرق الوقود الأحفوري عن كونه روتينًا.
ويؤكد بامسي، أن الحل لمشكلة تغير المناخ يكمن في كلمة واحدة: الاستثمار، ففي كل يوم تستثمر الشركات والحكومات الأموال، فهي إما تستثمرها في التقنيات القائمة التي تزيد من تلوث الكربون سوءاً، أو تستثمرها في بدائل أكثر نظافة.
إن ما تفعله محادثات مؤتمر الأطراف هو المساعدة في تغيير اتجاه الاستثمار، ويمكنك أن ترى هذا بوضوح شديد في حجم الاستثمار الذي يتم الآن في الطاقة الخضراء، وتحديث شبكات الكهرباء، وكفاءة الطاقة ـ وهو ضعف ما يتم استثماره في الوقود الأحفوري الجديد، معبرا عن أسفه في حال تم إضافة دعم الوقود الأحفوري تصبح الصورة مختلفة تمام الاختلاف.
في العام الماضي، أدرجت الدول أخيرا نصا حول الحاجة إلى التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري، وكان ذلك صعب المنال، ولكن هذا العام، تمكن الدبلوماسيون من الدول النفطية ومنهم السعودية وحلفائها كما يقول بامسي من منع أي ذكر لهذا.
ولم يكن النص المتعلق بالوقود الأحفوري ملزماً، ولكنه كان مؤثراً في مجالس الإدارات حيث يتم اتخاذ القرارات بشأن الاستثمار.

العملية أم الهدف .. أيهما الأهم؟
يرى بامسي أن الطريقة التي تتم بها محادثات مؤتمر الأطراف ليست مثالية، في كل عام، يتم اختيار دولة جديدة لتولي دور الرئاسة واستضافة القمة، وتستمر المحادثات لمدة أسبوعين وتكون أجندتها واسعة النطاق، وفي هذا العام، ناضلت الدولة المضيفة، أذربيجان، للحفاظ على السيطرة على الأجندة، كما يقول.
ونتيجة لذلك، تم تأجيل قضايا مثل Global Stocktake – والتي تضمنت دعوات للتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري – إلى مؤتمر الأطراف الثلاثين في البرازيل في غضون عام.
نظرًا لأن هذه المحادثات تُعقد مرة واحدة فقط في العام، فإن كل شيء يتراكم فيها، واصفا الأمر بأنه “فوضوي” للغاية.
في شهر يونيو من كل عام، يجتمع مفاوضو المناخ في اجتماع بين الدورات قبل محادثات مؤتمر الأطراف المقبل في بون بألمانيا، حيث يقع مقر الأمانة العامة للأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ .
في هذه الاجتماعات، كثيراً ما نشهد محاولات للتراجع عن الإعلانات التي صدرت خلال المحادثات الرسمية لمؤتمر الأطراف، وفي بعض الأحيان تنجح هذه الجهود.
ويقول الخبير في المفاوضات طيلة أكثر من 20 عاما ، أن كل مندوب يُرسَل إلى محادثات مؤتمر الأطراف لديه سببان للذهاب.
الأول هو أن حكومته ملتزمة إلى حد ما بحل المشكلة الكبرى المتمثلة في تغير المناخ، وقد لا تكون خمس أو ست دول ملتزمة بذلك، ولكن هذا يعني أن هناك أكثر من 190 دولة ملتزمة بذلك، والسبب الثاني هو حماية مصالحها الوطنية، وبوسعك بالطبع أن تفعل الأمرين.
ولكن هذا يثير قضية خفية كما يقول بامسي، أن العديد من الحاضرين يركزون على العملية وليس على النتيجة، فهم يسافرون مرتين في العام لحضور مؤتمر الأطراف نفسه والاجتماعات بين الدورات في بون، حيث يلتقون بأصدقائهم وزملائهم، وقد أصبح هذا الأمر روتينياً، وأصبحت العملية، بالنسبة للبعض، هي الهدف.

ما هي العيوب؟ 5 أفكار للتغيير
محادثات مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ تشوبها بعض العيوب ولكنها ضرورية، فهل يمكننا تحسينها؟ كما يتسأل المفاوض السابق في فريق الحكومة الأسترالية.
وهنا خمسة أفكار:
1- تقسيم عملية التفاوض
عقد اجتماعات للهيئات الفرعية لمؤتمر الأطراف في المدن التي أقامت فيها أغلب الدول بعثات دبلوماسية، ومن الممكن أن تجتمع هذه الهيئات بشكل أكثر انتظاماً، مما يخلق ضغوطاً وزخماً لتحقيق المزيد من السرعة والنتائج.
2- تغيير ترتيبات رئاسة مؤتمر الأطراف
في بعض الأحيان، تحاول الدولة المضيفة للمحادثات التحكم في النتائج قدر الإمكان، ولكن هذه مهمة شبه مستحيلة، وربما يكون الخيار الأفضل هو الاعتماد على المفاوضين من كل دولة، الذين يقومون بمعظم العمل ــ وتحميلهم المسؤولية عن تحقيق النتائج.
3- جعل الاجتماعات الإقليمية أكثر أهمية
مؤتمر الأطراف كبير، إذ يشارك فيه مئات البلدان، وآلاف الوفود، وكثيرون من المجتمع المدني وقطاع الأعمال، ومن الصعب للغاية أن يحاول الجميع التحدث إلى الجميع، ومن المؤكد أن التقدم سوف يكون أفضل كثيراً إذا ما تم تحويل زخم محادثات مؤتمر الأطراف إلى اجتماعات إقليمية أصغر وأكثر انتظاماً.
4- جمع المزيد من الدول الطموحة
لقد عقدت عدة تجمعات للدول الراغبة في بذل المزيد من الجهود وبسرعة أكبر في التعامل مع قضية تغير المناخ، مثل تحالف الطموح العالي، ومن الممكن أن تساعد هذه التجمعات في تحفيز العمل بين القادة ذوي التفكير المماثل، ولكنها تحتاج إلى قيادة مستدامة لتكون فعّالة.
5- العمل المباشر من قبل أكبر الجهات المسببة للانبعاثات
في عام 2015، حددت اتفاقية باريس هدفا مشتركا يتمثل في إبقاء تغير المناخ دون درجتين مئويتين، وكان ذلك بمثابة ذروة محادثات مؤتمر الأطراف، وقبل توقيع هذه الاتفاقية، توصلت الصين والولايات المتحدة، أكبر مصدرين للانبعاثات، إلى أرضية مشتركة بشأن المناخ في محادثات مباشرة، على الرغم من تكثيف الصراع الجيوسياسي، وقد ساعد هذا باريس على النجاح.
وفي عام 2025، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، ستخرج الولايات المتحدة من مسرح العمل المناخي مرة أخرى، لكن الصين تشعر الآن بمزيد من الثقة في تحمل دور قيادي في المناخ.
ولكن ماذا عن منع الدول النفطية من استضافة هذه المحادثات، كما دعا إلى ذلك قادة المناخ البارزون ؟ لا يمكنك بسهولة استبعاد الدول التي وقعت على المعاهدات والاتفاقيات.
والحل هنا هو التنظيم بشكل أفضل، ولا يتعين على ضغوط الدول النفطية أن تفوز. وفي حين أثارت رئاسة أذربيجان الغنية بالنفط لمؤتمر الأطراف التاسع والعشرين الشكوك، لم تكن هناك أي إشارة إلى أن قادتها يريدون فشل العملية.

ما هو المطلوب؟ إرادة سياسية متجددة
قبل عشر سنوات، بدا الأمر وكأن العالم متحد إلى حد كبير بشأن المناخ، ولكن في حين ساعد اتفاق باريس في تجنب أسوأ سيناريوهات الانبعاثات، فإنه لم يؤد بعد إلى انخفاض الانبعاثات لمدة عام واحد.
لقد تراجعت قضية تغير المناخ، بكل المقاييس، إلى أسفل قائمة القضايا العالمية الملحة، وسوف يتغير هذا مع ظهور المزيد من التأثيرات الكارثية.





