ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

كيف تعيد الموازنات الخضراء توجيه الإنفاق العام نحو مستقبل منخفض الكربون؟

الميزانيات الخضراء.. خطوة استراتيجية لمواجهة أزمات المناخ والتنوع البيولوجي

في عالم المحاسبة، اتجهت الاستدامة مؤخرًا من التركيز على التقارير إلى الاهتمام بالضمان، غير أن كليهما لا يمثلان الغاية النهائية، بل أدوات لتمكين الأسواق من العمل بكفاءة. في القطاع العام،

تُعدّ الموازنة الأداة المركزية لتخصيص الموارد المحدودة وفقًا للأولويات السياسية والخدمات الأساسية والاحتياجات المجتمعية. ومع تفاقم آثار تغير المناخ، أصبح من الضروري دمج الاعتبارات البيئية في عمليات إعداد الموازنة لضمان المرونة والاستدامة، وهو ما أدّى إلى ظهور مفهوم “الموازنة الخضراء”.

ما هي الموازنة الخضراء؟

أُطلقت مبادرة باريس للتعاون بشأن الموازنة الخضراء، التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خلال قمة الكوكب الواحد عام 2017، بهدف تطوير أدوات مبتكرة لمواءمة الإنفاق والإيرادات العامة مع الأهداف البيئية. وتأتي هذه الجهود في سياق عالمي يسعى إلى تحقيق الالتزامات بموجب اتفاق باريس للمناخ، وأهداف التنمية المستدامة، وإطار كونمينغ-مونتريال للتنوع البيولوجي.

تُعرَّف الموازنة الخضراء بأنها استخدام أدوات السياسات المالية لدمج الاعتبارات المناخية والبيئية ضمن عملية إعداد الموازنة، بما يعزز فهم تأثير القرارات المالية على البيئة وضمان توافقها مع الأهداف المناخية طويلة الأجل.

الموازنة الخضراء

لماذا الموازنة الخضراء مهمة؟

أدى التدهور البيئي إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، حيث تسهم مشكلات مثل ندرة المياه، وتآكل التربة، والفيضانات، والحرارة الشديدة في تعطيل سلاسل التوريد والنشاط المحلي. ومع تصاعد المخاطر المناخية، يشعر صانعو السياسات والبنوك المركزية بالقلق من التأثيرات المالية المترتبة.

وتشكّل قرارات الإنفاق الحكومي نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، وقد تصل إلى 45% من الناتج المحلي في بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، ما يمنحها تأثيرًا بالغًا في توجيه القرارات الاستثمارية، والاستهلاك، والتنمية

. لذلك، ينبغي ألا تُبنى تلك القرارات فقط على مؤشرات اقتصادية، بل أيضًا على معايير بيئية واجتماعية مستدامة.

من يستخدم الموازنة الخضراء؟

في بلدان مثل فرنسا والدنمارك والنرويج، بات تقييم الأثر البيئي شرطًا للموافقة على الموازنات. كما أدمجت المملكة المتحدة اعتبارات بيئية ضمن التوقعات المالية متوسطة المدى، من خلال تقارير مثل “المخاطر المالية والاستدامة”، التي تؤكد أن تكلفة التقاعس المناخي تفوق تكلفة الإجراءات الاستباقية.

الاقتصاد الأخضر والتمويل المستدام

الفرق بين الموازنة التقليدية والموازنة الخضراء

تركّز الموازنة التقليدية على تخصيص الموارد استنادًا إلى مخصصات السنوات السابقة، دون تقييم فعلي لنتائج الإنفاق أو أثره البيئي. أما الموازنة الخضراء، فتعتمد على نهج استراتيجي يربط بين الإنفاق وتحقيق أهداف بيئية واجتماعية، باستخدام مؤشرات أداء تُقيس الفاعلية والتأثير بعيد المدى.

كما أن الموازنة الخضراء تراعي التغيرات البيئية والاقتصادية عبر خطط متعددة السنوات، وتسمح بإعادة توجيه الموارد استنادًا إلى الأداء، ما يعزز الشفافية والمسؤولية المالية.

أدوات الموازنة الخضراء

تشمل أدوات الموازنة الخضراء:

  • تقييم الأثر البيئي (EIA): تحليل الآثار البيئية لمشاريع أو سياسات جديدة.

  • تحليل التكلفة والفائدة (CBA): تقييم الكفاءة الاقتصادية لمبادرات بيئية.

  • تصنيف الموازنة (Green Budget Tagging): وسم البنود وفق تأثيرها الإيجابي أو السلبي على البيئة.

  • مؤشرات الأداء البيئي: قياس التقدم نحو تحقيق الأهداف البيئية.

الموازنة الخضراء والنمو الاقتصادي

مراحل دمج الموازنة الخضراء

  1. تخطيط الموازنة: دمج الأهداف البيئية في الاستراتيجية المالية العامة والإطار متوسط الأجل.

  2. إعداد الموازنة: إجراء تقييمات بيئية للبنود الجديدة، وفهم أثر التمويل البيئي.

  3. إقرار الموازنة: تضمين معلومات بيئية في الوثائق الرسمية والنقاشات البرلمانية.

  4. تنفيذ الموازنة: مراقبة التزام الجهات بإنفاق المخصصات البيئية وتقييم أدائها.

  5. الرقابة والتقييم: إعداد تقارير شفافة، وتفادي “الغسل الأخضر”، وتعزيز المساءلة.

التحديات في تنفيذ الموازنة الخضراء

تحديات فنية:

  • نقص البيانات التفصيلية اللازمة لتصنيف البنود الخضراء.

  • صعوبة تطوير منهجيات وطنية للتصنيف.

  • بدء التطبيق في قطاعات محدودة فقط.

تحديات مؤسسية:

  • ضعف الإرادة السياسية والدعم المؤسسي.

  • نقص الكفاءات الفنية والهياكل الإدارية الملائمة.

  • ضعف التنسيق بين الوزارات واختلاف المنهجيات.

تحديات مالية:

  • غياب خطط تمويل متكاملة.

  • صعوبة تحديد البنود الضارة بيئيًا لإصلاحها.

  • محدودية أدوات تعبئة التمويل الأخضر.

ملاحظات على تصنيف الموازنة الخضراء

رغم أهمية التصنيف، إلا أنه يواجه تحديات، منها:

  • الانحياز إلى التفاؤل: قد تُصنّف بنود غير بيئية على أنها خضراء.

  • ضعف الاتساق الزمني: التغييرات المتكررة في المنهجيات تضعف القدرة على تتبع التطور.

  • نقص الشفافية والمساءلة: لا تُطبّق أدوات التصنيف بنفس الصرامة في جميع مراحل الموازنة.

مأزق الشركات في ظل أزمة الاقتصاد

فرص تحسين الأداء

للتغلب على هذه التحديات، بدأت بعض الدول في تبني ممارسات مثل:

  • دمج الموازنة الخضراء في الدورة المالية الأساسية، كما في كوريا الجنوبية.

  • تطوير أدلة فنية خاصة وتحديث الأدوات بالتعاون مع الخبراء، كما في المملكة المتحدة.

  • التعاون بين وزارات المالية والبيئة والإحصاء لتوفير بيانات دقيقة، كما في فرنسا والدنمارك.

الخلاصة

تمثل الموازنة الخضراء تطورًا نوعيًّا في إدارة المال العام، من خلال إعادة توجيه الإنفاق نحو أولويات بيئية مستدامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في الاقتصاد الأخضر.

وفي ظل تصاعد التحديات البيئية والمناخية، فإن دمج الاعتبارات البيئية في السياسات المالية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار المالي والاجتماعي، وتحقيق الأهداف المناخية والتنموية العالمية بحلول عام 2030.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. My brother suggested I might like this blog He was totally right This post actually made my day You can not imagine simply how much time I had spent for this info Thanks

اترك رداً على click hereإلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading