صدمة المناخ في أوروبا.. الاقتصاد يخسر 0.3% بسبب موجات الحر والتكيف يتأخر
أوروبا تدفع ثمن التأخر في التكيف المناخي رغم تقدمها في الطاقة النظيفة
تواجه أوروبا، التي طالما تصدّرت الجهود العالمية لتحقيق الحياد الكربوني، اختبارًا حقيقيًا مع تصاعد آثار التغير المناخي على أراضيها، بعدما كشفت موجة الحر القياسية في يونيو عن فجوة واضحة في جهود التكيف مع المناخ، رغم التقدم الملحوظ في خفض الانبعاثات.
وسجّلت درجات الحرارة في بعض مناطق القارة أكثر من 40 درجة مئوية، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في البنية التحتية والخدمات، شملت انقطاعًا في إمدادات الكهرباء، وإلغاء رحلات قطارات في ألمانيا، وخروج قطار شحن عن مساره في السويد نتيجة تمدد القضبان المعدنية بفعل الحرارة.
وأقرّ مسؤولون أوروبيون بأن جهود التكيف لم ترقَ إلى مستوى التحديات المتسارعة، حيث قال نائب وزير المناخ البولندي كريستوف بوليستا إن أوروبا “لم تكن جيدة بما يكفي في التكيف”، في إشارة إلى قصور الاستعدادات لمواجهة التداعيات المباشرة للاحتباس الحراري.

ورغم ريادة الاتحاد الأوروبي في سياسات المناخ، وكونه من أوائل الاقتصادات الكبرى التي تبنّت هدفًا ملزمًا قانونيًا للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، فإن الاستثمارات لا تزال تميل بشكل كبير نحو خفض الانبعاثات على حساب التكيف.
وتُظهر البيانات أن 72% من الإنفاق المناخي في ميزانية الاتحاد الأوروبي بين عامي 2021 و2025 وُجّه إلى التخفيف من الانبعاثات، مقابل 18% فقط للتكيف، و9% لمشروعات تجمع بين الجانبين.
وتعتمد سياسات التكيف بشكل أساسي على الحكومات الوطنية، التي ترى المفوضية الأوروبية أنها الأقدر على تصميم حلول تتناسب مع خصوصية كل دولة، سواء في مواجهة حرائق الغابات في جنوب أوروبا أو إدارة الفيضانات في الشمال.
وفي هذا السياق، يعمل الاتحاد الأوروبي على إعداد خطة شاملة لتعزيز “المرونة المناخية”، تركز على تبادل أفضل الممارسات ووضع سيناريوهات مشتركة، دون فرض حلول موحّدة

اقتصاديًا، بدأت تداعيات التغير المناخي تتجلى بوضوح، حيث قدّر بنك “ING” أن الظواهر المناخية المتطرفة، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات، تسببت في خفض الناتج الاقتصادي الأوروبي بنحو 0.3 نقطة مئوية خلال العام الماضي.
وأشار البنك إلى أن موجات الحر تحوّلت من مجرد ظاهرة مناخية إلى “متغير اقتصادي مؤثر”، موضحًا أن درجات الحرارة أصبحت مؤشرًا رئيسيًا على الأداء الاقتصادي.
وتتفاوت آثار الحرارة بين الدول، إذ تهدد عائدات السياحة والزراعة في جنوب أوروبا، بينما تؤثر على إنتاجية العمل في الدول الشمالية، التي لم تُصمَّم مبانيها للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.

وفي ألمانيا، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة المكاتب المكيفة 50%، مقارنة بما يتراوح بين 90 و95% في دول جنوب أوروبا، ما يؤدي إلى خسائر إنتاجية تُقدَّر بنحو 430 مليون يورو يوميًا عند تجاوز الحرارة 30 درجة مئوية.
ويرى خبراء أن الفجوة في التكيف تعود إلى تركيز السياسات لعقود طويلة على مواجهة البرد، بدلًا من الاستعداد للحرارة، وهو ما يتطلب إعادة تصميم البنية التحتية وأنماط العمل.

وبدأت بعض الشركات في اتخاذ خطوات عملية، مثل استخدام تقنيات بسيطة منخفضة التكلفة، كالأفلام العاكسة على النوافذ لتقليل درجات الحرارة داخل المباني، دون الحاجة إلى استهلاك الطاقة.
لكن التكيف الشامل يتطلب تغييرات أعمق، تشمل إعادة تنظيم ساعات العمل، وتطوير شبكات النقل، وإعادة تخطيط المدن لتكون أكثر قدرة على مواجهة الحرارة.
ورغم التحديات، حققت أوروبا تقدمًا مقارنة بموجة الحر القاتلة في عام 2003، التي تسببت في نحو 70 ألف وفاة. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن إجراءات التكيف الحالية، مثل أنظمة الإنذار المبكر وخطط الطوارئ ومراكز التبريد، ساهمت في تقليل الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة تصل إلى 80%.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن الحاجة إلى توسيع هذه الإجراءات باتت ملحّة، في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي، وتحول تأثيراته إلى واقع يومي يهدد الاقتصادات والمجتمعات على حد سواء.





