الذكاء الاصطناعي يقترب من التحكم في الطقس للحد من الكوارث الطبيعية
تقنية «الصندوق الأسود» تفتح آفاقًا جديدة للتدخل في الطقس ومواجهة الكوارث
في ظل تزايد الكوارث الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ، مثل الأعاصير والأمطار الغزيرة والفيضانات، يسعى العلماء إلى تطوير أدوات جديدة يمكن أن تساعد مستقبلًا في الحد من آثار هذه الظواهر وتقليل خسائرها البشرية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، توصل فريق بحثي من جامعة هيروشيما اليابانية إلى نتائج واعدة تشير إلى إمكانية استخدام خوارزميات متقدمة تعتمد على ما يعرف بـ«تحسين الصندوق الأسود» (Black-Box Optimization) لتصميم تدخلات جوية قادرة على تقليل معدلات هطول الأمطار في مناطق محددة، وذلك باستخدام موارد حاسوبية محدودة نسبيًا مقارنة بالنماذج التقليدية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Journal of Computational Science .
تزايد الكوارث المرتبطة بالمناخ

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة وشدة الظواهر الجوية المتطرفة نتيجة الاحترار العالمي، ما أدى إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا.
وأدى ذلك إلى تصاعد الاهتمام بمجال التحكم في الطقس، وهو مجموعة من التدخلات البشرية الهادفة إلى التأثير المتعمد في بعض الظواهر الجوية بهدف الحد من المخاطر أو إدارة الموارد المائية.
إلا أن دراسة مثل هذه التدخلات تمثل تحديًا كبيرًا، لأن الغلاف الجوي يُعد من أكثر الأنظمة الطبيعية تعقيدًا، ما يجعل محاكاته بدقة عملية مكلفة للغاية من الناحية الحسابية.
لماذا تواجه النماذج التقليدية صعوبة؟
تعتمد النماذج الحديثة للتنبؤ بالطقس على محاكاة عدد هائل من المتغيرات الفيزيائية والكيميائية التي تتحكم في حركة الغلاف الجوي.
وكلما زادت دقة النموذج، ارتفعت الحاجة إلى قدرات حوسبة هائلة وأوقات تشغيل طويلة، ما يحد من إمكانية اختبار عدد كبير من سيناريوهات التدخل المناخي.
وقال ماساكي أوجورا، أستاذ الدراسات العليا للعلوم والهندسة المتقدمة بجامعة هيروشيما والمؤلف الرئيس للدراسة: “سعينا إلى معرفة كيفية تصميم تدخلات فعالة لتقليل هطول الأمطار عندما تكون المحاكاة الجوية شديدة التعقيد ومكلفة ولا توفر معلومات دقيقة عن اتجاهات التحسين”.
وأضاف أن أي وسيلة عملية للتدخل في الطقس مستقبلاً يجب أن تكون قادرة على العمل ضمن قيود حاسوبية صارمة.
ما هو «تحسين الصندوق الأسود»؟
يلجأ الباحثون في بعض المجالات إلى أسلوب يعرف باسم «تحسين الصندوق الأسود»، عندما تكون آلية عمل النظام الداخلي غير معروفة بالكامل أو معقدة للغاية بحيث يصعب تمثيلها رياضيًا.
ويركز هذا الأسلوب على دراسة العلاقة بين المدخلات والمخرجات فقط، دون الحاجة إلى فهم جميع التفاصيل الداخلية للنظام.
وبدلاً من تحليل كل العمليات الجوية المعقدة داخل النموذج، تحاول الخوارزميات اكتشاف أفضل الإجراءات الممكنة من خلال تجارب متكررة وذكية تعتمد على النتائج السابقة.
اختبار أربع خوارزميات مختلفة
اختبر الباحثون أربع خوارزميات مختلفة هي:
- التحسين البايزي(Bayesian Optimization).
- البحث العشوائي(Random Search).
- تحسين أسراب الجسيمات(Particle Swarm Optimization).
- الخوارزميات الجينية(Genetic Algorithms).
واستخدم الفريق نموذجًا متقدمًا للتنبؤ العددي بالطقس يعرف باسم SCALE-RM، وهو نموذج مطور خصيصًا لأبحاث المناخ والغلاف الجوي.
وأجرى الباحثون تجربتين منفصلتين:
الأولى في بيئة مبسطة تمثل ظروفًا جوية محدودة.
أما الثانية فاعتمدت على محاكاة أكثر واقعية وتعقيدًا للغلاف الجوي الحقيقي.
وفي كلا السيناريوهين، حاول العلماء تقليل كمية الأمطار فوق منطقة مستهدفة من خلال تعديل أنماط الرياح داخل النموذج.
التحسين البايزي يحقق أفضل النتائج
أظهرت النتائج تفوق خوارزمية التحسين البايزي على جميع الأساليب الأخرى التي خضعت للاختبار.
وأوضح أوجورا أن هذه الخوارزمية نجحت في تحقيق انخفاض ملموس في كميات الأمطار رغم العدد المحدود جدًا من عمليات المحاكاة المتاحة.
وقال: “كان من اللافت أننا تمكنّا من تحقيق خفض فعّال للأمطار رغم الميزانية المحدودة للمحاكاة الجوية المكلفة، إذ كان على الخوارزمية اكتشاف التدخلات الأكثر فعالية من خلال عدد صغير فقط من التجارب”.
ويشير ذلك إلى أن هذا النهج قد يتيح مستقبلاً تصميم استراتيجيات تدخل مناخي أكثر كفاءة دون الحاجة إلى موارد حاسوبية ضخمة.
أهمية النتائج في الحد من الكوارث

يرى الباحثون أن الدراسة تمثل خطوة أولية نحو تطوير أدوات رقمية يمكن أن تدعم مستقبلاً جهود الحد من مخاطر الفيضانات والكوارث المرتبطة بالأمطار الغزيرة.
كما قد تسهم في تعزيز أبحاث هندسة المناخ، وهو المجال الذي يدرس التدخلات البشرية الواسعة النطاق للتأثير في الأنظمة المناخية بهدف مواجهة آثار تغير المناخ.
ومع ذلك، يؤكد الفريق أن النتائج الحالية لا تعني إمكانية التحكم المباشر في الطقس على نطاق واسع في الوقت الراهن، وإنما توفر إطارًا حسابيًا واعدًا لاختبار وتقييم التدخلات المحتملة.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
يحذر الباحثون من أن نتائج الدراسة قد لا تنطبق على جميع السيناريوهات الجوية أو المناخية، نظرًا لتنوع الظروف الجوية واختلافها من منطقة إلى أخرى.
ويخطط الفريق في المرحلة المقبلة لاختبار النموذج في بيئات مناخية أكثر تنوعًا، وفهم الأسباب التي تجعل بعض الخوارزميات أكثر كفاءة من غيرها.
ويأمل الباحثون أن يسهم هذا العمل في بناء أساس علمي موثوق يمكن الاعتماد عليه مستقبلًا لتطوير تقنيات التدخل الجوي والحد من آثار الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ.





