مع ارتفاع مستويات البحار، قد يُمحى جزء مهم من التاريخ الأمريكي. ففي جيمستاون بولاية فرجينيا، أحد أبرز المواقع في تاريخ الولايات المتحدة، يدور سباق مع الزمن في مواجهة المياه المتصاعدة.
يتوقف شون رومو، مدير علم الآثار في مشروع “إعادة اكتشاف جيمستاون“، عن الحفر فور ملاحظته خطًا باهتًا يظهر في التربة الرملية. ورغم أنه مجرد تغير طفيف في اللون، فإنه قد يمثل جزءًا جديدًا من قصة نشأة أمريكا.
يقول رومو بهدوء: “أعتقد أنه قد يكون بوابة”. فكل شبر من الأرض يحمل احتمال الكشف عن شيء لم يرَ النور منذ أوائل القرن السابع عشر. ويضيف: “لا يمكنك أن تغرس مجرفة في الأرض دون أن تجد شيئًا”.
تُعد هذه الجزيرة الصغيرة على نهر جيمس من أكثر المواقع أهمية في التاريخ الأمريكي، إذ شهدت تأسيس أول مستوطنة إنجليزية دائمة في أمريكا الشمالية عام 1607، وانعقاد أول مجلس تمثيلي عام 1619، كما كانت موقع زواج بوكاهونتاس من جون رولف، ووصول أول الأفارقة المستعبدين، في بداية نظام الرق الذي أثر في تاريخ البلاد لقرون.
ويؤكد رومو: “يصعب إيجاد مكان له تأثير أكبر على التاريخ الأمريكي من جيمستاون. فهنا بدأت القصة، وبدونها لم تكن الولايات المتحدة الحديثة”.
ورغم استمرار علماء الآثار في كشف الماضي، فإن الموقع نفسه مهدد بالاختفاء بسبب ارتفاع مستوى المياه.
لطالما اعتُقد أن حصن جيمس الأصلي اختفى في النهر، حتى أعيد اكتشافه عام 1994. ومنذ ذلك الحين، تم العثور على أكثر من 5 ملايين قطعة أثرية، تشمل زجاجات وفخارًا وأدوات وخرزًا وبقايا بشرية، ما ساهم في إعادة تشكيل فهم المؤرخين لحياة المستوطنين الإنجليز وسكان بوهاتان الأصليين والأفارقة المستعبدين.

لكن جيمستاون تواجه خطرًا متزايدًا، إذ ارتفع مستوى البحر بنحو 1.6 قدم خلال القرن الماضي، ومن المتوقع أن يرتفع ثلاثة أقدام إضافية أو أكثر بحلول عام 2075. ويؤدي ذلك إلى تآكل الجزيرة من جانب، بينما تزحف الأراضي الرطبة من الجانب الآخر، كما تتعرض مواقع الحفر للغمر بالمياه بشكل متكرر.
يقول رومو: “نحرص دائمًا على الدقة، لكننا بحاجة لتسريع العمل لأننا نواجه تهديدًا حقيقيًا من تغير المناخ، وأخطر ما نواجهه هو الفيضانات”.
تساعد تقنيات الرادار المخترق للأرض الباحثين في تحديد ما تحت السطح قبل الحفر، ما يسمح بالتركيز على المناطق الأكثر عرضة للخطر. وأصبحت كل عملية تنقيب أشبه بعملية إنقاذ، لتحديد ما يمكن حفظه قبل أن تغمره المياه.
ولا تقتصر المشكلة على جيمستاون، بل تمتد على طول السواحل الأمريكية، حيث يؤدي احتراق الوقود الأحفوري إلى ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد، ما يرفع مستوى البحار. وتشير التقديرات إلى أن 2.5 مليون أمريكي، إلى جانب مواقع تاريخية مهمة، قد يواجهون فيضانات ساحلية بحلول عام 2050.
يقول روب يونغ، الجيولوجي الساحلي بجامعة ويسترن كارولاينا: “الخريطة تتغير، وتغير المناخ يجعل هذا التغير أسرع بكثير مما كان عليه قبل قرن”.
ولا تقتصر التداعيات على المواقع الأثرية، بل تشمل الطرق والمرافق السياحية التي تتعرض للغمر، إلى جانب تآكل الجزر الحاجزة بسرعة كبيرة، كما يحدث في سواحل نورث كارولاينا، حيث تنهار المنازل في المحيط.

وفي عام 1999، تم نقل منارة “كيب هاتيراس” إلى الداخل لحمايتها، لكن بعض المواقع لا يمكن نقلها، مثل حصن “فورت سمتر”.
ويؤكد يونغ أن الولايات المتحدة ستضطر لاتخاذ قرارات صعبة بشأن ما يمكن حمايته وما قد يُفقد.
تم تعزيز الجدار البحري في جيمستاون، الذي يعود إلى عام 1902، بصخور ضخمة للحد من التآكل، إلا أن ذلك يعد حلًا مؤقتًا.
ويحذر رومو: “إذا لم نفعل شيئًا، سننتقل من جزيرة جيمستاون إلى جزر متعددة خلال 50 عامًا. الوقت للتحرك هو الآن، لحماية هذا المكان وضمان أن تتمكن الأجيال القادمة من التعلم من الموقع الذي شهد ولادة التاريخ الأمريكي”.





