سباق القمر يشتعل.. هل تسبق الصين الولايات المتحدة إلى هبوط البشر على القمر؟
من يصل أولًا؟ شهور تحسم سباق القمر بين أكبر قوتين عالميتين.. معركة النفوذ تبدأ في الفضاء
يشهد العالم سباقًا جديدًا نحو القمر، حيث تتنافس الولايات المتحدة والصين على تنفيذ أول هبوط بشري منذ نحو ستة عقود.
وبينما أرسلت وكالة “ناسا” مؤخرًا أربعة رواد فضاء في مهمة حول القمر، فإن الهدف الأكبر يتمثل في العودة إلى سطحه، في إطار سباق متجدد مع بكين.
تسعى الدولتان إلى بناء قواعد مأهولة على القمر، في خطوة قد تمثل أول استيطان بشري خارج الأرض، إلى جانب البحث عن موارد نادرة واستخدام البيئة الفضائية لاختبار تقنيات الرحلات المأهولة إلى المريخ.
وتتنافس وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” مع إدارة الفضاء الوطنية الصينية، في ظل تفوق تاريخي أمريكي يعود إلى برنامج “أبولو”، مقابل تسارع ملحوظ في البرنامج الصيني خلال العقود الأخيرة.

سيناريو أشبه بلعبة السلحفاة والأرنب
تأسس برنامج الصين لرحلات الفضاء البشرية في التسعينيات، لكنه شهد تسارعاً ملحوظاً خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، كما أنه يتعاون مع الجيش والشركات المحلية، ورغم أن الصين لم ترسل رائد فضاء إلى ما وراء مدار الأرض المنخفض، إلا أن بكين تمتلك بالفعل محطة فضائية خاصة بها، وعلى عكس وكالة ناسا، تتمتع بسجل حافل بالالتزام بجدولها الزمني.
قال مانلي، المقيم في الولايات المتحدة: “عندما يضعون هدفاً، فإنهم عادةً ما يلتزمون به بدقة”، وأضاف أن الصين، بعد أن “تفوقت على روسيا في كل شيء تقريباً من حيث قدراتها الفضائية”، تدير الآن “برنامجاً فضائياً مدروساً للغاية، ولكنه ليس بالضرورة سريعاً”.
قبل عقد من الزمن، أدلى جيمس لويس، الدبلوماسي الأمريكي السابق، بشهادته أمام لجنة في الكونغرس قائلاً إن الولايات المتحدة، بعد فوزها في سباق الوصول إلى القمر على الاتحاد السوفيتي، “فقدت اهتمامها بالفضاء إلى حد كبير”، بينما كانت الصين تُكثّف برنامجها.
وأضاف: “ما لا نريده هو سيناريو أشبه بلعبة السلحفاة والأرنب، حيث تتجاوز الصين الولايات المتحدة ببطء”.
تواجه “ناسا” تحديات كثيرة
ورغم هذا الإرث، تعمل “ناسا” بميزانية أقل بكثير مقارنة بفترة الستينيات، كما تواجه تحديات تتعلق بتغير الإدارات السياسية، ما يعرقل تنفيذ خطط طويلة الأجل، على عكس الصين التي تستفيد من استقرار سياسي يدعم استمرارية برامجها الفضائية.
ولتسريع وتيرة العمل، تعتمد “ناسا” على شركات خاصة مثل “سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك و“بلو أوريجن” المملوكة لجيف بيزوس، اللتين تسعيان لتطوير مركبات هبوط قمري استعدادًا لاختبارات مرتقبة.

من ينجح في الاستمرار وبناء وجود دائم
ويختلف هذا السباق عن نظيره خلال الحرب الباردة، إذ يُتوقع أن يكون طويل الأمد، قائمًا على تنفيذ سلسلة من المهمات المتكررة، ويؤكد خبراء أن التفوق لن يكون لمن يصل أولًا فقط، بل لمن ينجح في الاستمرار وبناء وجود دائم على سطح القمر.
وتخطط “ناسا” لتنفيذ هبوط بشري في 2028، مع احتمالات التأجيل، بينما تستهدف الصين عام 2030، مع إمكانية تسريع الجدول الزمني. وتشير التقديرات إلى أن الفارق بين الفوز والخسارة قد يُقاس بالأشهر لا السنوات.
قال سكوت مانلي، عالم الفيزياء الفلكية الاسكتلندي والخبير في هندسة الصواريخ: “ما يوضحه هذا الأمر حقًا هو أنه لا يهم من يصل إلى القمر تاليًا، بل المهم هو من يصل إليه في المرات العشر التالية. الدولة التي تستمر في التقدم هي التي ستبدأ بالفوز فعليًا، وستبدأ بالسيطرة على الفضاء. هذا أمر بالغ الأهمية.”
وبما أن الفضاء منطقة ذات إجماع قانوني غامض، فمن المرجح أن تكون الدولة الأولى التي تؤسس وجودًا على سطح القمر الغني بالموارد هي الأسبقية في تحديد القواعد.
مع ذلك، ستكون أول مهمة عودة مأهولة بلا شك انتصارًا رمزيًا كبيرًا، محليًا ودوليًا، وتعبيرًا عن القوة. وتُبرز وكالة ناسا هذا العنصر التنافسي باستمرار، إذ تسعى لخلق شعور بالإلحاح لحث الكونجرس على تمويله.
وصرح رئيس ناسا، جاريد إسحاقمان، هذا الأسبوع بوجود منافسة عالمية على “السيطرة على الفضاء”، مضيفًا: “عندما تخوض منافسة، لا تريد أن تخسر”.

برنامج بكين الفضائي
وخلال السنوات الماضية، حققت الصين تقدمًا ملحوظًا، حيث نجحت في إنشاء محطة فضائية خاصة بها، كما أصبحت أول دولة تجلب عينات من الجانب البعيد للقمر عبر مهمة “تشانغ آه-6” عام 2024.
وتواصل بكين تطوير تقنياتها، بما في ذلك صاروخ “لونج مارش-10” ومركبة “منغجتشو”، إضافة إلى مركبة الهبوط “لانييوي”، وبدلات فضائية جديدة مصممة لتعزيز الحركة على سطح القمر.
قال شي جينجشين، الأستاذ بجامعة تشونجتشينج والعالم الصيني البارز الذي قاد تجارب رئيسية في برنامج بكين الفضائي، بما في ذلك التجربة الرائدة عام 2019 التي تم فيها إنماء ورقة خضراء على سطح القمر لأول مرة: “بشكل عام، يبدو أن التقدم يسير بسلاسة”، وفي تجربة أخرى له، فقست فراشة في الفضاء.

تُجري بكين بانتظام اختبارات على معداتها الخاصة بالرحلات المأهولة، والتي ستستخدم صاروخ “لونج مارش-10″ لإطلاق كبسولة الفضاء ” مينجتشو ” أو “قارب الأحلام”، وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء، بعد ذلك، ستنقل مركبة هبوط قمرية طولها تسعة أمتار تُدعى “لانيو” (وتعني “احتضان القمر”) رائدَي فضاء إلى سطح القمر، حيث سيتنقلان برشاقة مرتدين بدلة فضاء صينية جديدة. صُممت بدلة “وانغيو” (وتعني “التأمل في الكون”) لتكون أكثر مرونة، مما يسمح لرواد الفضاء بالانحناء بسهولة على سطح القمر الوعر.

على مدى السنوات العشر الماضية، أعادت وكالة ناسا تنشيط برنامجها الفضائي المأهول، والذي يُطلق عليه اسم أرتميس نسبةً إلى إلهة القمر اليونانية، الشقيقة التوأم لأبولو. وقد تُوّج هذا البرنامج هذا الشهر بأول مهمة مأهولة إلى جوار القمر منذ عام 1972.
في الوقت نفسه، حققت الصين – التي تُطلق على بعثاتها لاستكشاف القمر اسم “تشانغ إي” نسبةً إلى إلهة القمر الصينية – تقدماً هائلاً في اللحاق بالركب، وحطمت أرقاماً قياسية أخرى. ففي عام 2024، أصبحت الصين أول دولة تستخرج عينات من الجانب البعيد للقمر بواسطة المسبار “تشانغ إي-6” .
ومن المقرر إطلاق “تشانج إي-7” في أواخر عام 2026 للبحث عن جليد الماء في القطب الجنوبي، وهو عنصر حيوي لاستدامة الوجود البشري.
القمر قد يصبح ساحة للتعاون الدولي
في المقابل، لا تزال مركبات الهبوط الأمريكية قيد التطوير، ما يثير تساؤلات حول قدرة “ناسا” على الالتزام بالجدول الزمني الطموح.
ويرى بعض العلماء أن القمر قد يصبح ساحة للتعاون الدولي، على غرار القارة القطبية الجنوبية، إلا أن التوترات السياسية بين واشنطن وبكين تعيق هذا السيناريو، خاصة في ظل القيود الأمريكية على التعاون مع الصين.
ورغم ذلك، تواصل دول أوروبية التعاون مع الصين في بعض المهمات، ما يعكس تحولًا في موازين الشراكات الفضائية عالميًا.






