أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

ابتكار صيني يحول المخلفات البلاستيكية إلى وقود طيران مستدام بسعر منافس

تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود طائرات بتكلفة منخفضة قد تعيد رسم مستقبل الطيران

في تطور علمي قد يفتح صفحة جديدة في مواجهة اثنتين من أكبر الأزمات البيئية العالمية، نجح باحثون صينيون في تطوير تقنية متقدمة لتحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود طائرات عالي الجودة وبتكلفة إنتاج تنافسية، في خطوة تجمع بين الحد من التلوث البلاستيكي وخفض البصمة الكربونية لقطاع الطيران، أحد أكثر القطاعات مساهمة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتوصل فريق بحثي من Nanjing Forestry University وTsinghua University ومؤسسات بحثية أخرى إلى طريقة جديدة لإنتاج وقود طيران مستدام من المخلفات البلاستيكية، مع إمكانية تسويق المنتج النهائي بسعر يتراوح بين دولار واحد و1.8 دولار للكيلوجرام فقط، وهو مستوى يجعل التقنية منافسة اقتصاديًا للوقود التقليدي.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Energy، حيث اعتبر الباحثون أن ما تحقق يمثل انتقالًا فعليًا من التجارب المخبرية المحدودة إلى إمكانية بناء صناعة متكاملة لإعادة تدوير البلاستيك وتحويله إلى وقود للطائرات على نطاق واسع.

الطيران وأزمة الانبعاثات العالمية

يمثل قطاع الطيران تحديًا كبيرًا أمام الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على الوقود الأحفوري عالي الكثافة الطاقية.

ومع توقعات استمرار نمو حركة الطيران العالمية خلال العقود المقبلة، تبحث الحكومات والشركات عن بدائل قادرة على خفض الانبعاثات دون التأثير على كفاءة الطائرات أو سلامة التشغيل.

وفي الوقت نفسه، ينتج العالم مئات ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية سنويًا، بينما تنتهي كميات ضخمة منها في مكبات النفايات أو المحيطات أو يتم حرقها، مما يفاقم التلوث البيئي ويزيد انبعاثات الكربون.

ويطرح هذا الواقع سؤالًا استراتيجيًا: هل يمكن تحويل أحد أكبر مصادر التلوث في العالم إلى مصدر للطاقة النظيفة نسبيًا؟

تدوير النفايات البلاستيكية
تدوير النفايات البلاستيكية

كيف تتحول النفايات البلاستيكية إلى وقود للطائرات؟

اعتمد الباحثون على عملية كيميائية متقدمة تجمع بين مرحلتين مترابطتين.

  • في المرحلة الأولى، تخضع النفايات البلاستيكية لعملية تفكك حراري هيدروجيني عند درجة حرارة تصل إلى 460 درجة مئوية، حيث تتحلل البوليمرات البلاستيكية المعقدة إلى جزيئات هيدروكربونية أصغر.
  • أما المرحلة الثانية فتتم عند درجة حرارة أقل بكثير تبلغ نحو 160 درجة مئوية، حيث تمر الأبخرة الناتجة عبر محفز متطور يحولها إلى مركبات هيدروكربونية حلقية كثيفة تشبه تلك المستخدمة في وقود الطائرات التجاري.

ويتميز الوقود الناتج بخصائص تشغيلية مهمة، من بينها كثافة طاقية مرتفعة وقدرة جيدة على تحمل الظروف الحرارية القاسية التي تواجهها الطائرات أثناء الرحلات.

المخلفات البلاستيكية

محفز ذري يغير قواعد اللعبة

يكمن جوهر الابتكار في تطوير محفز جديد يعتمد على ذرات منفردة من عنصر الروثينيوم موزعة بدقة على أكسيد الكوبالت والألومنيوم.

ويؤكد الباحثونن أن هذه البنية الذرية تمنح المحفز قدرة استثنائية على التحكم في مسار التفاعلات الكيميائية، ما يسمح بإنتاج وقود عالي الجودة بدلًا من خليط واسع وعشوائي من المركبات الهيدروكربونية كما يحدث في كثير من تقنيات إعادة التدوير التقليدية.

ووفق الدراسة، حقق المحفز الجديد أداءً يفوق بأكثر من 100 مرة بعض المحفزات التجارية المستخدمة حاليًا في الخطوة الأساسية من عملية التحويل.

وقود الطيران المستدام

حل لمشكلتين عالميتين في وقت واحد

تتجاوز أهمية التقنية الجديدة مجرد إنتاج وقود بديل للطائرات، فمن ناحية أولى، توفر وسيلة فعالة للتعامل مع كميات ضخمة من النفايات البلاستيكية التي تمثل تحديًا بيئيًا متزايدًا في مختلف دول العالم.

ومن ناحية ثانية، تتيح إنتاج وقود مستدام يمكن أن يساهم في تقليل الاعتماد على النفط الخام وخفض الانبعاثات المرتبطة بصناعة الطيران.

ويشير الباحثون إلى أن دمج هذه التقنية ضمن منظومات إدارة النفايات قد يحول المخلفات البلاستيكية من عبء بيئي واقتصادي إلى مورد استراتيجي للطاقة.

توقيع عقد مشروع وقود الطائرات المستدام بين اقتصادية قناة السويس وشركة المانع القطرية

تكلفة إنتاج منافسة

أحد أبرز نتائج الدراسة يتمثل في الجدوى الاقتصادية للتقنية الجديدة، فبحسب التحليل الاقتصادي والتقني الذي أجراه الفريق البحثي، يمكن إنتاج الوقود بسعر يتراوح بين 1 و1.8 دولار للكيلوجرام، وهو مستوى تنافسي مقارنة بالعديد من أنواع وقود الطيران المستدام التي لا تزال تعاني ارتفاع التكاليف.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على شركات الطيران لتقليل انبعاثاتها دون تحمل أعباء مالية ضخمة قد تنعكس على أسعار التذاكر والخدمات.

من المختبر إلى الإنتاج الصناعي

أكد الباحثون أنهم نجحوا بالفعل في تصنيع المحفز الجديد واختباره على نطاق أكبر من التجارب المخبرية التقليدية، مع الحفاظ على كفاءته وأدائه.

ويعمل الفريق حاليًا على تطوير أنظمة تغذية مستمرة للنفايات البلاستيكية وتحسين استقرار المحفز خلال التشغيل طويل الأمد، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل الإنتاج شبه الصناعي ثم التجاري.

كما يركز الباحثون على رفع كفاءة المحفزات الذرية المستخدمة وتقليل استهلاك الطاقة والمواد الخام اللازمة للعملية.

مستقبل جديد لإعادة تدوير البلاستيك

تشير نتائج الدراسة إلى أن إعادة تدوير البلاستيك قد تدخل مرحلة جديدة تتجاوز إنتاج المواد البلاستيكية الثانوية أو المنتجات منخفضة القيمة.

فبدلًا من إعادة تدوير البلاستيك إلى منتجات محدودة العمر الافتراضي، يمكن تحويله إلى وقود عالي القيمة الاقتصادية يستخدم في أحد أكثر القطاعات احتياجًا إلى حلول منخفضة الانبعاثات.

ويرى الباحثون أن النجاح في توسيع نطاق هذه التقنية قد يسهم في إنشاء اقتصاد دائري متكامل، تصبح فيه النفايات البلاستيكية مادة أولية لإنتاج وقود الطيران المستدام، بما يحقق فوائد بيئية واقتصادية في آن واحد.

ومع استمرار الضغوط العالمية للحد من التلوث البلاستيكي وخفض انبعاثات قطاع النقل الجوي، تبدو هذه التقنية واحدة من أكثر الحلول الواعدة التي قد تجمع بين معالجة النفايات وتوفير مصادر طاقة بديلة في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading