وجهات نظر

د.نسرين السعيد: من لب الفاكهة إلى حلوى صحية.. ابتكار يحول الخامات الزراعية إلى منتجات غذائية مستدامة

رئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث تكنولوجيا الاغذية بمركز البحوث الزراعية- عضو الجمعية المصرية لبحوث الغذاء والصحة والتثقيف الغذائي

ابتكار في تكنولوجيا الأغذية يستفيد من لب وعصائر الفاكهة والخضروات لإنتاج شرائح وقطع حلوى مجففة دون ألوان أو نكهات صناعية أو مواد حافظة

في الوقت الذي يمثل فيه الفاقد الزراعي والغذائي أحد أبرز التحديات أمام منظومة الغذاء، يفتح البحث العلمي الباب أمام أفكار جديدة لتحويل الخامات سريعة التلف إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة، بدلًا من فقد جزء من قيمتها خلال مواسم الوفرة.

ومن بين هذه الأفكار دراسة علمية تناولت الاستفادة من لب وعصائر بعض الفاكهة والخضروات في إنتاج ما يعرف بـ«شرائح الفاكهة» أو «قطع حلوى اللفائف»، وهي منتجات غذائية مجففة يمكن تناولها كوجبة خفيفة أو حلوى، مع الاحتفاظ بجزء من المكونات الطبيعية والقيمة الغذائية للخامات المستخدمة.

الدراسة، التي تحمل عنوان “Utilization of Some Fruits and Vegetables Pulp in Processing (Sheets’ Sweets Pieces) Products”، أعدتها الباحثة الأستاذة الدكتورة نسرين محمد السعيد علي، من معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية، ونُشرت في Bulletin of the National Nutrition Institute of the Arab Republic of Egypt ضمن العدد 54، في ديسمبر 2019، وفق النسخة المنشورة من البحث.

من مشكلة موسمية إلى منتج غذائي

تنطلق الفكرة من مشكلة واضحة في قطاع المنتجات البستانية؛ فالعديد من الفاكهة الطازجة يرتبط بمواسم إنتاج محددة، كما أن ارتفاع محتواها من الرطوبة يجعلها سريعة التلف نسبيًا، وهو ما يفرض الحاجة إلى وسائل للتصنيع والحفظ وإطالة فترة الاستفادة منها.

وهنا يأتي تصنيع شرائح الفاكهة والخضروات كأحد الحلول التي تسمح بتحويل اللب أو العصير إلى منتج أكثر ملاءمة للتخزين والتداول، من خلال خفض محتواه من الرطوبة بالتجفيف.

وتوضح الدراسة أن «Fruit leather»، أو شرائح الفاكهة المجففة، تعد منتجًا غذائيًا قائمًا على الفاكهة يتم الحصول عليه من خلال تجفيف المهروس أو اللب في صورة شرائح مرنة، ويمكن تناوله كوجبة خفيفة أو حلوى.

وبذلك تتحول الفاكهة من خامة موسمية سريعة التلف إلى منتج يمكن الاحتفاظ به والاستفادة منه لفترة أطول، مع إمكانية تنويع المنتج وفقًا لنوع الفاكهة أو الخضروات المستخدمة.

الفكرة ليست مجرد حلوى

القيمة الأساسية في الابتكار لا تكمن فقط في إنتاج شكل جديد من الحلوى، وإنما في إعادة توظيف مكونات خامات زراعية طبيعية داخل منتج غذائي قابل للتصنيع.

واعتمدت الدراسة على استخدام لب وعصائر بعض الفاكهة والخضروات، من بينها المشمش، والكاكا، والتين الشوكي، والقرع، والجزر، والتوت الذهبي، وإجراء معاملات تصنيع وتجفيف لها لإنتاج شرائح وقطع حلوى، ثم تقييم خصائصها الكيميائية والغذائية والحسية ومقارنتها بعينات ضابطة وتجارية.

وتشير نتائج البحث إلى إمكانية تكوين البكتين أثناء عملية التصنيع باستخدام مكونات مثل عصير الليمون أو ملح الليمون مع كمية من السكر، مع عدم الحاجة إلى استخدام مواد رابطة أو مواد حافظة صناعية وفق الطريقة التي تناولتها الدراسة.

وهذه النقطة تمنح الفكرة أهمية خاصة من منظور تكنولوجيا الأغذية؛ إذ إن الهدف لا يتمثل فقط في حفظ الفاكهة، وإنما في تحويلها إلى منتج جديد يحتفظ بجزء من خصائص المادة الخام ويمنحها استخدامًا وقيمة اقتصادية إضافية.

ماذا وجد البحث؟

لم تكتف الدراسة بتصنيع المنتجات، وإنما أجرت مجموعة من التحليلات لتقييم تركيبها وخصائصها.

وأظهرت النتائج اختلاف المحتوى الغذائي بين المنتجات وفقًا لنوع الخامة المستخدمة. فعلى سبيل المثال، سجلت عينة شرائح التوت الذهبي أعلى قيمة لفيتامين «C» بين العينات التي تناولتها الدراسة، وبلغت 53.4 ملجم لكل 100 جرام، بينما سجلت شرائح الكاكا والتين الشوكي أعلى مستويات من السكريات الكلية مقارنة بعدد من العينات الأخرى.

كما أظهرت النتائج أن معظم العينات احتوت على عناصر غذائية كبرى ومعادن دقيقة، من بينها الزنك والنحاس والحديد، مع اختلاف مستوياتها بحسب نوع المنتج والخامة الزراعية المستخدمة.

ولم تتوقف الدراسة عند التركيب الكيميائي، إذ شملت أيضًا تقييم النشاط المضاد للأكسدة، إلى جانب اختبار الخصائص الحسية للمنتجات، مثل اللون والطعم والنكهة والقوام والمظهر وقابلية التقبل.

القرع والجزر يلفتان الانتباه

ومن النتائج اللافتة في التقييم الحسي أن شرائح القرع حصلت على أعلى متوسط للتقييم الإجمالي بين المنتجات التي اختبرتها الدراسة، مسجلة 42.8 درجة من أصل 50، بينما حصلت عينة المشمش غير التجارية على 38.6 درجة، والجزر على 37.8 درجة، والتوت الذهبي على 36.9 درجة.

كما أظهرت الاختبارات الحسية أن معظم المنتجات احتفظت بخصائص مقبولة خلال فترة التخزين التي امتدت إلى ثلاثة أشهر في درجة حرارة الغرفة، وفق ظروف الدراسة.

وهذا يعزز الجانب التطبيقي للفكرة، لأنها لا تعتمد فقط على إمكانية تصنيع المنتج، وإنما تنظر أيضًا إلى مدى تقبله من المستهلك وإمكان الاحتفاظ بخصائصه خلال التخزين.

من الفاكهة إلى «حلوى» بمكونات طبيعية

تكتسب الفكرة أهمية إضافية من إمكانية إنتاج شرائح وقطع متعددة النكهات والألوان الطبيعية، اعتمادًا على نوع اللب أو العصير المستخدم.

فاللون والنكهة والتركيب الغذائي لا تأتي بالضرورة من إضافة مكونات صناعية، وإنما يمكن أن ترتبط بطبيعة المادة الزراعية نفسها.

وهذا يفتح الباب أمام تطوير مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية القائمة على الخامات المحلية، بحيث يمكن أن تختلف خصائص المنتج النهائي وفقًا للمحصول المستخدم.

فالتوت الذهبي، مثلًا، يمنح المنتج تركيبة مختلفة عن الجزر أو القرع أو الكاكا أو التين الشوكي، وهو ما يعني إمكانية بناء مجموعة متنوعة من المنتجات انطلاقًا من قاعدة تصنيع واحدة.

تقليل الفاقد.. والقيمة تبدأ من الحقل

من منظور الاستدامة، تكمن أهمية هذا النوع من الابتكارات في أنه يربط بين التصنيع الغذائي وإدارة الموارد الزراعية وتقليل الفاقد.

فبدلًا من اقتصار الاستفادة من المحصول على بيعه طازجًا خلال فترة زمنية قصيرة، يمكن توجيه جزء من الإنتاج إلى التصنيع، وإطالة عمره الاقتصادي وتحويله إلى منتج جديد.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل فائض زراعي يمكن تحويله تلقائيًا إلى منتج غذائي، فالتطبيق التجاري يحتاج إلى دراسات إضافية تتعلق بسلامة الغذاء، والتعبئة، والتخزين، والتكلفة، والقدرة الإنتاجية، وقبول المستهلك، والاشتراطات التنظيمية.

لكن الفكرة في حد ذاتها تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية استخدام البحث العلمي في تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية بدلًا من التعامل معها باعتبارها خامات أولية فقط.

فرصة أمام الصناعات الغذائية الصغيرة

وتبرز هنا إمكانية توظيف هذه التكنولوجيا في مشروعات التصنيع الغذائي الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا في المناطق الزراعية التي تتوافر فيها الفاكهة والخضروات بكميات كبيرة خلال مواسم الحصاد.

فإنشاء وحدات صغيرة لتصنيع المنتجات المجففة يمكن أن يمثل حلقة إضافية في سلسلة القيمة الزراعية، بحيث لا تتوقف استفادة المنتج أو المزارع عند بيع المحصول الخام، وإنما تمتد إلى مراحل التصنيع والتعبئة والتسويق.

كما يمكن أن تمنح هذه المنتجات المحاصيل المحلية فرصة للوصول إلى أسواق جديدة، سواء في صورة وجبات خفيفة أو منتجات غذائية مجففة أو مكونات تدخل في تصنيع منتجات أخرى.

وهنا يتحول البحث العلمي من مجرد تجربة داخل المعمل إلى نقطة بداية محتملة لسلسلة اقتصادية تبدأ بالمحصول وتنتهي بمنتج غذائي ذي قيمة مضافة.

منتج غذائي.. ولكن بشروط

ورغم جاذبية فكرة تقديم شرائح الفاكهة والخضروات كبديل لبعض أنواع الحلوى، فإن وصف المنتج بأنه «صحي» يجب أن يرتبط بتركيبته النهائية وطريقة تصنيعه وكميات السكر المستخدمة وحجم الحصة الغذائية، وليس بمجرد احتوائه على الفاكهة.

وهذه نقطة مهمة عند الانتقال من البحث العلمي إلى السوق؛ فالمستهلك يحتاج إلى منتج آمن، مستقر أثناء التخزين، واضح المكونات والقيمة الغذائية، وفي الوقت نفسه يتمتع بطعم وقوام وسعر قادر على المنافسة.

كما أن وجود مكونات طبيعية لا يعني تلقائيًا أن المنتج يمكن اعتباره مناسبًا لكل الفئات أو أن استهلاكه غير محدود، إذ تظل القيمة الغذائية النهائية مرتبطة بالتركيب وطريقة التصنيع وحجم الحصة.

البحث العلمي في خدمة الاقتصاد الدائري

يمكن النظر إلى هذا الابتكار باعتباره جزءًا من الاتجاه الأوسع نحو الاقتصاد الدائري في قطاع الأغذية، حيث يتم البحث عن طرق لإبقاء الموارد داخل دورة الإنتاج لأطول فترة ممكنة، وتعظيم الاستفادة من الخامات بدلًا من فقد قيمتها.

وفي حالة الفاكهة والخضروات، تصبح عملية التصنيع وسيلة لتمديد القيمة الاقتصادية للمحصول، وتحويله من منتج سريع التلف إلى منتج يمكن تخزينه وتداوله واستخدامه لفترة أطول.

كما أن تصنيع منتجات غذائية من خامات محلية يمكن أن يدعم التصنيع الزراعي، ويوفر فرصًا لمشروعات جديدة، ويشجع على تطوير منتجات مصرية ذات هوية غذائية واضحة.

ومن هذه الزاوية، لا تصبح القضية مجرد «حلوى من الفاكهة»، وإنما نموذجًا مصغرًا لمنظومة أكبر تقوم على البحث العلمي، وتقليل الفاقد، وتعظيم القيمة المضافة، والتصنيع المحلي، والاستدامة الغذائية.

من الدراسة إلى الابتكار

تكشف هذه التجربة عن أهمية تحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى منتجات وتطبيقات قابلة للاختبار والتطوير.

فالبحث المنشور لم يتوقف عند وصف الفكرة، وإنما تناول تصنيع المنتجات وتحليل تركيبها الغذائي والكيميائي، واختبار خصائصها الحسية وقابليتها للتخزين، وانتهى إلى أن استخدام أنواع مختلفة من الفاكهة والخضروات في إنتاج الشرائح المجففة يمثل اتجاهًا تقنيًا واقتصاديًا قابلًا للتطبيق وفق نتائج الدراسة.

كما تشير المعلومات المتاحة عن الباحثة إلى وجود براءات اختراع مسجلة ضمن أعمالها العلمية، إلا أن ربط هذه الدراسة تحديدًا ببراءة اختراع بعينها يحتاج إلى توثيق مستقل لرقم البراءة وبيانات تسجيلها قبل نشر ذلك كحقيقة مؤكدة.

وهذا التفريق مهم صحفيًا، لأن قوة القصة لا تحتاج إلى إضافة معلومة غير موثقة؛ فالبحث نفسه يحمل عناصر قوية تكفي لبناء قصة ابتكار متكاملة.

 عندما تتحول الخامة الزراعية إلى قيمة

تقدم شرائح وقطع الحلوى المصنوعة من لب وعصائر الفاكهة والخضروات نموذجًا لافتًا لكيف يمكن لتكنولوجيا الأغذية أن تعيد التفكير في مصير المحاصيل الزراعية.

الفكرة تبدأ من محصول موسمي سريع التلف، ثم تمر عبر البحث العلمي والتصنيع والتجفيف والتقييم، لتنتهي بمنتج غذائي جديد يمكن تطويره وتسويقه.

والأهم أن القيمة هنا لا تتوقف عند المنتج النهائي؛ فكل كيلو جرام من خامة زراعية يتم تحويلها إلى منتج ذي عمر تخزيني أطول يمثل فرصة لإضافة قيمة جديدة إلى المحصول، وتقليل الاعتماد على بيع الخامة في صورتها الأولية، وفتح مسارات جديدة أمام التصنيع الغذائي.

وهكذا يصبح الابتكار الغذائي أكثر من مجرد وصفة جديدة؛ إنه حلقة في سلسلة تبدأ من الأرض والمحصول، وتمر عبر المعمل والبحث العلمي، وتنتهي بـمنتج وقيمة اقتصادية وفرصة استثمارية.

وفي عالم يبحث بصورة متزايدة عن تقليل الفاقد الغذائي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وبناء نظم غذائية أكثر استدامة، فإن تحويل لب الفاكهة والخضروات إلى منتجات غذائية مبتكرة يوضح كيف يمكن للبحث العلمي أن يصنع قيمة جديدة من موارد موجودة بالفعل، بدلًا من تركها تفقد قيمتها بعد انتهاء موسمها.

المصدر العلمي: Nesreen M. El-Said Ali, “Utilization of Some Fruits and Vegetables Pulp in Processing (Sheets’ Sweets Pieces) Products”، Bulletin of the National Nutrition Institute of the Arab Republic of Egypt.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة