وجهات نظر

د.فوزي يونس: إعادة استخدام المياه العادمة حل استراتيجي للتصدي للشح المائي

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

هناك كثير من التحديات التي تواجهنا حاليا كالتغير المناخي والشح المائي وزيادة التدهور والتصحر في كثير من المناطق في الدول المختلفة وتتعرض له الدول بنسب وصور متابينة الا أن الثابت هو

زيادة الطلب والتنافس على الاستخدامات المختلفة وخاصة علي مصادر المياه مما أدى إلى تفاقم الإجهاد المائي هذا ويعرف هذا الأخير على أنه طلب على المياه يتجاوز العرض المتاح مما يشكل تهديدا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في هذه المناطق كما يتضح بالخريطة التالية.

وإستجابة لهذه التحديات نتسائل عن إمكانية إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة لمواجهة الإجهاد المائي في دول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.

وبتحليل عوامل نجاح هذا النهج والعقبات التي تعوقه ورغم التحديات المرتبطة بتنفيذه يبدو أن هناك عدة أدوات يمكن تفعيلها لتعزيز استخدام المياه المستعملة المعالجة.

هذا وتعتبر منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط من أكثر المناطق تعرضا الآثار التغير المناحي الهيئة الحكومية الدولية المعنية يتغير المناخ 2023) نواجه هذه الدول التي تعد من بين الأكثر معاناة من شح المياه.

بمعدل أقل من مستوى ندرة المياه (1000) متر مكعب للفرد سنويا) تحديات كبيرة.

هذا وتشير التوقعات إلى ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض ملحوظ في معدلات الأمطار وتزايد حدة فترات الجفاف ومن المرجح أن تؤدي هذه الظروف إلى تفاقم المشكلة.

إدارة الموارد المائية

يمكن أن يسهم هذا النهج في تحقيق التنمية المستدامة من خلال:

1. زيادة الموارد المائية

تحويل المياه العادمة إلى مصدر جديد وآمن للاستخدام في أغراض مختلفة مثل الزراعة والصناعة وحتى الشرب بعد معالجتها بمستويات عالية، يخفف الضغط على مصادر المياه العذبة.

2. تحسين الأمن الغذائي

استخدام المياه المعالجة في الري الزراعي يساعد على زيادة الإنتاج الزراعي مما يعزز الأمن الغذائي ويخلق فرص عمل للمجتمعات المحلية.

3. التخفيف من التلوث البيئي

معالجة المياه العادمة قبل إعادة استخدامها تقلل من تلوث الموارد الطبيعية مثل الأنهار والبحار مما يحافظ على النظم البيئية ويعزز صحة المجتمعات.

4. خفض التكاليف الاقتصادية

تقليل الاعتماد على موارد المياه التقليدية قد يخفض تكاليف استيراد المياه أو تحلية مياه البحر مما يوفر موارد اقتصادية يمكن توجيهها لتحسين البنية التحتية والخدمات العامة.

5. تعزيز العدالة المائية

توفير مصادر مياه مستدامة وميسورة التكلفة يعزز وصول المجتمعات الفقيرة إلى المياه مما يسهم في تحسين مستويات المعيشة.

إدارة الموارد المائية

مصر ومعالجتها لقضية المياه العذبة:

تولى مصر قضية المياه أقصى درجات الاهتمام سواء من حيث المحافظة على مواردها المائية وحُسن إدارتها أو الدفاع عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، المورد الرئيسي للمياه وهو ما تمت ترجمته في اتفاقيات قانونية عديدة شاملة ومحددة مع دول حوض النيل تلزم الجميع باحترامها وعدم الإخلال بها وفى المقابل تتعاون مصر مع دول حوض النيل وتشاركها في العديد من المشاريع التنموية لديها.

كما ساهمت مصر في إنشاء العديد من السدود ومحطات مياه الشرب الجوفية وقامت بإعداد الدراسات اللازمة لمشروعات إنشاء السدود متعددة الأغراض لتوفير الكهرباء ومياه الشرب لمواطني الدول الإفريقية ومن أهم هذه الاتفاقيات:‏ اتفاقية ‏1959‏ التي تحصل مصر بمقتضاها على ‏55.5‏ مليار متر مكعب‏ سنويًا من المياه.‏

ويحصل السودان على ‏18.5‏ مليار متر مكعب باعتبار أن الإيراد الكلي للنهر هو ‏84‏ مليارًا يضيع منها نحو ‏10‏ مليارات أثناء الاندفاع من الجنوب إلى الشمال بسبب البخر والتسرب.

واتفاقية إعلان المبادئ عام 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا، في الخرطوم التي أكدت على التعاون المشترك على أساس التفاهم والمنفعة والمكاسب للجميع ومبادئ القانون الدولي، وتفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها.

ولهذا انعكاس علي اهتمام مصر ودورها الريادي في معالجة المياه وانعكاس ذلك علي التوسع الزراعي الأفقي وتعزيز الأمن الغذائي:

تتمتع جمهورية مصر العربية بدور ريادي في معالجة وإعادة استخدام المياه العادمة كجزء من استراتيجياتها لمواجهة الشح المائي وتعزيز الأمن الغذائي خاصة في ظل التحديات المناخية وزيادة الطلب على المياه.

وهذا الدور الريادي ينعكس بشكل واضح على التوسع الزراعي الأفقي وتحقيق الأمن الغذائي محليًا وإقليميًا ودوليًا من خلال النقاط التالية يمكنا الوقوف علي ذلك:

إدارة الموارد المائية

1. مشروعات قومية مبتكرة لمعالجة المياه

مصر نفذت مشروعات ضخمة مثل:

* محطة بحر البقر أكبر محطة لمعالجة المياه العادمة في العالم بطاقة تصل إلى 5.6 مليون متر مكعب يوميًا لاستخدامها في استصلاح الأراضي الزراعية في شمال سيناء.

* محطة المحسمة التي تعالج 1 مليون متر مكعب يوميًا، لإعادة استخدام المياه في ري الأراضي الزراعية في سيناء.

2. التوسع الزراعي الأفقي

المياه المعالجة تُستخدم لاستصلاح أراضٍ جديدة وزيادة الرقعة الزراعية مما يدعم خطط التوسع الأفقي في مصر.

مشروع الدلتا الجديدة يعتمد بشكل كبير على استخدام المياه المعالجة لتنمية أراضٍ زراعية جديدة على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان.

3. تعزيز الأمن الغذائي محليًا

زيادة المساحات الزراعية المروية بالمياه المعالجة تُسهم في تحسين الإنتاج الزراعي خاصة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة.

كما ان تقليل الاعتماد على استيراد الغذاء يحقق الاكتفاء الذاتي ويحسن الميزان التجاري.

4. دور مصر إقليميا في تعزيز الأمن الغذائي

مصر تقدم خبراتها في معالجة المياه للدول المجاورة التي تعاني من شح مائي مماثل مما يسهم في تحسين الأمن الغذائي الإقليمي.

هذا وينعكس ذلك علي استصلاح الأراضي باستخدام المياه المعالجة مما يعزز من قدرتها على تصدير المنتجات الزراعية للدول العربية والإفريقية.

5. مساهمتها الدولية في تعزيز التنمية المستدامة

التزام مصر باستخدام التكنولوجيا المتقدمة في معالجة المياه ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs) وخاصة الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة.

ومن خلال تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا للدول النامية يعزز دور مصر الريادي عالميًا في مواجهة التحديات المائية.

إدارة الموارد المائية

أهم الانعكاسات لذلك:

* زيادة المساحات الزراعية واستقرار إنتاج المحاصيل.

* تعزيز مرونة القطاع الزراعي في مواجهة تغير المناخ وقضايا استخدامات الاراضي والتصحر وتعزيز التنوع البيولوجي.

* تحسين العلاقات الإقليمية والدولية من خلال التعاون في إدارة الموارد المائية.

وبذلك قدمت مصر نموذجًا يُحتذى به في الاستفادة من الموارد غير التقليدية لمواجهة تحديات المياه كالشح المائي مع تحقيق التنمية الزراعية والأمن الغذائي.

ويعكس ما سبق تفاقم الإجهاد المائي والذي يعد من أبرز التحديات الناجمة عن التغيرات المناخية التي تواجهها دول البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط بصوره واضحة.

وفي ظل هذه الأزمة البنيوية تبرز استراتيجية إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة كوسيلة واعدة لمواجهة الطلب المتزايد على المياه وتقديم نموذج مصر الريادي محليا وإقليميا للتعامل مع هذه التحديات.

وتتيح هذه المياه “غير التقليدية” عند توجيهها نحو الاستخدامات غير المنزلية مثل الزراعة والصناعة تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية للماء.

هذا وعلي الرغم الفوائد الكبيرة لهذا التوجه إلا أن هذه الاستراتيجية لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي بسبب العديد من العوائق أبرزها التحديات التقنية والاجتماعية والثقافية والمالية التي يجب العمل على تجاوزها.

كما أن تعبئة المياه العادمة المعالجة على نطاق واسع تتطلب اتباع نهج شامل يعتمد على وضع سياسات عامة متكاملة بالإضافة إلى إرادة جماعية تهدف إلى تعزيز الوعي وتشجيع التطبيق الفعلي لهذه الاستراتيجية من أجل ضمان استدامتها وفعاليتها.

وختاما أن توقعات إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة تعد من الحلول الفعالة للتصدي للفقر والشح المائي خاصة في الدول التي تعاني من ندرة المياه.

كما أن إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة ليس فقط حلاً لمشكلة الشح المائي بل هو جزء من استراتيجيات التنمية الشاملة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الاحتياجات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading