د.فوزي يونس: يوم الغذاء العالمي 2026.. ابتكار اليوم يصنع غذاء الغد.. من المعرفة إلى الأمن الغذائي والمرونة المناخية
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
من الذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة إلى الحلول القائمة على الطبيعة والمعارف التقليدية.. لماذا لا يكفي إنتاج المزيد من الغذاء إذا ظل الغذاء الصحي بعيدًا عن ملايين الأسر؟
في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم بيوم الغذاء العالمي، الذي يأتي في عام 2026 تحت شعار «ابتكر اليوم، غذِّ الغد»، ليفتح نقاشًا يتجاوز حدود زيادة الإنتاج الزراعي أو إدخال تقنيات حديثة إلى الحقول. فالتحدي الحقيقي لم يعد مرتبطًا بقدرتنا على إنتاج الغذاء فقط، بل بقدرتنا على توفير غذاء صحي وآمن ومتنوع بأسعار يستطيع الناس تحملها، من دون استنزاف الموارد الطبيعية أو الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.
قد يبدو الابتكار مرادفًا للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والآلات المتطورة، لكن التجربة التنموية تؤكد أن المفهوم أوسع من ذلك بكثير. فهو يشمل المعرفة العلمية، والممارسات الزراعية الجيدة، والخبرات المتوارثة، والحلول القائمة على الطبيعة، والتعاون بين المؤسسات والمجتمعات المحلية.
وتظل قيمة أي ابتكار مرتبطة بما يحققه على أرض الواقع، لا بما يحمله من أسماء جذابة أو وعود مستقبلية.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري في يوم الغذاء العالمي: كيف يمكن تحويل المعرفة العلمية والابتكار المناخي إلى نتائج ملموسة تحسن حياة المزارعين والمستهلكين، وتعزز الأمن الغذائي، وتحافظ على المياه والتربة والتنوع البيولوجي؟
الجوع ليس المشكلة الوحيدة.. الغذاء الصحي أصبح بعيدًا عن مليارات البشر
تكشف بيانات تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026»، الصادر عن خمس وكالات أممية، عن مفارقة واضحة في النظام الغذائي العالمي: رغم تراجع أعداد من يعانون الجوع، لا يزال مئات الملايين يفتقرون إلى الغذاء الكافي، فيما يعجز مليارات عن تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.
وبحسب التقرير، عانى نحو 645 مليون شخص الجوع خلال عام 2025، بما يعادل 7.8% من سكان العالم، مقارنة بنحو 8.1% في عام 2024. ورغم هذا التحسن، لا يزال التقدم أبطأ من المطلوب لتحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول عام 2030. كما واجه نحو 2.1 مليار شخص انعدامًا متوسطًا أو شديدًا في الأمن الغذائي.
وتبرز أفريقيا في قلب هذه الأزمة؛ إذ بلغ عدد من عانوا نقص التغذية فيها نحو 309 ملايين شخص وفق الأرقام الواردة في التقرير، مع استمرار ارتفاع تكلفة الغذاء الصحي مقارنة بقدرة قطاعات واسعة من السكان على تحمله.
لكن الجوع لا يختزل القضية في الحصول على كمية كافية من السعرات الحرارية. فهناك مشكلة أخرى تتمثل في القدرة على شراء الفواكه والخضروات والبروتينات والأغذية المتنوعة التي يحتاج إليها الجسم.
وقد بلغ متوسط تكلفة النظام الغذائي الصحي عالميًا نحو 4.28 دولار للفرد يوميًا وفق تعادل القوة الشرائية في عام 2025، بينما عجز نحو 2.69 مليار شخص عن تحمل هذه التكلفة. وفي أفريقيا، وصلت نسبة السكان غير القادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي إلى نحو 66.6%.
وهنا تتضح المفارقة: قد تتوافر الأغذية النشوية التي تمد الجسم بالطاقة بأسعار أقل، بينما تظل الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية أكثر تكلفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان. لذلك لا يمكن قياس نجاح النظم الغذائية بحجم المحاصيل المنتجة وحده، بل يجب النظر أيضًا إلى قدرة الأسر على الحصول على غذاء متنوع ومغذٍ وآمن.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما نضع في الاعتبار أن أنشطة ما بعد مغادرة الغذاء للمزرعة، مثل المعالجة والتخزين والنقل والتبريد والبيع بالجملة، تمثل نحو 70 إلى 75% من تكلفة الغذاء التي يدفعها المستهلك، وفق بيانات تقرير الأمن الغذائي لعام 2026.
وهذا يعني أن تحسين الإنتاج الزراعي لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تطوير سلاسل القيمة، وتقليل الفاقد، وتحسين البنية التحتية، وخفض التكاليف التي يتحملها المنتج والمستهلك.
الغذاء قضية مناخية.. وليس إنتاجية زراعية فقط
لم يعد ممكنًا الفصل بين الأمن الغذائي والتغير المناخي، أو التعامل مع الزراعة باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا مستقلًا عن البيئة. فالتربة والمياه والطاقة والتنوع البيولوجي عناصر مترابطة تشكل الأساس الذي تقوم عليه النظم الغذائية.
وتشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الزراعة والغابات واستخدامات الأراضي الأخرى أسهمت بنحو 13 إلى 21% من صافي الانبعاثات البشرية العالمية خلال الفترة من 2010 إلى 2019، نتيجة عوامل من بينها تغير استخدامات الأراضي وإدارة التربة والأنشطة الزراعية.
وفي المقابل، تواجه الزراعة نفسها آثار التغير المناخي، من ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار إلى تزايد موجات الجفاف والضغط على الموارد المائية. وتنعكس هذه التغيرات على إنتاجية المحاصيل وتكاليف الإنتاج واستقرار الإمدادات الغذائية.
ولا تقف المخاطر عند حدود المناخ؛ إذ تشير تقديرات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى أن التدهور يطال ما يصل إلى 40% من أراضي العالم. ويعني ذلك أن قاعدة الإنتاج الغذائي نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع خصوبة التربة وفقدان الغطاء النباتي وتدهور النظم البيئية.
من هنا يصبح الأمن الغذائي قضية تنموية شاملة تتصل بالفقر والصحة والتعليم والعمل والمساواة بين الجنسين وإدارة الموارد الطبيعية. ولا يمكن تحقيق تقدم مستدام في أحد هذه المجالات بمعزل عن المجالات الأخرى.

الابتكار الحقيقي يبدأ من الطبيعة
في خضم الحديث عن التكنولوجيا الحديثة، قد نتجاهل أن كثيرًا من الحلول الفعالة لحماية الغذاء تبدأ من استعادة قدرة الطبيعة على أداء وظائفها.
فالتربة السليمة تحتفظ بالمياه وتدعم نمو النباتات، والتنوع الزراعي يساعد على تقليل المخاطر، والغطاء النباتي يحد من التعرية، كما تسهم النظم البيئية الساحلية والأراضي الرطبة في دعم التنوع البيولوجي وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة بعض آثار التغير المناخي.
وتشمل الحلول القائمة على الطبيعة استعادة خصوبة التربة وزيادة محتواها من المادة العضوية، وتنويع المحاصيل، وتطبيق الدورات الزراعية، واستخدام الغطاء النباتي ومصدات الرياح، والزراعة الحراجية، والإدارة المستدامة للمراعي، وحماية الأراضي الرطبة والموائل الساحلية.
لكن هذه الممارسات ليست وصفة واحدة تصلح لجميع المواقع. فما ينجح في منطقة قد لا يحقق النتيجة نفسها في منطقة أخرى، بسبب اختلاف المناخ ونوع التربة واحتياجات المياه وتكاليف التنفيذ وحقوق المجتمعات المحلية.
ولهذا يجب أن تقوم الحلول القائمة على الطبيعة على التقييم العلمي والملاءمة المحلية والمتابعة المستمرة. كما ينبغي الانتباه إلى أن بعض التدخلات التي تستهدف زيادة الإنتاج أو تخزين الكربون قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا نُفذت دون مراعاة احتياجات الغذاء والمياه والتنوع البيولوجي.
وهنا يمكن للتكنولوجيا أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم هذه الحلول. فصور الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار وتحليل البيانات تساعد على متابعة صحة التربة والغطاء النباتي ورصد التغيرات في استخدامات الأراضي. كما يمكن للمنصات الرقمية أن توسع نطاق الإرشاد الزراعي وتساعد على نقل المعرفة إلى المنتجين.
غير أن نجاح هذه التطبيقات يظل مرتبطًا بمدى ملاءمتها للظروف المحلية وبقدرة المستفيدين على استخدامها والاستفادة منها.
الذكاء الاصطناعي.. من التنبؤ بالمخاطر إلى اتخاذ القرار الزراعي
يفتح الذكاء الاصطناعي مجالات جديدة أمام تطوير النظم الزراعية والغذائية. فمن خلال تحليل بيانات الطقس والتربة وصور الأقمار الصناعية، يمكن تحسين التنبؤ بالمخاطر الزراعية، وتقدير الاحتياجات المائية، ومتابعة صحة المحاصيل، ورصد بعض الآفات والأمراض في مراحل مبكرة.
كما يمكن أن تساعد تقنيات الزراعة الدقيقة على تحسين استخدام الأسمدة وتقليل الفاقد من المدخلات الزراعية. وتتيح أنظمة الإنذار المبكر الاستعداد لموجات الحرارة والجفاف وبعض الظواهر الجوية الشديدة، فيما يمكن للتحليل الرقمي أن يدعم قرارات التخزين والنقل والتسويق، ويحد من الخسائر بين الحصاد ووصول الغذاء إلى المستهلك.
لنفترض أن مزارعًا يحتاج إلى تحديد موعد الري وكمية المياه المناسبة لمحصوله. فقد يعتمد القرار التقليدي على الخبرة أو جدول ري ثابت. أما إذا توافرت بيانات موثوقة عن رطوبة التربة ودرجة الحرارة وتوقعات الطقس ونوع المحصول ومرحلة نموه، فيمكن للنظام الذكي أن يقدم تقديرًا أكثر ملاءمة للاحتياجات الفعلية للنبات.
لكن هذه الإمكانات لا تعني أن الذكاء الاصطناعي سيحل وحده مشكلات الزراعة. فدقة النتائج تعتمد على جودة البيانات ومدى تمثيلها للظروف المحلية، فضلًا عن تكلفة الأجهزة والاتصال بالإنترنت وتوافر التدريب.
كما أن إتاحة هذه التقنيات لصغار المزارعين تظل مسألة أساسية، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عامل جديد يوسع الفجوة بين المنتجين.
ومن الضروري أيضًا التمييز بين الإمكانات التقنية والنتائج الميدانية المثبتة. فوجود تطبيق قادر على التنبؤ لا يثبت بالضرورة أنه خفض استهلاك المياه أو زاد الإنتاجية في ظروف مصرية محددة. وهذا يتطلب تجارب ميدانية موثقة تقارن النتائج قبل استخدام التقنية وبعده، مع مراعاة التكاليف والآثار البيئية والاجتماعية.
من المعرفة إلى التطبيق.. الحوار وبناء القدرات يصنعان الفارق
لا تتحول المعرفة العلمية إلى أثر ميداني بمجرد نشرها أو عرضها في المؤتمرات. فالمزارع يحتاج إلى معرفة كيفية استخدام الحلول المتاحة وتقييم جدواها في أرضه، كما تحتاج المؤسسات إلى بيانات تساعدها على تحديد الأولويات وتوجيه الموارد. ويحتاج الباحثون إلى التواصل مع المجتمعات لفهم المشكلات الفعلية وتطوير حلول تستجيب لاحتياجاتها.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار المفتوح وبناء القدرات باعتبارهما جزءًا من منظومة الابتكار، لا مجرد أنشطة مصاحبة لها.
وشهدت مصر، وفق بيانات الأنشطة التي يستند إليها هذا المقال، خلال الفترة من 6 يوليو إلى 15 أكتوبر 2026، اثني عشر حوارًا وجلسة متخصصة ضمن مبادرة الحوار المفتوح لتغير المناخ، في عدد من المحافظات شملت المنوفية والقاهرة وبني سويف والإسكندرية والجيزة، إلى جانب فعاليات افتراضية إقليمية ودولية. وسجلت الفعاليات مجتمعة مشاركة تجاوزت 1200 شخص.
وتناولت اللقاءات موضوعات متعددة، من بينها البصمة الكربونية والاقتصاد الدائري والتحول الصناعي والجامعات منخفضة الكربون والذكاء الاصطناعي في الزراعة ودور المرأة في العمل المناخي.
ومن بين الموضوعات ذات الصلة المباشرة بالأمن الغذائي، عرض مشروعات طلابية من خمس جامعات مصرية تناولت الحد من هدر الغذاء، واستخدام الفحم الحيوي في معالجة الملوحة، وتحويل مخلفات الدواجن والماشية إلى أسمدة عضوية. كما شهدت الفترة نفسها ورشة دولية عن الذكاء الاصطناعي في الزراعة نظمتها المنظمة الأفروآسيوية للتنمية الريفية.
وتكشف هذه الأنشطة عن اهتمام بربط المعرفة العلمية بقضايا الزراعة والمناخ والاستدامة. لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حجم الأثر الذي تحقق؛ فالسجلات المتاحة توثق مشاركة ونقاشات وأفكارًا وخططًا مقترحة، لكنها لا تقدم حتى الآن خطوط أساس أو قياسات قبلية وبعدية تثبت تغير المعرفة والسلوك، أو بيانات تؤكد خفض الانبعاثات أو الفاقد الغذائي نتيجة هذه الأنشطة.
وهذا التمييز ضروري للحفاظ على الموضوعية. فعدد المشاركين والفعاليات مؤشر على الوصول والتفاعل، وليس دليلًا تلقائيًا على تحقق أثر بيئي أو اقتصادي. كما أن الخطط المعلنة تظل مقترحات إلى أن تتحول إلى أنشطة منفذة ونتائج يمكن التحقق منها.
ولذلك ينبغي أن تبدأ المرحلة التالية بتحديد مشكلات واضحة بالتعاون مع المجتمعات المحلية، ثم تنفيذ مشروعات تجريبية صغيرة وتقييم نتائجها قبل التوسع. ويجب أن يشارك في هذه العملية المزارعون والنساء والشباب والباحثون والقطاع الخاص والجهات الحكومية.
كما ينبغي ربط التدريب بالإرشاد والمتابعة وتوفير التمويل المناسب، وقياس ما تغير بالفعل في الممارسات والإنتاج واستهلاك المياه والفاقد الغذائي.

مصر أمام اختبار المياه والغذاء
تكتسب هذه القضايا أهمية خاصة في مصر، حيث تمثل الزراعة قطاعًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي وفرص العمل والتنمية الريفية. وفي الوقت نفسه، تواجه البلاد تحديات متشابكة تشمل محدودية الموارد المائية وملوحة بعض الأراضي وتدهور التربة والضغوط الناجمة عن النمو السكاني والتغير المناخي.
وتشير بيانات مصرية رسمية إلى تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه إدارة المياه في البلاد. ولهذا لا يمكن أن يعتمد تحسين الأمن الغذائي المصري على زيادة الإنتاج وحدها، بل يحتاج إلى رفع كفاءة استخدام المياه والأسمدة، وتحسين جودة التربة، وخفض الفاقد بعد الحصاد، وتطوير التخزين والتبريد والنقل والتسويق.
كما يحتاج إلى تمكين صغار المنتجين والنساء والشباب من الوصول إلى المعرفة والتقنيات والتمويل.
ومن الممكن أن تسهم الطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية في تطوير عمليات الري والتبريد والتصنيع الغذائي، متى ثبتت جدواها الاقتصادية والبيئية. ويمكن للزراعة الدقيقة أن تساعد على توجيه المدخلات إلى الأماكن التي تحتاج إليها فعلًا، كما يمكن لتحسين سلاسل القيمة أن يقلل الخسائر ويخفض جزءًا من التكلفة التي يتحملها المستهلك.
لكن من المهم ألا يُعلن نجاح أي تدخل قبل توافر بيانات موثوقة تثبت نتائجه. فلا بد من التحقق من معدلات تبني التقنيات الحديثة، وحجم الوفر الفعلي في المياه والأسمدة، والتغير في الإنتاجية والتكاليف.
كما ينبغي الانتباه إلى أن تحسين كفاءة الري لا يؤدي بالضرورة إلى خفض إجمالي استهلاك المياه إذا شجع على التوسع في المساحات المروية أو زراعة محاصيل أكثر استهلاكًا للمياه. لذلك يجب تقييم الوفر على مستوى النظام المائي ككل، وليس على مستوى الحقل وحده.
وتحتاج مصر كذلك إلى تنسيق أفضل بين سياسات الغذاء والمياه والمناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر. فالمشكلة الواحدة قد تتطلب تدخلًا مشتركًا من أكثر من مؤسسة، ولا يكفي أن تعمل كل جهة وفق مؤشر منفصل إذا كانت النتائج النهائية تتوقف على ترابط القرارات.
تقليل هدر الغذاء.. موارد تُفقد قبل أن تصل إلى المائدة
من المفارقات التي تكشف اختلال النظم الغذائية أن كميات ضخمة من الغذاء تُفقد أو تُهدر، في الوقت الذي يعجز فيه ملايين البشر عن الحصول على غذاء صحي.
فقد بلغ هدر الغذاء عالميًا نحو 1.05 مليار طن في عام 2022، بما يعادل قرابة 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين في قطاعات التجزئة والخدمات الغذائية والأسر. ويضاف إلى ذلك نحو 13% من الغذاء الذي يُفقد بعد الحصاد وقبل الوصول إلى مرحلة البيع بالتجزئة، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وتتحمل الأسر وحدها نحو 631 مليون طن من الهدر الغذائي، وفق تقرير مؤشر هدر الغذاء لعام 2024. ولا تتعلق المشكلة بخسارة الطعام فقط؛ فكل كمية غذاء مهدرة تمثل أيضًا خسارة للمياه والطاقة والأرض والأسمدة والعمل والموارد المستخدمة في الإنتاج والنقل والتخزين.
كما يسهم الفاقد والهدر الغذائي في نحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، وفق التقديرات التي تستند إليها الجهات الأممية.
ولهذا فإن الحد من الهدر يمثل فرصة لتحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الضغوط البيئية وتخفيف بعض تكاليف الغذاء.
ويمكن تحقيق تقدم من خلال تحسين التخطيط للشراء والتخزين المنزلي، وتطوير التعبئة والتبريد والنقل، وتنظيم عمليات التوزيع، والاستفادة الآمنة من المخلفات العضوية. كما يمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد على تحسين إدارة المخزون والتنبؤ بالطلب وربط فائض الغذاء بالجهات القادرة على الاستفادة منه بصورة آمنة.
غير أن هذه الجهود تحتاج إلى قياس واضح لكميات الغذاء المفقودة أو المهدرة قبل تنفيذ التدخلات وبعدها. فالمبادرات التي لا تقيس النتائج قد تحقق تفاعلًا مجتمعيًا مهمًا، لكنها لا توفر دليلًا كافيًا على حجم الوفر الذي أحدثته.
الابتكار يحتاج إلى مسؤولية وشراكة
لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية بناء نظم غذائية أكثر استدامة. فالأسر تستطيع الحد من الهدر وتحسين عادات الشراء والتخزين، والحكومات مسؤولة عن تطوير السياسات والبنية التحتية وتوفير البيانات ودعم البحث والإرشاد الزراعي.
ويمكن للجامعات ومراكز البحوث تطوير حلول مناسبة للظروف المحلية واختبارها وقياس جدواها، فيما يستطيع القطاع الخاص الاستثمار في التخزين والتبريد والتصنيع والتسويق المسؤول وتطوير حلول رقمية ميسورة التكلفة.
ويؤدي المجتمع المدني دورًا مهمًا في الوصول إلى الفئات الأقل استفادة، وتنظيم الحوار والتدريب ومتابعة تنفيذ المبادرات. كما يمكن للشركاء الدوليين دعم التمويل ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات.
وتظل مشاركة المرأة وصغار المزارعين والشباب شرطًا أساسيًا لضمان ألا تتركز فوائد الابتكار في المؤسسات الأكبر أو الفئات الأكثر قدرة على الوصول إلى التكنولوجيا. فالتحول نحو نظم غذائية مستدامة لا يُقاس فقط بزيادة الإنتاج أو خفض الانبعاثات، بل أيضًا بعدالة توزيع المنافع والفرص.
ويجب أن يرتبط كل مشروع بمؤشرات واضحة يمكن التحقق منها، مثل كمية المياه المستخدمة لإنتاج وحدة من المحصول، ومعدل استخدام الأسمدة، ونسبة الفاقد بعد الحصاد، وتكلفة الغذاء الصحي، وعدد المستفيدين الذين تحسنت ممارساتهم بالفعل.
كما ينبغي تحديد الجهة المسؤولة عن جمع البيانات والتحقق منها، ومواعيد نشر النتائج، حتى لا يظل النجاح مجرد انطباع أو إعلان.
من شعار يوم واحد إلى عمل مستمر
يذكّرنا شعار يوم الغذاء العالمي بأن ما نبتكره اليوم يؤثر في قدرة الأجيال القادمة على الحصول على الغذاء. لكن الابتكار لا يصبح حلًا لمجرد أنه جديد، ولا تصبح التكنولوجيا مستدامة لمجرد أنها رقمية.
فالابتكار الذي نحتاج إليه هو الذي يحافظ على التربة والمياه والتنوع البيولوجي، ويخفض الفاقد، ويحسن وصول الغذاء الصحي إلى الناس. وهو الذي يجمع بين المعرفة العلمية والخبرة المحلية، ويمنح المزارعين والمجتمعات دورًا حقيقيًا في تحديد المشكلات واختيار الحلول. وهو أيضًا الذي يخضع للتقييم، ويعترف بحدود نتائجه قبل إعلان نجاحه.
ومنذ مؤتمر المناخ COP27 الذي استضافته مصر في شرم الشيخ عام 2022، تتواصل الحاجة إلى تحويل الحوار المناخي إلى خطوات عملية تمس حياة الناس واحتياجاتهم اليومية. وتوفر الحوارات والأنشطة العلمية التي شهدتها مصر خلال عام 2026 فرصة للبناء على المعرفة المتبادلة، لكن الانتقال من النقاش إلى النتائج يتطلب تمويلًا ومتابعة وخطوط أساس وشراكات واضحة ومسؤوليات محددة.
فالتغيير يبدأ من الأفراد والمجتمعات، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس، وإلى تعاون يتجاوز الحدود المحلية والوطنية.
ولا يمكن إغفال الحلول القائمة على الطبيعة والمعارف التقليدية للشعوب، التي تمثل رصيدًا من الخبرات المتراكمة في إدارة الأرض والمياه والمحاصيل والتنوع الحيوي. فهذه المعارف ليست بديلًا عن العلم والتكنولوجيا، كما أن التكنولوجيا ليست بديلًا عنها؛ بل يمكن أن يكمل كل منهما الآخر عندما يخضع للتقييم ويحترم خصوصية المجتمعات واحتياجاتها.
إن الرسالة الأهم ليوم الغذاء العالمي ليست أن نبتكر أكثر فحسب، بل أن نبتكر بصورة أفضل، وأن نقيس ما نحققه بصدق، وأن نضمن وصول الفوائد إلى من يحتاجون إليها. فابتكار اليوم لن يصنع غذاء الغد إلا عندما تتحول المعرفة إلى ممارسة، وتتحول الممارسة إلى نتائج يمكن رؤيتها والتحقق منها، بما يدعم الأمن الغذائي ويعزز أهداف التنمية المستدامة ومرونة المجتمعات في مواجهة التغير المناخي.





