وجهات نظر

د.طارق قابيل: دور ثورة الحمض النووي في تقدم علوم البيئة

كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

في ذكري اكتشافه السبعين.. دور ثورة الحمض النووي في تقدم علوم البيئة والتغيرات المناخية والعلوم المتصلة

في مثل هذا اليوم من كل عام، يحتفل الأمريكيون باليوم الوطني للحمض النووي الديوكسي ريبوزي والمعروف اختصاراً بالـ”دي إن إيه (DNA) “، وجاء هذا الاحتفال السنوي الذي يتم عادة في يوم 25 إبريل من كل عام لإحياء ذكرى اكتشاف بنية الحمض النووي واكتشاف الحلزون المزدوج للحمض النووي في عام 1953، وللاحتفال بالانتهاء من مشروع الجينوم البشري في عام 2003 بعد مرور 50 عاماً على اكتشاف بنية الحمض النووي.

في أبريل 1953، وصف جيمس واتسون وفرانسيس كريك، بالتعاون مع روزاليند فرانكلين، بنية الحمض النووي لأول مرة بأنها حلزون مزدوج.

وبعد 50 عامًا بالضبط، في أبريل 2003، أكمل العلماء مشروع الجينوم البشري، وهو جهد بحثي ضخم لتسلسل جميع الجينات التي تشكل الجينوم البشري ووضع خرائط لها.

وبدأت الاحتفالات بيوم الحمض النووي لأول مرة عام 2003، بعد أن أعلن مجلس الشيوخ الأمريكي شهر أبريل “شهر الجينوم الوطني” و25 أبريل “يوم الحمض النووي”.

كان الغرض منه أن يكون بمثابة احتفال لمرة واحدة لإحياء ذكرى الاكتشافين الرئيسيين للجينوم البشري.

إن أهمية وقيمة هذه الاكتشافات، إلى جانب دعم وتشجيع المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري (NHGRI) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، جعلت يوم الحمض النووي الوطني احتفالًا سنويًا مليئًا بالفعاليات والاحتفالات في جميع أنحاء البلاد .

وبدأ المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري (NHGRI) الاحتفال بيوم الحمض النووي سنويًا في 25 أبريل من عام 2003م، بعد أن وافق الكونغرس 108 على قرارات متزامنة تحدده على أنه يوم الحمض النووي، وتم إقرار الاحتفال الرسمي بهذا اليوم بموجب قرار للكونجرس الأمريكي لتذكر أعظم الإسهامات العلمية في تاريخ البشرية حتى الآن.

وجاء قرار الاحتفال بهذا اليوم تزامناً مع عدة احتفالات أقيمت في المحافل العلمية العالمية للاحتفال بالذكرى الخمسين لاكتشاف اللولب المزدوج في عام 2003م، وقامت بعض الدوريات العلمية بتخصيص أعداد كاملة للاحتفال بهذا العمل التاريخي.

كما أصدرت دار سك العملات الملكية في بريطانيا قطعة نقدية جديدة ضمن الاحتفالات المقامة في الذكرى الخمسين لاكتشاف بنية الحمض النووي.

ويمثِّل التصميم الخلفي لقطعة النقد الصادرة في فئة الجنيهين الإسترلينيين بنية جزيء “دي إن إيه” الفريدة، وقد وردت على طرفها عبارة “الحمض النووي الديوكسي ريبوزي”.

كما طُرحت في السوق نسخ خاصة بأصحاب المجموعات مصنوعة من الفضة والذهب، ونسخة مخصَّصة للتداول.

وما زاد روعة الاحتفالات في عام 2003م هو أن “جيمس واطسون” و”فرانسيس كريك” الحاصلين على جائزة نوبل للطب والفسيولوجيا عام 1962م لإسهامهم في هذا الاكتشاف الكبير كانا لا يزالان على قيد الحياة وشاركا في هذه الفاعليات.

والهدف من اليوم الوطني للحمض النووي هو إتاحة الفرصة للطلاب والمعلمين والجمهور للتعرف على أحدث التطورات في البحث الجينومي، والاحتفال بها واستكشاف كيفية تأثير هذه التطورات على حياتهم.

ويقر بأهمية علم الوراثة، والتقدم العلمي المحرز في هذا المجال، ومعرفة المزيد عن علم الوراثة وعلم الجينوم.

ويأتي احتفال هذا العام بطابع خاص أيضاً، فقد شارك فيه وأحتفى به العلماء والمهتمين بالشأن العلمي في العديد من دول العالم؛ حيث يأتي هذا اليوم بعد 70 عاماً كاملة على اكتشاف بنية الحمض النووي.

ذكري اكتشافه السبعين.. تاريخ الحمض النووي الديوكسي ريبوزي “دي إن إيه”

الحمض النووي “دي إن إيه (DNA) “، أشبه ما يكون بورقة التعليمات التي تصاحب الآلات. يأتي فيها اسم أجزاء الآلة ووظيفتها، و آلية تركيبها و تفكيكها. وهو موجود داخل كل خلية من خلايا كل كائن حي، وبه خريطة مفصّلة لكل صفاته التي يرثها منه أبناؤه.

ويوافق هذا العام الذكرى الخمسين لاكتشاف اللولب المزدوج أو الحمض النووي.

بدأت أولى محاولات اكتشاف الحمض النووي (DNA) في عام 1928م عندما ظهر لأول مرة أن الحمض النووي هو مادة الوراثة، بعد تجربة شهيرة أجراها العالم “جريفيث”، وأشار فيها إلى أن هناك “مادة” يمكن أن تغير التركيب الوراثي للبكتريا.

وتم التحقق من أن هذه المادة هي الحمض النووي “حمض نواة الخلية” عام 1944م بواسطة عالمين أمريكيين، هما “آفري” و”مكلويد”.

ثم أجريت تجارب أخرى عديدة بعد ذلك، وأثبتت جميعها أن الحمض النووي الديوكسي ريبوزي هو الحمض الذي يحمل الصفات الوراثية التي تنسق جميع العمليات الحيوية في الخلية الحية.

وجاء الحدث التاريخي الأهم في عام 1953م عندما تم الإعلان عن اكتشاف التركيب الجزيئي للحمض النووي؛ حيث وضع العالمان “جيمس واطسون” و”فرانسيس كريك” من مختبر “كافنديش” في جامعة “كامبردج” نموذجاً للحمض النووي يسمى بـ”اللولب المزدوج”، ونشر نبأ الاكتشاف في مقال علمي مقتضب، عرف رسمياً بأنه “رسالة” باسم “واطسون” و”كريك” في عدد مجلة “نيتشر” العلمية في 25 أبريل 1953م.

ومن الطريف أن “واطسون” و”كريك” لم يجريا أي تجربة عملية، ولم يحملا أنبوبة اختبار واحدة للتوصل لهذا الكشف المثير، ولكنهما وضعا نموذجهماً استناداً إلى البيانات التي وفرها باحثون في مختبرات جامعة “كامبردج” على مدى 3 سنوات، وكان من أهمهم البروفيسور “موريس ولكنز” الذي استخدم الأشعة السينية (أشعة أكس) لدراسة وتحليل الحمض النووي، وساعدته في ذلك الدكتورة “روزلندا فرانكلين” التي ساهمت في التقاط العديد من الصور للحمض النووي في عام 1952م.

وكشفت هذه الصور النقاب عن التركيب الجزيئي للحمض النووي، وبنى “واطسون” و”كريك” نموذجهما للحمض النووي بعد أسبوعين فقط من الحصول على الصور.

وباكتشافهما لحقيقة أن جزيئات الحامض النووي تكون تركيباً لولبياً مزدوجاً، يشابه السلم الملتوي، تبين كيف يمكن للحمض النووي أن ينسخ نفسه.

وبعد عامين من اكتشاف الـ”دي إن إيه” تحقق “آرثر كورنبرج” من إمكانات نسخ الحمض النووي لنفسه. و في عام 1960م تمكن مارشال “نيرنبرج” و”هار خولانا” و”سيفيرو أكوا” من التحقق من أن 3 أحرف من الأحرف الأربعة للحامض النووي تشكل رمزاً لأحماض أمينية.

وفي السبعينيات تمكن العلماء من التعرف على حروف الحمض النووي، ثم تمكنوا من قطع و لصق أجزاء من الحمض النووي، ثم تمكنوا من نسخه بعد ذلك.

وفي عام 1983م استطاع العالم الأمريكي “كاري موليس” أن يطور طريقة لاستنساخ آلاف النسخ من الحمض النووي؛ وهو ما وضع أسس الهندسة الوراثية الحديثة.

ثم توجت أبحاث العلماء في نهاية القرن العشرين بدراسة تتابعات الجينوم (كامل المحتوى الوراثي للكائن الحي)، وفي منتصف عام 2000م تم فك ترميز جينوم الإنسان (الأطلس الوراثي البشري).

وتم الانتهاء من النسخة الأولية من مشروع الجينوم البشري في أوائل عام 2001م، وصحب ذلك ضجة إعلامية كبيرة.

ولاتزال في ذاكرة التاريخ الاحتفالية التي شهدها العالم يوم الاثنين 26 يونيو عام 2000م حين أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس وزراء بريطانيا عن الانتهاء من مسودة خريطة الجينوم البشري.

ومن ذلك التاريخ بدأ التنافس والسباق المحموم للمراكز العلمية وشركات التقنية الحيوية والهندسة الوراثية على المستوى العالمي لاستخدام مخرجات الجينوم البشري لتشخيص الأمراض الوراثية والبحث عن عقاقير تعمل على مستوى الجينات وتركيبها.

وبحلول شهر سبتمبر عام 2007م، تم التعرف على التسلسل الكامل لجينوم 1879 فيروساً و577 نوعاً من البكتيريا و23 نوعاً من الكائنات حقيقية النواة تقريباً كان نصفها من الفطريات.

وتم التعرف على تتابعات جينات خميرة الخبز وهي كائن نموذجي للخلية حقيقية النواة، وغيرها من الكائنات كذبابة الفاكهة وأسماك الزبرا و نبات الرشاد Arabidopsis Thaliana الذي يستخدم لدراسة النباتات المزهرة. وفي عام 2007م تم الإعلان عن انتهاء مشروع الجينوم البشري بواقع خطأ واحد في كل 20 ألف نيكلوتيده في كل الكروموسومات.

دور ثورة الحمض النووي في تقدم علوم البيئة والتغيرات المناخية والعلوم المتصلة

الحمض النووي “دي إن إيه” عبارة عن جزيء حيوي أساسي يحمل معلومات وراثية تحدد صفات الأحياء وتحكم في وظائفهم.

وثورة الحمض النووي أو ما يعرف بـ “الثورة الجينية”، قد أحدثت تغييرًا جذريًا في فهمنا للعالم الحيواني والنباتي والميكروبيولوجي، وساهمت في تقدم علوم البيئة والتغيرات المناخية والعلوم المتصلة بشكل كبير.

والمتابع للأبحاث العلمية الجارية حالياً، سيجد ثورة في علوم الجينومات، والمعلوماتية الحيوية، والحياة الاصطناعية، وغيرها من العلوم المعتمدة على الحمض النووي الـ”دي إن إيه” وغيره من الأحماض النووية التي تم اكتشافها تباعاً.

كما تتوالى الاكتشافات العلمية في هذا المجال الحيوي الذي أفرغت له كبرى المجلات العلمية العالمية حيزاً كبيراً من صفحاتها، فضلاً عن المجلات المتخصصة التي لا تعد ولا تحصى.

ومن أبرز الأمور التي ساهمت بها ثورة الحمض النووي في هذه المجالات:

فهم التنوع الحيوي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي “دي إن إيه” لتحديد الأنواع والفصائل الحيوانية والنباتية، ومن ثم دراسة التنوع الحيوي وتحديد مواقع الحماية البيئية.

كما يمكن أن تساهم في فهم التنوع الحيوي بشكل أفضل، حيث يمكن استخدامها لتحديد الأصول الجينية للكائنات الحية وتحليل التنوع الجيني في الأنواع المختلفة.

الحفاظ على التنوع الوراثي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الأصول الجينية للأنواع وتحديد الأصناف النباتية والحيوانية النادرة والمهددة بالانقراض، ومن ثم تطوير استراتيجيات الحفاظ عليها. وتحسين الحفاظ على التنوع البيولوجي.

الحمض النووي البيئي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحليل المجتمعات الحيوية في البيئة، ومن ثم دراسة التغيرات البيئية والتأثيرات البيئية على هذه المجتمعات.

التنبؤ بالتغيرات المناخية:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لفهم كيفية تأثير التغيرات المناخية على الأنواع الحيوانية والنباتية، ومن ثم تحديد آليات الاستجابة والتكيف.

كما يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لفهم كيفية تأثير التغيرات المناخية على الكائنات الحية والبيئة، ومن ثم التنبؤ بالتغيرات المناخية المستقبلية وتطوير استراتيجيات التكيف معها.

تحسين الإنتاج النباتي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الصفات الوراثية المتعلقة بالإنتاج النباتي، ومن ثم تحسين الأداء الإنتاجي للنباتات.

تحسين الإنتاج الحيواني:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الصفات الوراثية المتعلقة بالإنتاج الحيواني ، ومن ثم تحسين الأداء الإنتاجي للحيوانات.

تحسين الأمن الغذائي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الصفات الوراثية المتعلقة بجودة وسلامة الأغذية، ومن ثم تحسين الأمن الغذائي والتحكم في الأمراض المنقولة عن طريق الأغذية.

كما يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الأصناف النباتية والحيوانية ذات القيمة الغذائية العالية، ومن ثم تحسين إنتاجها وتطوير العلاجات الغذائية.

الزراعة العضوية والمستدامة:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الأصناف النباتية المناسبة للزراعة في الظروف المناخية والبيئية المعينة، وكذلك لتحديد المقاومة للآفات والأمراض.

كما يمكن استخدامها لتحديد الأصناف النباتية التي يمكن زراعتها بشكل عضوي، ومن ثم تطوير الممارسات الزراعية المستدامة.

الاستدامة الحضرية:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لفهم التأثيرات البيئية للمدن، ومن ثم تطوير استراتيجيات الاستدامة الحضرية.

إدارة الموارد الطبيعية:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد مصادر الموارد الطبيعية، ومن ثم تطوير استراتيجيات الإدارة المستدامة لهذه الموارد.

الطاقة المتجددة:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد الأنواع الحيوية التي يمكن استخدامها في إنتاج الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والطاقة الحيوية.

تحسين الأداء البيئي:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد العوامل البيئية التي تؤثر على أداء الكائنات الحية، ومن ثم تطوير السياسات والممارسات التي تحسن هذا الأداء.

البحوث الطبية وتشخيص الأمراض:

يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لفهم التأثيرات البيئية على الصحة البشرية، ومن ثم تحديد العوامل المؤثرة في الأمراض المزمنة وتطوير العلاجات.

ويمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتشخيص الأمراض المعدية وغير المعدية، والأمراض المرتبطة بالبيئة، مما يساعد في تطوير العلاجات واللقاحات وتحسين الوقاية من الأمراض.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي لتحديد مصادر التلوث ومراقبة جودة المياه والهواء، ومن ثم تطوير استراتيجيات الحفاظ على البيئة والاستدامة.

ولذلك، يمكن القول بأن تقنيات الحمض النووي تلعب دوراً حيوياً في فهم العلوم البيئية والاستدامة والتغيرات المناخية والعلوم المتصلة بها، كما يمكن استخدام تقنيات الحمض النووي في العديد من الدراسات الأساسية والتطبيقات المتعلقة بالجينومات، مثل تطوير العلاجات الجينية وفهم العمليات الجينية الأساسية في الكائنات الحية.

بالإضافة إلى ذلك تلعب تقنيات الحمض النووي دورًا حيويًا في فهم العلوم البيئية والاستدامة والتغيرات المناخية، وتساعد في تحديد العديد من التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجه العالم اليوم، وتساعد في تطوير الحلول لهذه التحديات.

وبشكل عام، فإن ثورة الحمض النووي أحدثت تغييرًا جذريًا في فهمنا للعالم الحيواني والنباتي والميكروبيولوجي، وساهمت في تطوير حلول للعديد من التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجه العالم اليوم.

ويمكن القول بأن تقنيات الحمض النووي تلعب دوراً حيوياً في العلوم البيئية والاستدامة والتغيرات المناخية، وتساعد على فهم وتحليل العديد من التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجه العالم اليوم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading