د.رانيا عبد المنعم: اللجوء البيئي أثر تغير المناخ
محاضر مواد القانون الخاص.. خبير العلاقات الاقتصادية الدولية
يواجه العالم في وقتنا الحاضر العديد من المشاكل والأزمات التي يختلف في تصنيفها تبعا لطبيعتها، وتأثيرها على سياسات الدول، وعلاقاتها مع بعضها، كما تؤثر بصورة أو بأخرى على حياة الإنسان.
ولا شك أن تغير المناخ، وتداعياته أحد التحديات الرئيسة التي تواجه العالم، ويتضمن العديد من التهديدات للحياة الأمنة والمستقرة، والنظم الاقتصادية والاجتماعية و البيئية، والموارد المائية، والبنية التحتية، ولا سبيل إلى مواجهة هذا التحدي وتداعياته من خلال الانتباه والاعتراف بخطورته، يبدأ هذا الاعتراف على مستوى الأفراد، مرورًا بالحكومات، نهاية بالعالم كله ومنظماته الدولية والإقليمية.
الهجرة بفعل التغيرات المناخية
ومن التحديات المهمة المرتبطة بتغير المناخ قضية اللجوء البيئي، أو الهجرة بفعل التغيرات المناخية، وخطورة هذه القضية مرتبطة بالحقيقة المتمثلة في أن العالم سوف يشهد٢٠٠ مليون لاجئ فالكثيرون منهم يعيشون في “بؤرٍ مناخية”، ويفتقرون عادةً للموارد التي تسمح لهم بالتكيّف مع بيئةٍ تزداد قسوةً بسبب المناخ خلال العقود الثلاثة القادمة، وذلك وفق تقديرات مؤسسات ومنظمات دولية، ففي أواخر عام ٢٠٠٨، نظمت الأمم المتحدة مؤتمر قمة؛ لمعالجة مسألة التنقل البشري بسبب التدهور البيئي.
وتشير كل الدلائل في هذا السياق إلى أن العالم سوف يواجه تحولًا بيئيًّا سلبيًّا، وهناك العديد من المخاوف الكبيرة بشأن هذا التحول وتداعياته، و هو ما يدعو إلى الاستثمار من الْآنَ في جهود الاستعداد والإندار المبكر والتكيف من أجل التخفيف من احتياجات الحماية مستقبلاً وتلافي مزيدٍ من النزوح الناجم عن تغيّر المناخ.
تغير المناخ والهجرة
إن ظاهرة تغير المناخ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالهجرة، حيث تؤدى الفيضانات والجفاف وغيرها من موجات تغير المناخ لحدوث موجات من الهجرة، ومن ثم فقدان الأوان لتطبيق التعهدات التي تم قطعها سابقًا وأن يضطلع كل طرف بمسئولياته لاسيما تجاه الدول الأفريقية التي كان مفعولاً بها في أزمة تغير المناخ، قد بدأت بالفعل تتسبب برحيل أكثر من 20 مليون شخصٍ من بيوتهم وانتقالهم إلى مناطق أخرى في بلدانهم كل عام ممن يحتاجون إلى الحماية ولذلك تلعب قوانين اللجوء وحقوق الإنسان دوراً هاماً في هذا الإطار.
مصطلح اللاجئ البيئي
فحقوق الإنسان هي مبادي راسخة تحميها المعاهدات والمواثيق الدولية وتقرها التشريعات الوطنية للحفاظ علي الحقوق والحريات الأساسية للإنسان وخاصة حماية حقوق الأجيال القادمة في كوكب صحي وأمن، وذلك من خلال مواجهة أخطار تغير المناخ، ولذلك لابد من اتساع تعريف حقوق الإنسان، وتضمين القضايا الجديدة والمصطلحات الجديدة، ومنها مصطلح اللاجئ البيئي أو المناخي في الاتفاقيات الدولية والعمل علي دراسة هذه القضية وبحثها ورصدها والعمل علي الحد منها من خلال التنظيم القانوني الدولي وحقوق الإنسان والبرامج الوطنية التابعة لكل دولة .
القانوني الدولي وغياب تعريف موحد
في حين لم يشكل الإطار القانوني الدولي الحالي تعريفًا موحدًا لـ “لاجئي المناخ”، وليس لدي آلية الإنقاذ الدولية آلية تستهدف على وجه التحديد “لاجئي المناخ”، مما أدى إلى عدم وجود أساس قانوني دولي واضح لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالة المهاجرين ووكالات أخرى للتعامل مع القضايا ذات الصلة ولذلك يجب على المجتمع الدولي أن يبرم بفعالية الاتفاقات الدولية ذات الصلة، وبناء آلية إنقاذ دولية للتعامل مع مشكلة لاجئ المناخ وتشكيل تعاون دولي لتقنين هذه المشكلة.
التفسير الدولي
لقد شهد التفسير الدولي لـ ” لاجئي المناخ ” اختراقات في السنوات الأخيرة، وأشار الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية الذي اعتمدته الأمم المتحدة في عام 2018 إلى أنه بالنسبة للمهاجرين الذين يُجبرون على مغادرة بلدانهم الأصلية بسبب التدهور البيئي والعوامل المناخية والكوارث الطبيعية تؤدي إلى تزايد حركات اللجوء، لذلك يجب على حكومات البلدان إلى الوصول إلى صياغة خطط إعادة التوطين وتقديم التأشيرات ففي يناير 2020، قضت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في حكمها بأنه لا يمكن إعادة “لاجئي المناخ”، حيث انه حتى الآن لا يوجد تعريف متفق عليه عالميا أو ملزم قانونيا لمصطلح “لاجئو المناخ”.
ولذلك يجب على المجتمع الدولي التمسك بمفهوم مجتمع مصير مشترك للبشرية، واعتبار قضية” لاجئي المناخ” تحديًا مشتركًا يواجه العالم، وبناء إجماع دولي، وتعزيز التعاون الدولي .
الوكالات الدولية
ورغم أن مصطلح “اللاجئ البيئي” يشيع استخدامه في بعض السياقات، إلا أنه لا ينصح به من قبل بعض الوكالات مثل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ، والتي أشارت إلى أن مصطلح “لاجئ” يخضع لتعريف قانوني صارم لا ينطبق على المهاجرين البيئيين.
لا تتضمن اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي ولا اتفاقية كيوتو التابعة لها ، والتي تعد اتفاقية دولية حول التغير المناخي، أي شروط مرتبطة بالمساعدة أو الحماية المحددة لمن سيتأثرون بشكل مباشر بالتغير المناخي.
وتلعب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين دوراً قيادياً ضمن مجموعة الحماية العالمية لحماية ومساعدة الأشخاص النازحين قسراً داخل بلدانهم، وغير القادرين على العودة إلى منازلهم بأمان.
تعزيز تعاون الوكالات الأممية
عندما يُطلب منها التدخل، و لذلك عززت المفوضية منذ عام 2015 تعاونها مع الدول والشركاء مثل المنظمة الدولية للهجرة، ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وغيرها من الجهات الفاعلة الرئيسية، للاستجابة لهذه التحديات، هذا وتتحد وتترابط الصدمات المناخية مع الصراع، وانعدام الأمن الغذائي الحاد، وارتفاع الأسعار، والآثار المستمرة لوباء COVID-19 للتأثير على الأفراد في جميع أنحاء العالم.
نزوح الملايين في إفريقيا
و تأكيدا على ما سبق و على سبيل المثال داخل الصومال، نزح ما يقرب من مليون شخص بسبب الجفاف وخطر المجاعة، كما أثرت الأعاصير المدمرة في موزمبيق على عشرات الآلاف من الأشخاص الذين نزحوا من قبل بسبب العنف، بينما يكافح جنوب السودان والسودان فيضانات قياسية للعام الرابع على التوالي.
ويواجه أكثر من 3.4 مليون نازح عواقب الفيضانات المدمرة الأخيرة في نيجيرياـ وتشاد والكاميرون وبلدان الساحل الأوسط في النيجر وبوركينا فاسو ومالي – وهي منطقة تعاني بالفعل واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم.
وفي أقصى شمال الكاميرون، اندلعت أعمال عنف بين الرعاة والصيادين والمزارعين بسبب تضاؤل موارد المياه حيث جفت بحيرة تشاد وروافدها من الجفاف. قُتل أو جُرح أكثر من 100 شخص في أواخر العام الماضي، وفر عشرات الآلاف من منازلهم ، هذا ويأتي أكثر من 70% من اللاجئين والنازحين في العالم من أكثر البلدان عرضة للتغيرات المناخية، بما في ذلك أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية و اليمن وسوريا.
وختامًا فإن العمل، وزيادة التمويل قادرة على التخفيف من التغيرات المناخية، كما إن التكيف معه يمكن أن يخفف من العواقب الإنسانية الحالية والمستقبلية لأزمة المناخ على السكان النازحين، والمجتمعات المضيفة.





