وجهات نظر

د.رانيا عبد المنعم: السياسات المالية والحد من مخاطر تغير المناخ

محاضر مواد القانون الخاص- خبير العلاقات الاقتصادية الدولية

يعتبر تحديات التغيّرات المناخية على القطاع المالي والمصرفي، أحد المواضيع التي تحظى باهتمام كبير من قبل العالم،ويحظى أيضا الاهتمام من قبل السلطات الرقابية في مختلف دول العالم؛ حيث أصبح للسلطات النقدية والمالية في كافة الدول دور محوري في تشجيع وتعزيز الانتقال نحو التمويل الاخضر والمستدام القائم على الاخذ بالمخاطر البيئية الناجمة عن التغيرات المناخية، ولذلك لابد الاخذ في الحسبان ووضعه بعين الاعتبار عند صياغة واتخاذ القرارات الاقتصادية والمالية.

وبعد الاتفاق العالمي “اتفاق باريس” عام 2015 بشأن تغير المناخ، وخاصة انه قد تم التركيز على الاستدامة البيئية، ولا سيما معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري؛ حيث تتطلب المادة الثانية من اتفاقية باريس من الموقّعين مواءمة تدفقات التمويل مع انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، الاحتباس الحراري، والتنمية القائمة على أخذ التغيرات المناخية بعين الاعتبار.

مما أدى إلى اتخاذ العديد من الدول استراتيجيات “صافي صفر” أو أهداف مماثلة بحلول عام 2050، مما تتطلب تحولات اقتصادية ذات خطة ممنهجة خاصة بالتغيرات المناخية والاستدامة البيئية.

وبدأ هذا العام بتذكير العالم بالتأثير المدمر الذي يمكن أن تحدثه التغيرات المناخية، وتتمثل في المخاطر البيئية ، كالفيضانات وهطول الأمطار الغزيرة ، وبعض الظواهر الجوية كالعواصف وموجات الحر والبرد الشديدة، والتي تمثل خطرًا على محافظ أصول البنوك على المدى الطويل، كما يمكن أن تؤثر بشدة على الممتلكات والأراضي والبنية التحتية من خلال الهبوط وتآكل السواحل والانهيارات الأرضية.

لذلك يجب أن يكون تقييم وفهم المخاطر المادية لتغير المناخ على رأس جدول أعمال إدارة المخاطر في القطاع المصرفي.

وعلي سبيل المثال ، العاصفة كريستوف الذي كان لها تداعيات هائلة على مئات من مالكي المنازل في المملكة المتحدة، وهناك عواصف سابقة تسببت في تحديات أكثر خطورة على سبيل المثال، أدت عواصف Desmond و Eva و Frank في عام 2016 إلى تقديم ما يقرب من 15000 مطالبة تأمين، مما تسبب في أضرار بلغ مجموعها 1.3 مليار جنيه إسترليني مقارنة بتأثير العاصفة كريستوف، حيث توقعت شركة PwC أن الخسائر التي تحملتها البلاد نظير سداد قيمة الأصول المؤمن عليها والتي تدمرت نتيجة لهذه العاصفة تصل إلي 120 مليون جنيه إسترليني.

ومع التغيرات المناخية المستمرة، من المتوقع أن يكون لذلك تداعيات مالية هائلة، أن تصبح مثل هذه السيناريوهات متكررة بشكل متزايد على مدار الخمسين سنة القادمة، وسيكون لها تأثير مباشر على البنوك المستثمرة.

وبالتأكيد لن تكون التغيرات المناخية حالة طارئة، فمع زيادة حدة الأحداث الناجمة عن الطقس وتكرارها على المدى الطويل، قد يحتاج القطاع المصرفي إلى التفكير والاستعداد للوضع استراتيجيات لحماية أصوله واستثماراته، وتشجيع المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر الداعمة للاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة.

فان الميزانيات العمومية للبنوك معرضة للخطر، بسبب ارتفاع الاستثمار في العقارات، ومشاريع الطاقة غير الخضراء مثل مصانع إنتاج الفحم.

فإذا أرادت البنوك الصمود على المدي الطويل والاستعداد للتأثير طويل المدى لتغير المناخ، فإن تحديد وإدارة المخاطر المادية المختلفة التي ستصاحب ذلك يجب أن تكون على قمة أولوياتها وخططها.

إن إمكانية الوصول إلى بيانات والتنبؤات والانذارات المبكرة بشأن التغيرات المناخية سيشكل رؤى وتفكير بشكل مختلف لدي المقرضين، مما يمكنهم من فهم كيف يمكن للمخاطر المادية لتغير المناخ، أن تؤثر على قرارات الاكتتاب الخاصة بهم فيما يتعلق بالممتلكات والأراضي.

بالإضافة إلى القدرة على اتخاذ قرارات صحيحة عندما يتعلق الأمر بالإقراض والاستثمار في الأصول، في كل من الوقت الحاضر والمستقبل.

وأيضا دفع الاهتمام المتزايد بموضوع إدارة المخاطر المالية الناجمة عن تغّيرات المناخ في السنوات الأخيرة، إلى ضرورة البحث عن أدوات واستراتيجيات لإدارة هذه المخاطر، حيث يعتبر هذا التوجه محّركا رئيسا للطلب على المنتجات المالية التي تعمل على التنبؤ و التحوط من مخاطر تغيرات المناخ.

ولذلك سيحتاج كل كيان اقتصادي إلى مواءمة استراتيجياته، وعملياته، وأنشطته مع هذه التغيرات، وينبغي على القطاع المالي بما فيه البنوك وشركات التأمين والمستثمرين و الخدمات المهنية الداعمة أن يلعبوا دورًا رائدًا في العمل على تحسين المناخ وعلي الاستدامة المناخية .

فالتغلب على التحديات التي تواجه القطاع المصرفي للتحول نحو الطاقة الخضراء والتعامل مع المشاكل المناخية بشكل صحيح، يتطلب العديد من الإجراءات أولها تحليل الفجوة، لإصدار التوجيهات اللازمة ثم تهيئة السوق ذاته، إلى أن ذلك لم ينحصر في القطاع المصرفي ولكن أيضاً لبعض العملاء والشركاء ذوي الصلة.

ويؤدي التحول نحو التمويل الأخضر، والحد من الانبعاثات، والذي يؤثر بصورة إيجابية على المدى الطويل في ارتفاع قيم أصول للعملاء واستثماراتهم، دون أية تأثيرات سلبية على السوق ومجال الأعمال .

ويدعم أيضا التمويل الأخضر والمستدام ضمان انتقال تدفقات رؤوس الاموال إلى الشركات، والاستثمارات، والمشاريع والتقنيات التي تساهم في كوكب مستدام، وذو انبعاث كربونية منخفضة.

لذلك لابد علي القطاع المالي تضمين مبادئ وممارسات التمويل الأخضر والمستدام والذي يقود إلى انتقال نحو الاستدامة المالية وخاصة في المشروعات الجديدة.

وكان لمصر دور سباق حيث اعلن البنك المركزي المصري انتهاء كافة البنوك المصرية من قياس البصمة الكربونية لمبانيها الرئيسية، وذلك تماشيا مع توجهات الدولة والبنك المركزي نحو التحول لتطبيقات الاقتصاد الأخضر والحد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية وتحقيق التنمية المستدامة وفقا لرؤية مصر 2030.

وتعد هذه الخطوة خطوة مهمة، أعقبت إصدار تعليمات ملزمة للبنوك بشأن التمويل المستدام لتعزيز دور القطاع المصرفي في تحقيق رؤية الدولة نحو التحول للاقتصاد الأخضر ومواجهة المخاطر البيئية.

ويأتي قياس هذه البصمة بهدف خفضها حفاظا على البيئة من خلال الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة ونظم الإنارة الذكية والاعتماد على سلاسل التوريد الخضراء.

وأطلقت الحكومة المصرية والبنك المركزي العديد من المبادرات لدعم مواجهة التحديات المناخية، حيث تم تنفيذ جميع هذه المبادرات من أجل تشجيع السوق للتعامل مع التغيرات المناخية.

يتطلب من البنوك في السنوات القادمة العمل علي استكشاف المخاطر المالية التي سيشكلها تغير المناخ حيث سيتطلب السيناريو من جميع شركات الخدمات المالية، بما في ذلك البنوك الإبلاغ عن المخاطر المتعلقة بالمناخ بحلول نهاية عام 2030، مما يؤكد بشكل أكبر على حاجة القطاع المصرفي للاستعداد للمخاطر المادية للتغيرات المناخية .

فقد حان الوقت لكي يبدأ القطاع المصرفي في الاستعداد لهذه المخاطر المناخية الحالية والمستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading