وجهات نظر

د.رانيا عبد المنعم: الأمن المائي.. الخروج من الرفاهية إلى الضرورة

محاضر مواد القانون الخاص- خبير العلاقات الاقتصادية الدولية

تعتبر مشكلة الأمن المائي من أهم الظواهر التي تتصدر ملامح التغير المناخي وذلك لأن مشكلة المياه وانصهار القطبين وزيادة نسبة الماء المالح في الكرة الأرضية تبعا لزيادة درجة الحرارة على كوكب الأرض ومن ناحية أخرى تبخير وتقلص مساحات المياه العذبة والتي تعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب والري في العديد من الدول .

وتجد ظاهرة الاضطراب المناخي تفسيرها لدى عدد من العلماء في ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي على المستوى العالمي وعلى مدى سنوات مديدة، وتُرجع أغلب الدراسات في هذا المقام ظاهرة التغيرات المناخية إلى جملة من العوامل بجانب ارتفاع درجة حرارة الأرض أبرزها النشاط الصناعي.

وما يخلفه من غازات سامة تتكدس في الغلاف الجوي، مؤثرة بشكل حاد على انتظام حرارة الأرض، وتعاقب وتوازن الظواهر البيئية ، فضلا عما تسببت فيه التغييرات المناخية تأثيرات كبيرة على الأنظمة البيئية وسبل الحياة والتنمية في العالم ،وذلك من خلال التغيرات في الأنماط الجوية سواء اليومية منها أو الموسمية أو السنوية وذلك عبر الظواهر والأحداث الغير مألوفة، وخصوصا التغيرات على درجات الحرارة وكميات هطول الإمطار ومستويات سطح البحر، وتقلبات المد والجزر.

بالإضافة إلى حدوث العواصف والفيضانات والجفاف وتكون هذه التغيرات متفاوتة في شدتها من بلد إلى آخر، حيث تظهر الدراسات والتقارير، في بعض الدول زيادة في معدل درجات الحرارة وسقوط الأمطار السنوية.

كما تظهر زيادة في منسوب البحار وتكرار حدوث العواصف المؤثرة على الاستقرار والحياة والأنظمة الطبيعية، حيث ويلاحظ حدوث ذلك غالبا في مناطق مصبات الأنهار والمناطق الساحلية .

وتجب الاشارة كما هو متداول على العديد من مصادر البحث والدراسة يتعين الالتفات الى أن نسبة المياه العذبة الموجودة على سطح الكرة الأرضية بحيث بلغت النسبة وفقًا للإحصائيات ٢٪ فقط من إجمالي المياه الموجودة على الأرض، ويوجد منها ما يقارب ١,٧٪ في صورة جليد القطب الشمالي وجليد القطب الجنوبي.

وفي أماكن أخرى يتعثر الوصول إليها بسهولة، وبذلك تصبح كمية المياه العذبة المتوفرة للإنسان بقدر ‏0,3% فقط، لذا فإن هناك أهمية كبرى لترشيد استهلاك المياه وحمايتها من الهدر، لضمان حقوق الجيل الحالي والأجيال القادمة في الماء، و تحقيق الأمن المائي للدول والأفراد .

إن أزمة الأمن المائي والتي تعتبر من أبرز أوجه قضايا التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض انما أصبحت في الوقت الحالي من الخطورة، بمكان لارتباطها بأبعاد الأمن القومي للمجتمعات، حيث اتسع مفهوم الأمن القومى- والذى لم یعد قاصرا على الجوانب العسکریة فقط، وإنما إمتد لیشمل المفاهيم حديثة الظهور مثل مفهوم الأمن المائی، أو الأمن القومی المائي.

باعتباره أحد أهم أبعاد الأمن القومی، ولما یمثله من أهمیة فی التنمية، وأمن الدولة؛ ومن ثم اتجهت العدید من الدراسات لتعریف مفهوم الأمن المائی على أنه ”احتياجات الفرد المائیة على مدار العام، وهو ما عُرف بـــــ“,” حد الأمان المائی ( Water Stress Index )، وهو متوسط نصیب الفرد سنویًّا من الموارد المائیة المتجددة والعذبة، فی الاستخدامات الإنتاجیة مثل الزراعة والصناعة والاستهلاک المنزلی (12).

ویعتبر متوسط استهلاک الفرد عالمیًّا 1000 م3، فی حین أن هناک شبه اتفاق إقلیمی على أن متوسط نصیب الفرد سنویًّا یصل إلى “,”500 م 3 “، وهذا یعتبر حدًّا مناسبًا للمناطق الجافة وشبه الجافة أو القاحلة، ومنها منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والمنطقة العربیة بصفة خاصة .

وكذلك فان الأمن المائى يعني من جانب آخر المحافظة على الموارد المائیة المتاحة وإستخدامها بالشکل الأفضل وعدم تلوثها وترشید إستخدامها فى الرى والصناعة والشرب والسعى بکل السبل للبحث عن مصادر مائیة جدیدة وتطویرها ورفع طاقات استغلالها، وتغیر ثقافة الشعوب وخلق ثقافة الترشید فى استخدام المیاه.

وقد يرى البعض أن جميع الاستنتاجات والدراسات سابقة البيان إنما تشير الى قضية مطروحة منذ عدة سنوات وهي قضية الفقر المائي وهي نقص كمية ومصادر المياه في كل تجمع سكاني عن معدل الاستخدام للشرب و الري، وهو ما دعا إلى ظهور العديد من الحلول و التي لجأت اليها الدول لتنويع مصادر الري ومياه الشرب مثل تحلية مياه البحر وتخزين مياه الأمطار وتدور مياه الصرف الصحي وكذلك الاعتماد على مياه العيون والآبار والمياه الجوفية في بعض المناطق .

إلا أنه وبالحديث تحديدا لمشكلات الأمن المائي فانها تكتسب عمقا أكبر من الفقر المائي ليس فقط لارتباطها باعتبارات الأمن القومي ولأن مشكلات الأمن المائي أصبحت مشكلات لا تواجه فقط نقص مصادر المياه وإنما تواجه التهديد ببقاء هذه المصادر لامداد الأفراد بالماء فمشكلات التغير المناخي أصبحت مشكلات لا تهدد فقط كميات المياه المطلوبة لحياة البشر على كوكب الأرض وإنما أصبحت تهدد وجود مصادر المياه مع كل ما يتعلق بتآكل الشواطىء وذوبان جليد قطبي الكرة الأرضية ونطاقات التصحر وجفاف الأنهار .

إن ما قامت به الدول من إيجاد الحلول لمواجهة الفقر المائي وهو ما يحمل شكل التنويع ورفاهية التوسع في ضمان مصادر مياه أكثر للشرب أو الري ولكن الأمر في الوقت الحالي يحمل ملامح الضرورة والحتمية في مواجهة مشكلات الشح المائي وتهديد الأمن المائي على مستوى العالم.

فقد جعل تغير المناخ الظواهر الجوية المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف أكثر احتمالا وشدة ، وكذلك يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى زيادة الرطوبة التي يمكن أن يحتفظ بها الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى المزيد من العواصف والأمطار الغزيرة.

ولكن من المفارقات أيضًا إلى نوبات جفاف أكثر شدة مع تبخر المزيد من المياه من الأرض وتغير أنماط الطقس العالمية ، فضلا عن أنه من المتوقع أن تزداد مخاطر الجفاف والفيضانات والأضرار المجتمعية المرتبطة بها مع كل درجة من درجات الاحترار العالمي، وقد تزداد كذلك ظواهر الأمطار الغزيرة في معظم المناطق خلال القرن الحادي والعشرين، مع المزيد من الفيضانات الناتجة عنها.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أيضًا أن تزداد نسبة الأراضي المعرضة للجفاف الشديد في الوقت ذاته .

إن الخروج بمشكلة الأمن المائي من نطاق الرفاهية الى نطاق الضرورة يلزم الجميع بالنظر الى تدابير أخرى أكثر فاعلية وجدية وتأثيرا والتي يمكن ايجازها في استخدام تقنيات الادارة الحديثة في ادارة مخاطر المياه، وتنظيم ادار المياه ،وفقا لتصاميم ال block chain و سلاسل الامداد المستدام، وتحقيق ذلك في صورة لا مركزية في اطار من الشفافية والدقة ومنع السلوك الاستهلاكي الفاسد بشأن المياه بجانب الاعتماد على تكنولوجيا أكثر تقدما بشأن المياه والحفاظ على المصاردة الموجودة بالفعل.

كما يجب الاعتماد على مصادر جديدة لتوفير حاجته، وسيكون تحسن المعدات جزءًا مهمًا لأي حل لعلاج النقص في المستقبل، بجانب استخدام مزيج من تقنيات الذكاء الاصطناعي تحسين عمليات توفير وصيانة خدمات المياه والصرف الصحي في المدن .

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading