د.إلهام فاورق: الاستدامة في مصر.. جذور فرعونية ورؤية مستقبلية حتى 2030
دكتوراه في الهندسة البيئية – جامعة تولوز بفرنسا
لم تعد الاستدامة مجرد مفهوم حديث فرضته التحديات البيئية المعاصرة، بل أصبحت إطارًا فكريًا يعكس امتدادًا لتجارب إنسانية عميقة الجذور.
عند تأمل تاريخ مصر، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح، إذ تمثل الحضارة المصرية القديمة نموذجًا مبكرًا لممارسات قائمة على التوازن البيئي والإدارة الرشيدة للموارد، وهو ما يتوافق إلى حد كبير مع مستهدفات رؤية مصر 2030.
لقد أدرك المصري القديم، بفطرته الطبيعية ووعيه البيئي، أن الطبيعة ليست موردًا يُستنزف، بل منظومة متكاملة يجب الحفاظ على توازنها.
ومن هنا نشأ مفهوم «ماعت»، الذي جسّد فكرة النظام والانسجام، ولم يكن مجرد قيمة أخلاقية، بل قاعدة عملية لتنظيم العلاقة بين الإنسان والبيئة.
وقد انعكس ذلك في سلوكيات يومية قائمة على ترشيد الاستهلاك، وتقليل الفاقد، وإعادة استخدام الموارد.
تعامل المصريين القدماء مع المواد المختلفة
وتظهر ملامح هذا الوعي بوضوح في تعامل المصريين القدماء مع المواد المختلفة؛ فالأحجار التي شُيّدت بها المعابد لم تكن نهاية استخدامها عند تهدم المنشآت، بل كانت تُعاد صياغتها وتوظيفها في بناءات جديدة.
وكذلك الفخار، الذي تحوّل بعد كسره إلى وسيلة للكتابة أو عنصر يُستخدم في أعمال البناء، في دلالة على غياب مفهوم «النفايات» بمعناه الحديث.
أما المنسوجات، فقد خضعت لدورات استخدام متعددة، حيث استُخدمت الملابس القديمة في أغراض أخرى مثل العزل أو التعبئة، بما يعكس وعيًا بقيمة الموارد وضرورة إطالة عمرها.
وفي المجال الزراعي، اعتمد المصري القديم على إعادة تدوير المخلفات العضوية، مستخدمًا إياها كأسمدة طبيعية تعيد إلى التربة خصوبتها، في نظام بيئي مغلق يحقق التوازن والاستمرارية.
الكفاءة في الاستخدام
وقد فرضت طبيعة البيئة المصرية، خاصة الاعتماد على نهر النيل ومحدودية بعض الموارد، سلوكيات قائمة على الكفاءة في الاستخدام، مثل الإدارة الدقيقة للمياه، والاستغلال الموسمي للأراضي، وإعادة استخدام المواد، وهي جميعها ممارسات تعكس فهمًا مبكرًا لما يُعرف اليوم بكفاءة الموارد والاقتصاد الدائري.
وعند إسقاط هذه الممارسات على الواقع المعاصر، نجد أنها تتقاطع بشكل مباشر مع الأهداف التي تسعى إليها رؤية مصر 2030، والتي تركز على تحقيق التنمية المستدامة من خلال الاستخدام الأمثل للموارد، وتقليل الهدر، وتعزيز التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
دولة تجمع بين عمق التاريخ ورؤية المستقبل
إن هذا الامتداد بين الماضي والحاضر لا يمثل مجرد تكرار للتجربة، بل إعادة إحياء لفلسفة متجذرة في الهوية المصرية، تؤكد أن الاستدامة ليست مفهومًا مستوردًا، بل جزء أصيل من تاريخ هذا الوطن.
ومن هنا، فإن نجاح السياسات الحديثة لا يعتمد فقط على التقنيات والابتكار، بل أيضًا على استلهام هذا الإرث الحضاري وتوظيفه في بناء مستقبل أكثر توازنًا واستدامة.
وتظل مصر نموذجًا فريدًا لدولة تجمع بين عمق التاريخ ورؤية المستقبل، حيث تمتد جذور الاستدامة من ضفاف النيل في الماضي، لتشكل ملامح التنمية في الحاضر، وتفتح آفاقًا أكثر وعيًا للأجيال القادمة… عظيمة دائمًا يا مصر.





