دورة مياه واحدة.. لماذا أصبح ربط المحيطات بالمياه العذبة ضرورة اقتصادية؟
58 تريليون دولار قيمة اقتصادية سنوية للمياه العذبة.. و4 مليارات شخص يواجهون شحًا مائيًا حادًا
رغم أن المحيطات والمياه العذبة تبدوان في كثير من السياسات والقرارات كقطاعين منفصلين، فإن العلم يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: كل المياه على كوكب الأرض تتحرك داخل دورة هيدرولوجية واحدة مترابطة، تبدأ بالتبخر والنتح والتكاثف والهطول، وتمتد عبر التسرب والجريان السطحي وصولًا إلى الأنهار والمياه الجوفية والمحيطات.
ويحذر خبراء الأمم المتحدة من أن التعامل مع هذه المنظومة على أنها أنظمة منفصلة يترك فجوات خطيرة في إدارة مخاطر المناخ والمياه والغذاء والطاقة والتنوع البيولوجي، في وقت تتزايد فيه الفيضانات والجفاف والتلوث وارتفاع مستوى سطح البحر.
ويؤكد بيتر تومسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون المحيطات، وريتنا إل. بي. مارصودي، المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة لشؤون المياه، أن صحة المحيطات والمياه العذبة لا يمكن فصلها عن صحة دورة المياه نفسها، وأن حماية هذه الدورة أصبحت قضية اقتصادية وأمنية، وليس مجرد ملف بيئي.
المحيط والمياه العذبة.. نظام واحد لا قطاعان منفصلان

المياه المالحة والمياه العذبة ليستا نظامين مستقلين، بل جزء من دورة مائية كوكبية واحدة.
فالرواسب والمغذيات والملوثات تنتقل عبر الجداول والأنهار إلى المناطق الساحلية، حيث تؤثر في مصايد الأسماك والنظم البيئية البحرية. وفي الاتجاه المعاكس، تؤدي التغيرات في درجات حرارة المحيطات والتيارات البحرية إلى تغييرات في الغلاف الجوي، وهو ما يؤثر في أنماط الأمطار والطقس فوق اليابسة.
وبالتالي، فإن ما يحدث في الأنهار والأحواض المائية يمكن أن يصل تأثيره إلى المحيطات، كما أن التغيرات التي تحدث في المحيط يمكن أن تنعكس على الزراعة والمياه والأمن الغذائي داخل القارات.
وتظهر أهمية هذه العلاقة في تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد العالمي، بدءًا من مياه الشرب والصرف الصحي، مرورًا بالزراعة والطاقة والصناعة، وصولًا إلى المدن وسلاسل الإمداد والنظم البيئية.
58 تريليون دولار.. القيمة الاقتصادية للمياه العذبة
لا تقتصر أهمية المياه على كونها موردًا طبيعيًا، بل تمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
وتُقدَّر القيمة الاقتصادية السنوية للمياه العذبة بنحو 58 تريليون دولار، أي ما يقارب 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كما تمثل القطاعات المعتمدة على المياه، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات، نحو 80% من التجارة العالمية من حيث حجم البضائع المنقولة عبر المحيطات.
وهذا يعني أن أي اضطراب واسع في دورة المياه لا يبقى محصورًا في البيئة، بل يمكن أن يتحول إلى اضطراب في الإنتاج والأسواق والتجارة والاستثمار.
وفي الوقت نفسه، يواجه نحو 4 مليارات شخص شحًا مائيًا حادًا خلال جزء من العام على الأقل.
أزمة المياه تتخذ شكلين متناقضين
المفارقة أن اختلال دورة المياه لا يعني دائمًا نقص المياه، ففي بعض المناطق، تتزايد المياه بصورة مدمرة من خلال الفيضانات الشديدة وارتفاع مستوى سطح البحر، بينما تواجه مناطق أخرى نقصًا متزايدًا بسبب موجات الجفاف الأكثر حدة.
وفي مناطق ثالثة، تتوافر المياه من حيث الكمية، لكنها تصبح غير صالحة للاستخدام بسبب التلوث.
وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة المياه أصبحت في الوقت نفسه أزمة مناخية واقتصادية وتجارية.
فشح المياه والفيضانات والتلوث وتدهور النظم البيئية يمكن أن تدمر المنازل والمجتمعات، لكنها كذلك تعطل المصانع والعمليات التشغيلية وسلاسل الإمداد، وتؤثر في قرارات الاستثمار وتضعف القدرة التنافسية للشركات.
وتُقدَّر التكلفة العالمية لإهمال مخاطر المياه بنحو 301 مليار دولار، بينما تشير التقديرات الواردة في المادة إلى أن معالجة هذه المخاطر قد تكلف أقل من خمس هذا المبلغ.
المشكلة تبدأ من «جزر» السياسات
رغم الترابط الطبيعي بين المحيط والمياه العذبة، ما زالت السياسات والإدارة والاستثمارات تُبنى في كثير من الأحيان على أنظمة منفصلة.
فتُدار قضايا المناخ والمياه والغذاء والطاقة والتنوع البيولوجي بصورة لا تحقق دائمًا التنسيق المطلوب بين الأنظمة البحرية والمياه الداخلية.
هذا النهج، بحسب الكاتبين، يخلق ما يشبه «جزرًا» إدارية وسياسية، ويجعل الحكومات والشركات أقل قدرة على التعامل مع المخاطر التي تتجاوز الحدود الجغرافية والقطاعات الاقتصادية.
وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة في الأحواض والأنهار العابرة للحدود.
فهناك 153 دولة عضوًا في الأمم المتحدة تتشارك أنهارًا وبحيرات وأنظمة مياه جوفية عابرة للحدود، وتمثل هذه الموارد نحو 60% من تدفقات المياه العذبة عالميًا، وتدعم بصورة مباشرة أكثر من 40% من سكان العالم.
ومن ثم، فإن التعاون في إدارة المياه المشتركة لا يتعلق فقط بحماية البيئة، بل يرتبط أيضًا بالسلام والاستقرار الاقتصادي والقدرة على مواجهة الصدمات.
من إدارة الحوض المائي إلى حماية سلاسل الإمداد
المبدأ نفسه ينطبق على الشركات، فلا تستطيع شركة بمفردها إدارة مخاطر المياه بصورة كاملة إذا كانت عملياتها تعتمد على نهر مشترك أو حوض جوفي أو منطقة ساحلية أو نظام بيئي بحري يمتد خارج حدودها.
لذلك تبرز الحاجة إلى التعاون على مستوى الأحواض المائية، بما يسمح للشركات والحكومات بتبادل البيانات، والاستعداد للمخاطر المستقبلية، وحماية سلاسل الإمداد، وتوجيه الاستثمارات نحو حلول تخدم المجتمعات والنظم البيئية في الوقت نفسه.
وهنا تتحول المياه من قضية مسؤولية بيئية إلى عنصر من عناصر إدارة المخاطر والاستمرارية الاقتصادية.
العلم والبيانات.. خط الدفاع الأول
لا يمكن إدارة دورة مياه مترابطة من دون مراقبة مترابطة، فمراقبة المحيطات والتنبؤ بظروفها ليست مهمة للصيادين وحدهم، بل يمكن أن تكون ذات أهمية مباشرة للمزارعين في المناطق الداخلية، بسبب تأثير المحيطات والغلاف الجوي في أنماط الطقس والأمطار.
ويمكن لربط بيانات المحيطات والغلاف الجوي والمياه العذبة أن يساعد الحكومات والشركات على:
• توقع الصدمات المناخية والمائية بصورة أفضل.
• تحسين نماذج المخاطر.
• التخطيط لسلاسل الإمداد.
• تحسين قرارات الاستثمار.
• الاستعداد للفيضانات والجفاف.
فهم التغيرات التي تؤثر في الإنتاج الزراعي والاقتصاد الساحلي.
ولهذا، فإن الاستثمار في مراقبة المحيطات لا ينبغي النظر إليه باعتباره استثمارًا بيئيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من أمن الإنسان والأمن الاقتصادي.
حلول تربط البحر باليابسة

هناك بالفعل نماذج توضح كيف يمكن لإدارة المياه باعتبارها نظامًا واحدًا أن تحقق فوائد بيئية واقتصادية في الوقت نفسه.
ومن بينها الاستزراع المائي المستدام المتكامل، الذي يجمع بين تربية أنواع مناسبة من الأسماك وزراعة المحار والأعشاب البحرية، بما يساعد على تقليل التلوث الساحلي وتنويع مصادر الدخل.
كما تتجه حلول المياه الحديثة إلى الجمع بين معالجة المياه والتحلية وإعادة الاستخدام واستعادة الموارد ضمن نماذج أكثر اعتمادًا على الاقتصاد الدائري.
وفي المياه العذبة، يمكن لكفاءة استخدام المياه واستعادة النظم البيئية والتعاون على مستوى الأحواض وإعادة الاستخدام أن تعزز القدرة على الصمود وتقلل الضغط على الموارد.
التحلية.. فرصة بشرط الطاقة النظيفة
تمثل تحلية مياه البحر خيارًا متزايد الأهمية لمواجهة نقص المياه، خصوصًا في المناطق الساحلية.
لكن التحدي الرئيسي يتمثل في ارتفاع احتياجاتها من الطاقة.
ولهذا، تتجه الابتكارات الجديدة إلى خفض استهلاك الطاقة في عمليات التحلية، مع اعتبار استخدام الطاقة المتجددة عنصرًا أساسيًا في جعل هذه الحلول أكثر استدامة.
ولا يتوقف التحدي عند المياه المحلاة نفسها، إذ تظل هناك حاجة إلى حلول قائمة على العلم والطبيعة للتعامل مع المياه شديدة الملوحة والنواتج الثانوية لعمليات التحلية، بما يقلل آثارها البيئية.
القطاع الخاص.. من التبرعات إلى الاستثمار في المرونة
يرى التقرير أن الشركات لا ينبغي أن تكون مجرد «أصحاب مصلحة» في قضية المياه، بل جهات معرضة مباشرة لمخاطر المياه وشريكًا أساسيًا في تنفيذ الحلول.
فمساهمة القطاع الخاص لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى التكنولوجيا والبيانات والخبرة التشغيلية والتأثير في الأسواق والقدرة على تنفيذ المشروعات على نطاق واسع.
لكن المطلوب هو الانتقال من مشروعات المسؤولية المجتمعية المنفصلة إلى نماذج تجارية قابلة للاستمرار، تحقق في الوقت نفسه: كفاءة أعلى + مخاطر أقل + قيمة اقتصادية وبيئية مشتركة.
وفي المقابل، تستطيع الحكومات والتعاون الدولي دعم هذه العملية من خلال بناء مشروعات قابلة للاستثمار، ووضع المعايير، وتحسين أنظمة البيانات، وتوفير آليات لتقاسم المخاطر.
3 مؤتمرات دولية قد تعيد رسم أجندة المياه
تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة مع اقتراب عدد من المحطات الدولية.
ومن المقرر عقد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي في ديسمبر 2026، يليه مؤتمر عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات في ريو دي جانيرو في أبريل 2027، ثم مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمحيطات في بوسان بكوريا الجنوبية في يونيو 2028.
ويمكن لهذه المؤتمرات أن توفر منصة تجمع الحكومات والمؤسسات المالية والعلماء والمجتمع المدني وقطاع الأعمال حول قضايا المياه العذبة والمحيطات بدلًا من التعامل معها كملفات منفصلة.
كما يمكن أن تساعد في تعزيز التنسيق بين الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بالمياه والإدارة المستدامة لها، والهدف الرابع عشر المتعلق بحفظ المحيطات ومواردها واستخدامها بصورة مستدامة.
من «المصدر إلى البحر».. إدارة دورة المياه كاملة
أحد المفاهيم التي يطرحها هذا الاتجاه هو الانتقال نحو إدارة المياه من المصدر إلى البحر، بحيث لا تتوقف الإدارة عند حدود النهر أو المدينة أو الساحل.
فالملوثات التي تبدأ في منطقة داخلية قد تنتقل عبر الأنهار إلى الساحل، بينما يمكن لتغيرات المحيط أن تؤثر في الطقس والأمطار ومصادر المياه على اليابسة.
وبالتالي، فإن حماية المياه العذبة تعني في الوقت نفسه حماية المحيطات، والعكس صحيح.
وهذا الترابط يفرض إعادة التفكير في طريقة توجيه التمويل والاستثمار، بحيث لا تُقيّم مشروعات المياه بمعزل عن آثارها على الزراعة والطاقة والغذاء والتنوع البيولوجي والمحيطات.
دورة واحدة.. واستجابة يجب أن تكون واحدة
المشكلة الأساسية ليست أن العالم يفتقر إلى المياه فقط، بل أنه يدير المياه في كثير من الأحيان بطريقة لا تعكس حقيقة أنها دورة واحدة مترابطة.
فإذا استمر فصل قضايا المياه العذبة عن المحيطات، فقد تظل السياسات تعالج أعراض الأزمة دون معالجة الروابط التي تصنعها.
أما الجمع بين العلم والسياسات والاستثمار والتنفيذ حول دورة مائية واحدة، فيمكن أن يساعد على خفض المخاطر النظامية، وبناء اقتصادات ومجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وحماية النظم البيئية.
فالرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير واضحة: الإيجابي للمياه العذبة هو في النهاية إيجابي للمحيط، وحماية المحيط تبدأ أيضًا من اليابسة.
وفي عالم تتزايد فيه الضغوط المناخية والمائية، لم يعد من الكافي إدارة كل جزء من الدورة على حدة؛ فالاستجابة نفسها يجب أن تصبح دائرية، مستدامة، ومبنية على حقيقة أن المياه لا تعرف الحدود التي ترسمها السياسات.





