أخبارالمدن الذكية

حل طبيعي لمواجهة موجات الحر.. النباتات العمودية تبرد المدن وتقلل استهلاك الطاقة

الجدران الخضراء.. مساحات خضراء عمودية سلاح ضد ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية

مع تزايد تأثيرات التغير المناخي وتسارع التوسع العمراني، أصبحت المدن حول العالم أكثر عرضة لظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، وهي الظاهرة التي تجعل المناطق الحضرية أكثر حرارة من المناطق الريفية المحيطة بها بعدة درجات مئوية.

وتؤدي هذه المشكلة إلى زيادة موجات الحر الشديدة، وارتفاع استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد، وتعاظم الضغوط على شبكات الطاقة، فضلاً عن ارتفاع مخاطر انقطاع التيار الكهربائي خلال الفترات الحارة.

وفي محاولة لإيجاد حلول فعالة لهذه التحديات، توصل فريق بحثي دولي بقيادة باحثين من جامعة أوساكا متروبوليتان اليابانية إلى أن الجدران الخضراء والنباتات العمودية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في خفض درجات الحرارة داخل المباني وخارجها، وتحسين الراحة الحرارية للسكان، حتى في ظل الظروف المناخية القاسية.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Energy and Buildings العلمية المتخصصة.

الجزر الحرارية الحضرية.. تحدٍ متفاقم

تنشأ ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية نتيجة استبدال المساحات الطبيعية بالنشاط العمراني المكثف، حيث تمتص الطرق الإسفلتية والمباني الخرسانية كميات كبيرة من أشعة الشمس وتعيد إطلاقها على شكل حرارة.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، أصبحت هذه الظاهرة أكثر حدة، ما يؤدي إلى تدهور جودة الحياة داخل المدن وزيادة الطلب على أجهزة التكييف، وبالتالي ارتفاع استهلاك الطاقة وانبعاثات الغازات الدفيئة.

ورغم أن العديد من الدراسات السابقة ركزت على تحسين البيئة الخارجية للمدن، فإن الباحثين يؤكدون أن الظروف الحرارية داخل المباني وخارجها مترابطة بشكل وثيق عبر أغلفة المباني والجدران والأسطح، وهو ما يستدعي دراسة متكاملة لكلا الجانبين.

محاكاة متقدمة لظروف مناخية قاسية

أجرى الباحثون دراستهم على منشأة تعليمية في مدينة شاهرود الإيرانية، التي تتميز بصيف شديد الحرارة، ما يجعلها نموذجًا مناسبًا لاختبار فعالية حلول التبريد الحضري.

واستخدم الفريق نهجًا متطورًا يجمع بين نموذج طاقة المباني ونموذج المناخ الحضري المصغر، بهدف تحليل التفاعل بين الظروف الحرارية داخل المباني والبيئة المحيطة بها.

كما اعتمدت الدراسة على بيانات مناخية واقعية وسيناريوهات مستقبلية تأخذ في الاعتبار تأثيرات التغير المناخي، إضافة إلى ظروف متطرفة مثل موجات الحر وانقطاع الكهرباء، لتقييم أداء المباني في أكثر الظروف صعوبة.

الجدران الخضراء تخفض الحرارة داخل المباني

أظهرت النتائج أن تركيب جدار أخضر على الواجهة الجنوبية للمبنى ساهم في تحسين الظروف الحرارية الداخلية وخفض درجات الحرارة بما يصل إلى 1.7 درجة مئوية.

وتعمل الجدران الخضراء من خلال توفير طبقة نباتية عازلة تمتص جزءًا من الإشعاع الشمسي وتحد من انتقال الحرارة إلى داخل المبنى، كما تسهم عملية النتح النباتي في تبريد الهواء المحيط بشكل طبيعي.

ويرى الباحثون أن هذا الانخفاض في درجات الحرارة يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على تقليل استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد، خاصة خلال أشهر الصيف الحارة.

ألوان المباني تؤثر في الراحة الحرارية

المباني

لم تقتصر الدراسة على الجدران الخضراء فقط، بل تناولت أيضًا تأثير خصائص مواد البناء الخارجية، وخاصة معامل الانعكاس الضوئي أو “الألبيدو”، ويقيس هذا المؤشر مقدار الضوء والطاقة الشمسية التي يعكسها السطح بدلاً من امتصاصها.

وأظهرت النتائج أن الأسطح الخارجية منخفضة الانعكاس ساعدت في تحسين الراحة الحرارية الخارجية بما يعادل نحو 1.5 درجة مئوية.

في المقابل، كانت الأسطح ذات الانعكاس المرتفع أكثر فاعلية في تقليل درجات الحرارة داخل المباني من خلال الحد من امتصاص الطاقة الشمسية.

كما كشفت الدراسة أن الخصائص الإشعاعية للمواد المستخدمة في الواجهات الخارجية تؤثر في البيئة الحرارية بدرجة أكبر من السعة الحرارية للمادة نفسها، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير مواد بناء أكثر كفاءة في مواجهة الحرارة.

أهمية خاصة أثناء موجات الحر وانقطاع الكهرباء

موجات الحر
موجات الحر

تكتسب نتائج الدراسة أهمية مضاعفة في ظل تزايد تكرار موجات الحر الشديدة عالميًا وارتفاع احتمالات تعرض شبكات الكهرباء للضغط أو الانقطاع.

ففي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة المباني على الحفاظ على درجات حرارة مقبولة دون الاعتماد الكامل على أنظمة التبريد الميكانيكية عنصرًا أساسيًا لتعزيز مرونة المدن وحماية السكان.

ويؤكد الباحثون أن الجدران الخضراء والحلول المستندة إلى الطبيعة يمكن أن توفر وسيلة فعالة للحفاظ على الراحة الحرارية حتى في حالات الطوارئ، ما يقلل من المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض للحرارة المفرطة.

نحو مدن أكثر استدامة

تقنية جديدة تراقب نبض المدن من الفضاء
المدن

يرى الفريق البحثي أن نتائج الدراسة تمثل دليلًا أوليًا يمكن الاستفادة منه عند تصميم مبانٍ أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية المتطرفة.

كما يمكن أن تسهم في تطوير استراتيجيات متكاملة للحد من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية تجمع بين التخطيط العمراني المستدام وتصميم المباني الذكية واستخدام المساحات الخضراء.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في العديد من مناطق العالم، قد تصبح الجدران الخضراء والأسطح النباتية جزءًا أساسيًا من المدن المستقبلية، ليس فقط لتحسين المظهر الجمالي، بل أيضًا لحماية السكان وتقليل استهلاك الطاقة وتعزيز الاستدامة البيئية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading