أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

حرب إيران تضاعف تلوث النفط بالخليج العربي.. تحذيرات من كارثة بيئية ومخاطر على الحياة البحرية ومياه الشرب

تسربات النفط والحروب تهدد مياه الخليج العربي.. تحذيرات من تلوث يمتد لسنوات

تتجه الحرب الدائرة في الشرق الأوسط إلى ترك آثار بيئية طويلة الأمد، مع تصاعد المخاوف من التلوث الناتج عن القنابل والصواريخ وحرائق المنشآت النفطية، التي تطلق المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية الضارة في الغلاف الجوي، فضلًا عن التسربات النفطية التي تهدد النظم البيئية البحرية في الخليج العربي.

وبحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية، أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية التي استهدفت منشآت نفطية إلى اندلاع حرائق غطت أجزاء من طهران بسحب كثيفة من الدخان الأسود، وسط تقارير عن هطول أمطار محملة بملوثات نفطية، ما عرّض ملايين السكان لمستويات مرتفعة من التلوث قد تترتب عليها آثار صحية طويلة الأمد.

ولم تقتصر التداعيات على اليابسة، إذ امتدت إلى مياه الخليج العربي، حيث أسفرت الهجمات التي طالت السفن والبنية التحتية النفطية عن تسربات نفطية أمكن رصدها عبر صور الأقمار الصناعية.

وأعلنت وزارة التغير المناخي والبيئة الإماراتية، الخميس، إغلاق شواطئ مؤقتًا في إمارة أم القيوين بسبب تسرب نفطي من ناقلة، مع بدء السلطات إجراءات احتواء التلوث والحد من آثاره البيئية.

ولم يتأكد ما إذا كان التسرب مرتبطًا بالهجمات الإيرانية، لكنه يمثل مؤشرًا إضافيًا على المخاطر التي تواجه الخليج العربي، أحد أكثر النظم البيئية البحرية تميزًا وحساسية في العالم.

 

تضاعف التلوث النفطي في الخليج العربي

على مدى أشهر، تعرضت سفن الشحن وناقلات النفط للاستهداف في مضيق هرمز، الممر الحيوي لنقل النفط والغاز بين الخليج العربي وخليج عُمان.

وقال برايان بارنز، الباحث ضمن فريق من علماء المحيطات المتخصصين في تحليل صور الأقمار الصناعية بجامعة جنوب فلوريدا الأمريكية، إن آثار بعض الهجمات البحرية تظهر في صورة بقع نفطية ممتدة لمسافات طويلة.

وأوضح بارنز أن الفريق رصد، في حالات استهداف سفن كبيرة، امتدادات نفطية تظل ظاهرة لفترات طويلة، ويمكن أن تصل إلى مئات الكيلومترات بعيدًا عن مواقع الاستهداف.

وعلى الرغم من أن التلوث النفطي ليس ظاهرة جديدة في الخليج العربي، فإن مقارنة أجراها بارنز وزملاؤه بين صور الأقمار الصناعية خلال مارس 2026 والفترة نفسها من العام السابق كشفت عن زيادة حادة في مساحة النفط المرصود على سطح المياه.

وقال بارنز إن كمية النفط السطحي المرصودة في منطقة الخليج العربي بلغت نحو ضعف المستوى المتوقع في غياب صراع عسكري واسع النطاق.

لكن الباحث أشار إلى أن صور الأقمار الصناعية تكشف وجود النفط على سطح المياه، ولا توفر وحدها معلومات كافية عن سُمك الطبقة النفطية، وهو عامل ضروري لتقييم الحجم الفعلي للتلوث وتحديد مدى خطورته.

وتزداد صعوبة تقييم الأضرار بسبب محدودية الوصول الميداني إلى المناطق المتأثرة بالصراع، الأمر الذي يعرقل جمع العينات البحرية ومراقبة تأثير الملوثات على الكائنات الحية.

تضاعف التلوث النفطي في الخليج العربي
تضاعف التلوث النفطي في الخليج العربي

الخليج العربي.. نظام بيئي فريد يواجه مخاطر متزايدة

يحتضن الخليج العربي تنوعًا بيولوجيًا بحريًا مهمًا، إذ يوفر موائل لعدة أنواع من السلاحف البحرية، ومئات الأنواع من الأسماك، كما يضم ثاني أكبر تجمع عالمي للأطوم، المعروفة باسم أبقار البحر.

وقال برنهارد ريغل، الأستاذ بجامعة نوفا ساوث إيسترن الأمريكية، الذي درس البيئة البحرية للخليج العربي على مدى عقود، إن أحد أكبر تجمعات أسماك قرش الحوت في العالم يوجد بالقرب من حقل بارس الجنوبي للغاز، الواقع في المنطقة البحرية المشتركة بين إيران وقطر.

وتوفر الجزر الرملية البحرية ومروج الأعشاب البحرية الواسعة بيئات ملائمة للتكاثر والتغذية، في حين تؤدي غابات المانجروف والشعاب المرجانية دورًا مهمًا في توفير مناطق آمنة لنمو صغار الدلافين والطيور البحرية وأسماك قرش الحوت.

وتكتسب هذه الموائل أهمية إضافية خلال فصل الربيع، الذي يمثل موسمًا مهمًا لتكاثر العديد من الكائنات البحرية، في وقت تصاعدت فيه العمليات العسكرية بالمنطقة.

وتواجه الكائنات البحرية في الخليج ظروفًا طبيعية قاسية بالفعل، إذ يُعد من أكثر البحار ارتفاعًا في درجات الحرارة، كما يشهد تغيرات موسمية حادة.

فعلى سبيل المثال، تتراوح درجات حرارة المياه بالقرب من مدينة الكويت بين نحو 16 درجة مئوية خلال الفترات الأكثر برودة و36 درجة مئوية في ذروة الصيف.

وفي مقال نشرته في وقت سابق من العام، دعت رزان خليفة المبارك، المبعوثة الخاصة لوزير الخارجية الإماراتي لشؤون الطبيعة، إلى وقف الهجمات التي تهدد الخليج.

وأكدت أن الخسائر المالية الناجمة عن الأضرار البيئية يمكن تقديرها، لكن فقدان النظم البيئية والأنواع الحية لا يمكن اختزاله في قيمة مالية، محذرة من أن بعض الأنظمة الطبيعية قد لا تتمكن من التعافي بعد تدهورها.

الخليج العربي.. نظام بيئي فريد يواجه مخاطر متزايدة
الخليج العربي.. نظام بيئي فريد يواجه مخاطر متزايدة

لماذا قد يتحول التلوث إلى كارثة بيئية طويلة الأمد؟

تفرض الخصائص الجغرافية للخليج العربي تحديات إضافية أمام احتواء التلوث، فهو مسطح مائي ضحل نسبيًا، لا يتجاوز عمق أعمق مناطقه نحو 110 أمتار، وتبلغ مساحته قرابة 241 ألف كيلومتر مربع.

كما يرتبط بالمحيط المفتوح عبر منفذ بحري رئيسي واحد هو مضيق هرمز، الذي يصل الخليج العربي بخليج عُمان، ومنه إلى المحيط الهندي.

وتحد هذه الخصائص من قدرة الملوثات على الانتشار والتخفيف بسرعة، ما يزيد احتمالات بقائها في المياه وانتقالها بين المناطق الساحلية المختلفة.

وقال ريغل إن آثار التسرب النفطي لا تتوقف عند الدولة التي وقع الحادث قبالة سواحلها، بل يمكن أن تنتقل إلى دول أخرى بفعل حركة المياه والتيارات البحرية.

وضرب مثالًا بأن قطرة النفط التي تدخل الخليج من الجانب الإيراني قد تصل إلى الكويت بعد عام، ثم إلى الجانب العُماني بعد عام آخر، قبل أن تتحرك إلى خارج الخليج.

وتبرز حرب الخليج عام 1991 بوصفها تحذيرًا من حجم الأضرار المحتملة؛ إذ أضرمت القوات العراقية المنسحبة النار في مئات آبار النفط الكويتية، ما تسبب في كارثة بيئية امتدت آثارها إلى مناطق واسعة من الخليج.

وقال ريغل إن السواحل تعرضت لأضرار جسيمة، ولا يزال النفط القديم موجودًا في الرمال ببعض المناطق الساحلية السعودية، رغم مرور عقود على تلك الأحداث، وهو ما يوضح صعوبة التخلص من الملوثات النفطية بعد تسربها إلى البيئة.

لماذا قد يتحول التلوث إلى كارثة بيئية طويلة الأمد؟
لماذا قد يتحول التلوث إلى كارثة بيئية طويلة الأمد؟

محطات تحلية المياه تحت تهديد التلوث النفطي

لا تقتصر المخاطر على الحياة البحرية والسواحل، بل تمتد إلى أمن المياه، إذ يعتمد عشرات الملايين من سكان دول الخليج على محطات تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب.

وتنتج الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي نحو ثلث المياه المحلاة في العالم، فيما تعتمد البحرين والكويت على التحلية في توفير الغالبية العظمى من احتياجاتهما من مياه الشرب.

وقد يؤدي وصول الملوثات النفطية إلى مآخذ محطات التحلية أو تأثر منشآتها إلى تعقيد عمليات المعالجة، وفرض إجراءات احترازية أو توقفات تشغيلية، بما يهدد استمرارية إمدادات المياه إذا لم تتوافر بدائل كافية.

وتقدم حرب الخليج عام 1991 مثالًا على حجم التحدي؛ فبعد إطلاق كميات هائلة من النفط عمدًا إلى مياه الخليج خلال حرب العراق، اضطرت الكويت إلى الاعتماد على مساعدات خارجية، شملت نقل المياه باستخدام الصهاريج والشاحنات، لتلبية احتياجات السكان من المياه.

وتكشف هذه التجربة أن التلوث النفطي واسع النطاق قد يتحول من أزمة بيئية إلى تهديد مباشر للأمن المائي، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر ولا تمتلك مصادر بديلة كافية.

الخليج العربي في مرمى التلوث النفطي.. مخاطر على الشعاب المرجانية والسلاحف والثدييات البحرية
الخليج العربي في مرمى التلوث النفطي.. مخاطر على الشعاب المرجانية والسلاحف والثدييات البحرية

الخليج العربي مختبر طبيعي لفهم تغير المناخ

تمتد تداعيات التلوث إلى المجال العلمي أيضًا، إذ قد تؤدي الأضرار التي تلحق بالنظم البحرية في الخليج العربي إلى إضعاف قدرة الباحثين على دراسة كيفية استجابة الكائنات البحرية لارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ.

وأشار ريغل إلى أن درجات الحرارة المرتفعة التي تسجلها مياه الخليج تشبه الظروف التي يُتوقع أن تشهدها مناطق بحرية استوائية أخرى مع اقتراب نهاية القرن الحالي.

ويتميز الخليج بامتلاكه مجموعات من الكائنات التي تكيفت عبر الزمن مع الظروف الحرارية القاسية والتقلبات البيئية الحادة، ما يجعله موقعًا مهمًا لدراسة قدرة الحياة البحرية على التكيف مع الاحترار العالمي.

وأوضح ريغل أن هذه الخصائص تمنح الخليج قيمة علمية كبيرة، لأن فهم آليات التكيف لدى الكائنات التي تعيش فيه قد يساعد الباحثين على توقع التغيرات التي ستطرأ على النظم البحرية الأخرى مستقبلًا.

وأضاف أن الخليج العربي قد يوفر مؤشرات مهمة على طبيعة المحيطات في نهاية القرن الحادي والعشرين، عندما تصبح درجات الحرارة المرتفعة أكثر انتشارًا في البحار حول العالم.

الخليج العربي مختبر طبيعي لفهم تغير المناخ
الخليج العربي مختبر طبيعي لفهم تغير المناخ

لكن استمرار التلوث وتدهور الموائل البحرية قد يقوضان هذه القيمة العلمية، ويهددان التنوع البيولوجي الذي يجعل الخليج أحد المواقع المهمة لفهم مستقبل المحيطات في ظل تغير المناخ.

وتشير هذه المخاطر مجتمعة إلى أن الأضرار البيئية للحرب لا تقتصر على مواقع القصف أو الدول المتورطة في الصراع، بل يمكن أن تمتد عبر الحدود البحرية، لتطال التنوع البيولوجي والأمن المائي والقدرة العلمية على فهم التغيرات المناخية المقبلة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة