الوقود الأحفوري سيظل المصدر الرئيسي للكهرباء في أفريقيا حتى 2030
3139 محطة كهرباء تكشف مستقبل الطاقة في أفريقيا.. التوسع في السدود يهدد المياه والتنوع الحيوي
كشفت دراسة حديثة أن الوقود الأحفوري سيواصل هيمنته على قطاع الكهرباء في أفريقيا خلال السنوات المقبلة، رغم التوسع المتسارع في مشروعات الطاقة المتجددة، ما يطرح تحديات متزايدة تتعلق بأمن المياه وتغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
واعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات شاملة تضم 3139 محطة كهرباء في مختلف أنحاء القارة الأفريقية، تشمل المحطات العاملة حاليًا، وتلك قيد الإنشاء، والمشروعات المخطط لها حتى عام 2030، لتقديم واحدة من أكثر الصور تفصيلًا وحداثة حول مستقبل الطاقة في أفريقيا.
تحدي الكهرباء في أفريقيا
لا يزال نحو 43% من سكان أفريقيا يفتقرون إلى خدمات الكهرباء، وتتركز النسبة الأكبر منهم في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ما يجعل توسيع إنتاج الطاقة ضرورة ملحة لتحقيق هدف الأمم المتحدة المتمثل في توفير الكهرباء بأسعار معقولة للجميع بحلول عام 2030.
لكن زيادة إنتاج الكهرباء لا ترتبط فقط بتوفير الطاقة، بل تحمل أبعادًا بيئية ومائية معقدة، إذ تستهلك محطات الطاقة كميات كبيرة من المياه، كما تسهم بعض مصادرها في انبعاث كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري المسببة لتغير المناخ.
قاعدة بيانات غير مسبوقة
أعد فريق من الباحثين المتخصصين في إدارة المياه المتكاملة قاعدة بيانات قارية تضمنت جميع أنواع محطات الكهرباء في أفريقيا، سواء المعتمدة على الفحم والنفط والغاز الطبيعي أو مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والكتلة الحيوية والطاقة الحرارية الأرضية.
كما شملت القاعدة محطات الطاقة النووية ومشروعات استعادة الحرارة المهدرة، مع تحديد الإحداثيات الجغرافية الدقيقة لكل محطة وبيانات تتعلق بتاريخ التشغيل والقدرة الإنتاجية واستهلاك المياه والانبعاثات الكربونية.
ويهدف المشروع إلى توفير مصدر مفتوح للبيانات يساعد الحكومات وصناع القرار والباحثين على وضع سياسات متكاملة تراعي احتياجات الطاقة والمياه والمناخ في آن واحد.
نمو كبير في إنتاج الكهرباء
تشير نتائج الدراسة إلى أن إنتاج الكهرباء في أفريقيا مرشح للارتفاع بنسبة 57% بحلول عام 2030 مقارنة بالمستويات الحالية.
كما سترتفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة من 19% إلى 34% من إجمالي إنتاج الكهرباء خلال الفترة نفسها، ما يعكس توسعًا ملحوظًا في الاستثمارات الخضراء بالقارة.
ورغم هذا التقدم، فإن نحو 61% من كهرباء أفريقيا ستظل تعتمد على الوقود الأحفوري بحلول عام 2030، ما يعني استمرار الاعتماد الكبير على الفحم والنفط والغاز الطبيعي كمصادر رئيسية للطاقة.
استثمارات ضخمة في الطاقة
تتصدر دول مثل نيجيريا ومصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجنوب أفريقيا والجزائر وموزمبيق خطط التوسع في مشروعات الطاقة الكهرومائية والغازية والنووية.
في المقابل، تستثمر دول مثل المغرب وجنوب أفريقيا ومصر وناميبيا وإثيوبيا وكينيا وغانا بشكل كبير في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
كما تتجه كينيا وإثيوبيا وأوغندا وتنزانيا إلى تعزيز استثماراتها في الطاقة الحرارية الأرضية مستفيدة من خصائصها الجيولوجية الفريدة.
في المقابل، لا تزال دول مثل الصومال وإريتريا تعاني ضعفًا شديدًا في مشروعات الكهرباء الجديدة نتيجة الصراعات وعدم الاستقرار السياسي وضعف التمويل والقدرات المؤسسية.
المياه في قلب المعادلة
حذرت الدراسة من أن التوسع في الطاقة الكهرومائية قد يؤدي إلى زيادة استهلاك المياه في أفريقيا بنسبة تصل إلى 73% بحلول عام 2030.
ويثير هذا الأمر مخاوف بيئية متزايدة، لأن السدود ومحطات الطاقة الكهرومائية تؤثر على النظم البيئية النهرية والتنوع الحيوي في المياه العذبة، بما في ذلك الأسماك التي تمثل مصدرًا غذائيًا رئيسيًا لملايين السكان.
كما تتأثر الحيوانات البرية المرتبطة بالأنهار والبحيرات، مثل أفراس النهر والتماسيح، وهو ما قد ينعكس على الأنشطة السياحية المعتمدة على الحياة البرية.
وتوضح الدراسة أن الاعتماد على الطاقة الكهرومائية يجعل إنتاج الكهرباء أكثر عرضة لتقلبات المناخ، مثل موجات الجفاف والفيضانات، كما حدث في زامبيا خلال عام 2024 عندما أدى انخفاض منسوب المياه في سد كاريبا إلى انقطاعات واسعة للكهرباء.
الوقود الأحفوري والانبعاثات
أظهرت الدراسة أن التوسع في محطات الفحم والغاز الطبيعي سيكون العامل الأكبر وراء زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 19% حتى عام 2030.
وتشهد دول مثل الجزائر وليبيا ونيجيريا وتنزانيا وجنوب أفريقيا تنفيذ أو التخطيط لمحطات غازية كبيرة، بينما تستمر نيجيريا وزيمبابوي وبوتسوانا في التوسع بمشروعات الفحم.
في المقابل، تتميز الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بانخفاض استهلاكها للمياه وتراجع بصمتها الكربونية مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، فضلًا عن إمكانية تنفيذ مشروعاتها خلال فترة قصيرة تتراوح بين عام وعامين فقط.
ما الذي تحتاجه أفريقيا؟
يرى الباحثون أن التخطيط لقطاع الطاقة يجب ألا يقتصر على حساب كميات الكهرباء المنتجة فقط، بل يجب أن يشمل تقييم استهلاك المياه والانبعاثات الكربونية المرتبطة بكل مصدر للطاقة.
كما يدعون إلى تعزيز التنسيق بين قطاعات المياه والطاقة والزراعة، خاصة في الدول التي تتشارك الأحواض والأنهار العابرة للحدود، لضمان استدامة الموارد الطبيعية وحماية النظم البيئية.
وتؤكد الدراسة أن أفضل مسار لمستقبل الطاقة في أفريقيا يتمثل في الجمع بين مصادر الطاقة المتجددة المختلفة، وأنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات، وشبكات النقل الإقليمية، إلى جانب الحلول اللامركزية مثل أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية ومحطات الطاقة المائية الصغيرة في المناطق الريفية.

ويخلص الباحثون إلى أن توفير بيانات دقيقة ومفتوحة حول مشروعات الطاقة يمثل عنصرًا أساسيًا لدعم القرارات الحكومية وتحقيق تنمية أكثر استدامة، في وقت تواجه فيه القارة تحديًا مزدوجًا يتمثل في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء مع الحفاظ على الموارد المائية والحد من الانبعاثات الكربونية.






very informative articles or reviews at this time.