أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

محطات كهرباء عائمة.. حل لتوفير الطاقة للمناطق الساحلية والجزر

بديل لتوفير الطاقة حيث تندر الأراضي.. طاقة على سطح البحر.. كيف تعمل محطات الكهرباء العائمة وما حدودها؟

تتوسع مشروعات الطاقة المتجددة حول العالم مع تسارع تركيب الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، في محاولة لخفض انبعاثات قطاع الطاقة والحد من آثار تغير المناخ.

لكن التوسع في البنية التحتية للطاقة الشمسية والرياح يواجه تحديين رئيسيين؛ إذ تحتاج هذه المشروعات إلى مساحات واسعة من الأراضي، كما يمكن أن تغير شكل المناظر الطبيعية في المناطق التي تقام فيها.

وفي المناطق الساحلية والجزر والمدن التي تعاني محدودية الأراضي، يبرز حل مختلف يتمثل في محطات الكهرباء العائمة، وهي منشآت محمولة على سفن أو بوارج يمكنها إنتاج الكهرباء وإرسالها إلى شبكات الطاقة الموجودة على اليابسة.

وقد بدأت هذه التقنية في جذب اهتمام متزايد باعتبارها وسيلة يمكن أن توفر إمدادات كهرباء للمجتمعات الساحلية والمناطق النائية، سواء بصورة دائمة أو مؤقتة.

محطات كهرباء عائمة

فكرة قديمة تعود من جديد

لا تعد فكرة محطات الكهرباء العائمة جديدة تمامًا، ففي عام 1931، جرى تحويل سفينة الشحن SS Jacona إلى محطة كهرباء عائمة قادرة على إنتاج الكهرباء بصورة مؤقتة، وكانت أول سفينة من هذا النوع، واستخدمت لتوفير الطاقة للمجتمعات الساحلية في شمال شرق الولايات المتحدة، التي كانت تتعرض لانقطاعات كهرباء متكررة خلال الأحوال الجوية القاسية.

وتوسع تطوير محطات الكهرباء العائمة بعد الحرب العالمية الثانية، ومن الأمثلة على ذلك تحويل ناقلة النفط USS Saranac إلى محطة عائمة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، بدأت شركات صناعية كبرى، من بينها Westinghouse وWärtsilä، في بناء بوارج كهرباء عائمة لتوفير الطاقة للدول النامية.

ويمكن لهذه المحطات توفير إمدادات دائمة للكهرباء، بما في ذلك لمدن بأكملها، كما حدث في بيفيك الروسية ولواندا في أنجولا.

وفي المقابل، يمكن استخدامها بصورة مؤقتة لتوفير الطاقة لأنشطة محددة، مثل عمليات التعدين، أو أثناء حالات الطوارئ الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو أعطال البنية التحتية.

وتنقسم محطات الكهرباء العائمة بصورة أساسية إلى نوعين: السفن الكهربائية والبوارج الكهربائية.

السفن الكهربائية.. محطات تتحرك إلى حيث الحاجة

السفن الكهربائية هي سفن ذاتية الدفع، وغالبًا ما تكون سفن شحن ضخمة جرى تحويلها إلى محطات لإنتاج الكهرباء.

وتضم هذه السفن محطة كهرباء كبيرة تعتمد عادةً على الغاز الطبيعي أو أنواع من الوقود الهيدروكربوني، مثل زيت الوقود الثقيل.

ويمكن للسفن الانتقال إلى المناطق الساحلية التي تحتاج إلى الكهرباء، وهو ما جعلها خيارًا مستخدمًا بصورة خاصة في بعض الدول النامية أو المناطق التي تعاني نقصًا في قدرات توليد الكهرباء.

وكانت السفينة التركية MV Doğan Bey من أوائل السفن الكهربائية الحديثة ذاتية الدفع التي دخلت الخدمة. وكانت قد بُنيت أصلًا عام 1983 كسفينة شحن، قبل تحويلها عام 2010، ثم نشرها لتوفير الكهرباء لمدينة البصرة في جنوب العراق.

كانت السفينة التركية “دوغان باي” (Doğan Bey) أول سفينة حديثة تعمل بالطاقة تُستخدم لتوليد الكهرباء

البوارج الكهربائية والطاقة الشمسية

أما بوارج الطاقة فهي سفن مسطحة القاع لا تمتلك محركات ذاتية، ويتم قطرها إلى المكان المطلوب، ثم تبدأ في إنتاج الكهرباء بعد ربطها بالبنية التحتية الكهربائية المحلية.

ومن بين أشكالها بوارج مزودة بألواح شمسية وبطاريات لتخزين الكهرباء، وتُعرف باسم بوارج الطاقة الشمسية.

ويمكن لهذا النوع أن يكون مناسبًا بصورة خاصة للمجتمعات النهرية أو الساحلية النائية، حيث يمكن استخدام الكهرباء في الأنشطة القريبة من الشاطئ، مثل الاستزراع المائي وتربية المحار.

لكن بوارج الطاقة الشمسية تختلف عن أنظمة الطاقة الشمسية العائمة التقليدية.

ففي المزارع الشمسية العائمة، توضع الألواح مباشرة على سطح بحيرة أو خزان مياه، مثل بعض مشروعات معالجة مياه الصرف، وتظل مرتبطة بالموقع ولا يمكن نقلها بسهولة.

أما البارجة الشمسية، فهي منصة قابلة للنقل يمكن قطرها إلى موقع آخر وفق احتياجات الطاقة.

حدود الطاقة الشمسية العائمة

رغم مزاياها، تواجه بوارج الطاقة الشمسية حدودًا مرتبطة بكمية الكهرباء التي يمكنها إنتاجها، وتتراوح قدرتها من بضعة ميجاوات إلى نحو 50 ميجاوات، كما تعتمد بصورة كبيرة على الظروف المناخية والموقع الجغرافي.

فقد تكون البارجة الشمسية مناسبة في المناطق التي تتمتع بساعات طويلة من أشعة الشمس، مثل أستراليا أو اليابان، لكنها تصبح أقل ملاءمة للمناطق القطبية التي يمكن أن تمر بفترات طويلة من العام دون ضوء الشمس، وقد تصل فترة غياب الشمس في بعض المناطق القطبية إلى نحو أربعة أشهر.

أما السفن الكهربائية التقليدية، فتعتمد بدرجة كبيرة على النفط الخام وغيره من أنواع الوقود الهيدروكربوني، وهو ما يجعلها مرتبطة بانبعاثات مرتفعة في وقت تتجه فيه أنظمة الطاقة عالميًا نحو خفض الانبعاثات.

وهذه القيود دفعت الاهتمام نحو نوع مختلف من محطات الطاقة العائمة: المحطات النووية العائمة.

المفاعلات النووية تصل إلى البحر

تعتمد محطات الطاقة النووية العائمة على مفاعلات نووية مدمجة لتوليد الكهرباء، وكانت محطة أكاديميك لومونوسوف الروسية أول محطة نووية عائمة عاملة، وقد طورتها روسيا خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتعمل باستخدام مفاعلين نوويين معدلين.

وفي عام 2019، وصلت المحطة إلى مدينة بيفيك النائية في سيبيريا، حيث بدأت توفير الكهرباء والطاقة الحرارية للمنطقة.

وتستطيع المحطات النووية العائمة من هذا النوع إنتاج كمية من الطاقة تكفي لتزويد مدينة يتجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة، وفق البيانات الواردة في التقرير.

ومن بين المزايا التي يطرحها هذا النموذج إمكانية تقليل الاعتماد على مولدات الديزل في المناطق النائية، وما يرتبط بها من انبعاثات وملوثات، بما في ذلك السخام الأسود الذي يمثل مشكلة خاصة في المناطق القطبية.

كما يتيح التصميم المدمج للمفاعلات إعادة تزويد كل مفاعل بالوقود بصورة منفصلة، ما يساعد على استمرار توليد الكهرباء.

ولهذه الأسباب، بدأت دول ومناطق مختلفة تدرس إمكانات محطات الطاقة النووية العائمة، بما في ذلك مناطق على سواحل البحر المتوسط، إلى جانب النرويج واليابان والهند.

الطاقة النووية العائمة ليست بلا مخاطر

رغم قدرتها العالية على إنتاج الكهرباء، تواجه المحطات النووية العائمة مجموعة من التحديات البيئية والتقنية والتنظيمية.

ومن أبرز المخاوف التعامل مع الوقود النووي المستهلك والتخلص منه بصورة آمنة، إضافة إلى الاحتمال النادر لوقوع حادث خطير يؤدي إلى تلف قلب المفاعل.

كما أن وجود محطة نووية في بيئة بحرية يضيف اعتبارات تتعلق بحماية المياه والأنظمة البيئية والاستجابة للحوادث، خصوصًا عندما تكون المحطة قريبة من مناطق سكنية أو ساحلية.

ولا تزال تجربة هذا القطاع محدودة نسبيًا، إذ توجد محطة نووية عائمة عاملة واحدة فقط، بينما تعمل روسيا ودول أخرى، من بينها كوريا الجنوبية، على تطوير مشروعات لمحطات عائمة يمكن استخدامها محليًا أو تسويقها دوليًا.

أسئلة قانونية لم تجد إجابات نهائية

إلى جانب التحديات التقنية والبيئية، تثير محطات الطاقة العائمة، وخاصة النووية منها، مجموعة من الأسئلة القانونية والتنظيمية.

فمن بين الأسئلة المطروحة: هل تُعامل هذه المنشآت قانونيًا باعتبارها سفنًا أم محطات كهرباء؟

كما تبرز تساؤلات حول معايير السلامة التي ينبغي تطبيقها، والجهة المسؤولة عن الرقابة، وكيفية التعامل مع المسؤولية عن أي أضرار بيئية أو حوادث محتملة.

وتزداد هذه الأسئلة تعقيدًا عندما تعمل المحطات في المياه الدولية أو تنتقل بين مناطق تخضع لأنظمة قانونية مختلفة، ما يطرح أيضًا مسألة تطبيق قواعد القانون الدولي، بما فيها القواعد المرتبطة بالبحار.

وقد وضع المكتب الأمريكي للشحن (American Bureau of Shipping) أول مجموعة شاملة من القواعد الخاصة بأنظمة الطاقة النووية البحرية والمنشآت البحرية العائمة.

ويمثل ذلك خطوة في اتجاه وضع إطار تنظيمي، لكن توسع استخدام هذه التكنولوجيا سيتطلب أطرًا وطنية ودولية أكثر وضوحًا لتحديد معايير التصميم والتشغيل والسلامة والمسؤولية البيئية.

حل إضافي لأزمة المساحة أم تقنية في بدايتها؟

تقدم محطات الكهرباء العائمة إمكانية نقل قدرات توليد الكهرباء إلى المناطق التي تفتقر إلى الأراضي أو البنية التحتية الكافية، كما تتيح بعض النماذج نقل مصدر الطاقة نفسه من موقع إلى آخر.

وتتنوع هذه الخيارات بين البوارج الشمسية والبطاريات ذات القدرات المحدودة نسبيًا، والسفن التي تعمل بالوقود التقليدي، وصولًا إلى المحطات النووية العائمة ذات القدرة الأكبر.

لكن اختلاف التقنيات يعني أيضًا اختلاف التحديات؛ فالمحطات الشمسية تعتمد على توافر الإشعاع الشمسي، والسفن التقليدية ترتبط بالوقود والانبعاثات، بينما تفرض المحطات النووية متطلبات أكثر تعقيدًا تتعلق بالسلامة وإدارة الوقود والنفايات والتنظيم القانوني.

لذلك، لا تمثل محطات الطاقة العائمة حلًا واحدًا لجميع المناطق الساحلية، وإنما تشكل مجموعة من التقنيات التي يمكن أن توفر خيارات إضافية لتوليد الكهرباء في المواقع التي تجعل محدودية الأراضي أو البنية التحتية أو طبيعة الطلب على الطاقة الحلول التقليدية أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة