أخبارالاقتصاد الأخضر

6 مليارات دولار تغيّر خريطة السيارات الكهربائية.. لماذا اختارت الصين المغرب؟

هل تنجح الاستثمارات الصينية في تحويل المغرب إلى مركز لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية؟

المغرب يراهن على البطاريات والسيارات الكهربائية لتعزيز التصنيع الأخضر

رسوم أوروبا على السيارات الصينية تفتح بابًا جديدًا للتصنيع الأخضر في المغرب

تتجه المغرب نحو ترسيخ موقعها بوصفها مركزًا محتملًا لصناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها، مستفيدة من تدفق الاستثمارات الصينية، والحضور الصناعي الأوروبي، وموقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، في وقت تحاول فيه المفوضية الأوروبية الحد من تدفق السيارات الكهربائية الصينية منخفضة السعر إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة مع إعلان شركات صينية استثمارات تصل قيمتها إلى نحو 6 مليارات دولار في مصانع البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية بالمغرب، وفقًا للتقرير المنشور في موقع «ذا كونفرسيشن» في 12 أكتوبر 2026.

لكن تحول المغرب إلى مركز حقيقي للصناعة الخضراء لن يتوقف على حجم الاستثمارات وحده، بل سيتحدد أيضًا بمدى انتقال التكنولوجيا إلى الشركات المحلية، وتدريب المهندسين والعمال، وزيادة المكون المحلي، بدلًا من الاكتفاء باستخدام البلاد نقطة عبور للمنتجات الصينية في طريقها إلى أوروبا.

لماذا تتجه شركات السيارات الصينية إلى المغرب؟

تستحوذ الصين على أكثر من 70% من إنتاج السيارات الكهربائية عالميًا. وخلال عام 2024، أنتجت أكثر من 12 مليون سيارة كهربائية، صدّرت منها نحو 1.25 مليون سيارة، كان الجزء الأكبر من صادراتها متجهًا إلى الأسواق الأوروبية.

وأثارت هذه المنافسة قلق الاتحاد الأوروبي، الذي يخشى تأثير السيارات الصينية منخفضة السعر، المدعومة حكوميًا، على شركات السيارات الأوروبية والوظائف المرتبطة بها، والتي يُقدّر عددها بنحو 13 مليون وظيفة.

ولمواجهة هذه المنافسة، فرض الاتحاد الأوروبي في عام 2024 رسومًا جمركية إضافية تصل إلى 35% على السيارات الكهربائية الصينية، فوق التعريفة الأساسية البالغة 10%.

ومع ذلك، لم تحقق الإجراءات الأوروبية حتى الآن النتائج المرجوة بالكامل؛ إذ اقتربت مبيعات السيارات الصينية في أوروبا من الضعف بين عامي 2024 و2025، بحسب التقرير.

وفي هذا السياق، يوفر المغرب خيارًا استراتيجيًا للشركات الصينية التي تسعى إلى إنشاء قاعدة إنتاج خارج الصين، مع الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى السوق الأوروبية.

فإنتاج السيارات داخل المغرب قد يتيح الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، شريطة استيفاء قواعد المنشأ والمتطلبات التجارية ذات الصلة، وليس مجرد شحن المنتجات عبر الأراضي المغربية.

السيارات الكهربائية

ميناء طنجة ومناطق التصنيع يعززان جاذبية المغرب

لا تعتمد جاذبية المغرب على موقعه الجغرافي وحده، بل تستند أيضًا إلى بنية صناعية ولوجستية جرى تطويرها على مدى عقدين.

ويبرز ميناء طنجة المتوسط، الذي يُعد من أهم مراكز الشحن في المنطقة، باعتباره حلقة رئيسية في ربط المصانع المغربية بالأسواق الأوروبية والعالمية.

كما تحيط به مناطق صناعية متخصصة صُممت لاستقطاب شركات السيارات وموردي المكونات.

ويستفيد المغرب كذلك من اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب كونه، وفقًا للتقرير، الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي ترتبط باتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة.

وتمنح هذه العوامل الشركات العاملة في المغرب مزايا لوجستية وتجارية، وإن كانت الاستفادة الفعلية منها تظل مرتبطة بالقواعد المنظمة للتجارة والمنشأ والمنتجات المصدّرة.

الفوسفات والكوبالت.. قاعدة محتملة لصناعة البطاريات

يمتلك المغرب ميزة أخرى تتمثل في موارده المعدنية اللازمة لصناعة البطاريات.

ويشير التقرير إلى أن البلاد تمتلك نحو 70% من احتياطيات الفوسفات العالمية، إلى جانب موارد من الكوبالت، وهما من المواد ذات الأهمية في سلاسل توريد البطاريات وتقنيات تخزين الطاقة.

لكن وجود الموارد الطبيعية لا يعني تلقائيًا امتلاك صناعة متكاملة للبطاريات؛ فالقيمة الصناعية الأكبر تتحقق عندما تنتقل الدول من استخراج المواد الخام وتصديرها إلى معالجتها، وإنتاج المواد الفعالة لخلايا البطاريات، ثم تصنيع الخلايا والمكونات والمنتجات النهائية.

ومن هنا، فإن توطين صناعة البطاريات في المغرب يمكن أن يفتح مجالًا للاستفادة من موارده المعدنية في إنتاج صناعي ذي قيمة مضافة أعلى، بدلًا من الاقتصار على تصدير الخامات.

بطارايات السيارات الكهربائية
بطارايات السيارات الكهربائية

صناعة سيارات قائمة وليست بداية من الصفر

يمتلك المغرب بالفعل قاعدة صناعية راسخة في قطاع السيارات، إذ أصبحت السيارات ومكوناتها من أبرز صادرات البلاد.

وتشكل مصانع شركتي رينو وستيلانتس، المالكة لعلامات تجارية من بينها بيجو وفيات وألفا روميو، جزءًا أساسيًا من هذه القاعدة.

ووفقًا للتقرير، بلغت صادرات السيارات ومكوناتها المغربية نحو 17 مليار دولار خلال عام 2024، ما عزز موقع البلاد شريكًا صناعيًا وتجاريًا مهمًا للاتحاد الأوروبي.

كما أسهمت هذه الصناعة في تدريب أعداد من العمال المغاربة على عمليات التجميع والتصنيع، وتطوير شبكة من الموردين والخبرات الصناعية التي يمكن البناء عليها في التحول نحو السيارات الكهربائية.

ومع ذلك، لا تزال السيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين والديزل تمثل الغالبية العظمى من الإنتاج.

فمن بين نحو 560 ألف مركبة أنتجها المغرب في عام 2024، لم يتجاوز عدد السيارات الكهربائية قرابة 50 ألف سيارة، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وهذا الفارق يوضح حجم التحول المطلوب، لكنه يكشف أيضًا عن مساحة محتملة للنمو مع توسع الاستثمارات الجديدة.

استثمارات أوروبية وصينية تدفع التحول الكهربائي

تستعد صناعة السيارات المغربية لمرحلة جديدة مع خطط استثمارية لشركات أوروبية، من بينها ستيلانتس ورينو، تستهدف توسيع قدرات إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة.

وفي الوقت نفسه، تتجه الاستثمارات الصينية إلى سد بعض الفجوات في سلسلة التوريد المحلية، خصوصًا في إنتاج مواد الكاثود وخلايا البطاريات.

ويعني تلاقي هذه الاستثمارات أن المغرب قد لا يقتصر دوره على تجميع السيارات، بل يمكنه التوسع تدريجيًا في تصنيع مكونات أكثر تقدمًا، وربط صناعة السيارات بقطاع البطاريات والمواد اللازمة لها.

غير أن تحقق هذا السيناريو يتطلب استثمارات مستدامة، وتطوير المهارات الفنية، وبناء شبكة موردين محليين، إلى جانب نقل المعرفة والتكنولوجيا.

السيارات الكهربائية

كيف مهّدت السياسات الحكومية لهذه الفرصة؟

لم تظهر مكانة المغرب الصناعية الحالية مصادفة، فقد عملت الحكومة على مدى نحو عقدين على تهيئة بيئة جاذبة للمصنعين، من خلال إنشاء مناطق صناعية ومناطق حرة تتيح استيراد السلع وتصنيعها ومعالجتها وإعادة تصديرها وفق أنظمة ضريبية وجمركية خاصة.

ومن أبرز هذه المناطق «مدينة طنجة للسيارات»، التي تجمع شركات التصنيع وموردي المكونات والخدمات المرتبطة بالقطاع في منظومة صناعية متكاملة نسبيًا.

كما أشار التقرير إلى إدخال المغرب ضريبة على الكربون خلال عام 2026، في إطار الاستعداد لمتطلبات التجارة الأوروبية المرتبطة بانبعاثات الكربون.

وتزداد أهمية هذه الخطوة مع تشديد السياسات الأوروبية على البصمة الكربونية للسلع المستوردة، وإن كانت تفاصيل التطبيق والالتزامات الفعلية تختلف بحسب نوع المنتج والآلية التنظيمية المعنية.

خطر التحول إلى ممر لتجاوز الرسوم الأوروبية

رغم الفرص المتاحة، فإن زيادة الاستثمارات الصينية لا تضمن وحدها تحقيق تنمية صناعية طويلة الأجل في المغرب.

فقد تستخدم بعض الشركات البلاد بوصفها نقطة عبور لإعادة تصدير منتجات صينية بعد إجراء عمليات محدودة عليها، بهدف تفادي الرسوم الجمركية الأوروبية.

وقد سبق للاتحاد الأوروبي أن اتخذ في عام 2025 إجراءً بشأن عجلات الألومنيوم الواردة من المغرب، على خلفية ما اعتبره دعمًا غير عادل مرتبطًا بالصين.

وتوضح هذه الحالة أن وجود مصنع أو منشأة في المغرب لا يمنح المنتج تلقائيًا منشأً مغربيًا مؤهلًا للاستفادة من الامتيازات التجارية؛ إذ تتوقف المعاملة الجمركية على قواعد المنشأ وطبيعة العمليات التصنيعية الفعلية.

وفي المقابل، يمكن للاستثمارات الصينية أن تحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر إذا اتجهت إلى إنشاء مصانع متكاملة، ونقل التكنولوجيا، وتدريب المهندسين المحليين، والشراء من الموردين المغاربة، بدلًا من الاقتصار على عمليات التجميع المحدودة أو إعادة التصدير.

وهذا هو الفارق بين طفرة تجارية مؤقتة وتحول صناعي حقيقي يرفع القيمة المضافة المحلية ويخلق وظائف أكثر تخصصًا.

ثلاثة تحديات أمام طموح المغرب الصناعي

تواجه طموحات المغرب ثلاثة تحديات رئيسية.

أولها، أن الرسوم الأوروبية الإضافية على السيارات الكهربائية الصينية مقررة لمدة خمس سنوات، وقد تتغير تبعًا للتطورات القانونية والتجارية.

ولذلك لا يمكن بناء استراتيجية صناعية طويلة الأجل على افتراض استمرار هذه الرسوم إلى أجل غير محدد.

وثانيها، احتمال بقاء التكنولوجيا المتقدمة وحقوق الملكية الفكرية وسلاسل التوريد الرئيسية في أيدي الشركات الأجنبية، بما قد يحد من قدرة الشركات المغربية على تطوير منتجاتها ورفع حصتها من القيمة المضافة.

أما التحدي الثالث، فيتعلق بالتقلبات الجيوسياسية والتغيرات السريعة في سياسات التجارة والمناخ، التي يمكن أن تدفع الشركات إلى تعديل خطط الإنتاج والاستثمار والأسواق المستهدفة.

وفي مواجهة هذه المخاطر، يحتاج المغرب إلى سياسات تضمن أن تقترن الحوافز الاستثمارية بالتدريب ونقل المعرفة وتطوير الموردين المحليين، مع توسيع القدرات البحثية والهندسية المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية.

السيارات الكهربائية

هل يصبح المغرب مركزًا عالميًا للسيارات الكهربائية؟

يمتلك المغرب عددًا من المقومات التي تؤهله للعب دور متزايد في صناعة السيارات الكهربائية: قاعدة تصنيع قائمة، وموانئ ومناطق صناعية متطورة، واتفاقيات تجارية مهمة، وموارد معدنية، واستثمارات أوروبية وصينية متنامية.

لكن النجاح لن يُقاس فقط بعدد السيارات المنتجة أو حجم الأموال التي تتدفق إلى المصانع، بل بمدى تحول هذه الاستثمارات إلى صناعة محلية قادرة على تصنيع المكونات المتقدمة، وتطوير المهارات، وتوسيع قاعدة الموردين، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل البلاد.

وإذا نجح المغرب في تحقيق ذلك، فقد تتحول المنافسة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، على نحو غير مقصود، إلى فرصة لدفع التصنيع الأخضر في شمال أفريقيا، وربط الموارد المعدنية الأفريقية بسلاسل إنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية.

أما إذا ظل دوره مقتصرًا على التجميع المحدود أو إعادة التصدير، فقد تكون المكاسب أقل استدامة، وأكثر ارتباطًا بالرسوم التجارية والظروف الجيوسياسية المتغيرة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة